قال سيث فراتزمان في مقال له في صحيفة «جيروزاليم بوست» إن فرنسا تشعر بالغضب من أمريكا؛ بسبب تراجع الأخيرة في مواجهة ما تراه باريس تهديدًا إيرانيًّا لاستقرار المنطقة.

وأوضح فراتزمان أن فرنسا اتخذت موقفًا جديدًا لنفسها في المناقشات التي جرت في الخليج هذا الأسبوع، بعد تخلي الأمريكيين عن مواجهة تهديدات إيران ضد السعودية ودول أخرى. تريد باريس الآن أن تلعب دورًا أكثر قوة في الأمن البحري، مع تراجع نفوذ واشنطن في المنطقة.

أدانت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، أمريكا لانسحابها من الصفقة النووية مع إيران، كما أدانت الأخيرة في حوار المنامة في البحرين في عطلة نهاية الأسبوع. نظم المؤتمر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وضم وزراء خارجية وقادة من المنطقة، فضلًا عن مسؤولين أمنيين ودفاعيين.

وقالت: «لقد رأينا فك الارتباط الأمريكي المتعمد والتدريجي». وانتقدت أيضًا الرئيس السابق باراك أوباما لتركه «الطائرات المقاتلة على مدرج المطار»، في إشارة إلى قرار الولايات المتحدة في عام 2013 بعدم معاقبة نظام بشار الأسد في سوريا، بسبب هجمات الأسلحة الكيميائية.

استحضر الفرنسيون ذكريات سيئة من عام 2013 عندما، وفقًا لصحيفة لو نوفيل أوبسيرفاتور، أراد الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند شن عملية عسكرية لمعاقبة الأسد – يشير فراتزمان – وشملت الأهداف الفرقة الرابعة المدرعة والصواريخ ومراكز القيادة. لكن الولايات المتحدة قررت التراجع عن الهجوم. نفذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا غارات جوية في عامي 2017 و2018 ضد سوريا، لكنها كانت أصغر بكثير، ولم تكن نتيجة لهجوم كيميائي.

قالت بارلي إن باريس شعرت بخيبة أمل لعدم تحرك الولايات المتحدة بعد الهجوم على منشأة بقيق السعودية، الذي أعقب الهجمات الإيرانية على السفن وإسقاط طائرة أمريكية بلا طيار. يؤكد الفرنسيون أن الولايات المتحدة تتراجع في وجه التهديدات.

وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي

أضافت بارلي: «عندما مر تفجير السفن دون عقاب، أُسقطت طائرة بدون طيار. وعندما مرّ إسقاط الطائرة بدوره دون رد، قُصفت المنشآت النفطية الرئيسية. هذا أمر خطير حتى بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أنهم يكسبون؛ لأن الجرأة ليست بعيدة عن الوقاحة، والوقاحة ليست بعيدة عن الطيش».

وفقًا للبيان الصادر عن بارلي – يضيف فراتزمان – قالت إن الفرنسيين شاهدوا «صورًا لجنرالات ملتحين يتفقدون حطام طائرة أمريكية بدون طيار أسقطت فوق الخليج»، في إشارة إلى إسقاط إيران في 20 يونيو (حزيران) طائرة Global Hawk. ووصفتها بأنها «قطعة تكنولوجية مدهشة»، وألمحت إلى أنها عرضت بشكل مخز على التلفزة الإيرانية.

يبدو أن الرسالة المراد إيصالها هي أن أمريكا ضعيفة. الإشارات في المنطقة «تلمح إلى الضعف الشديد للنظام القائم على التعاون؛ هذا المزيج من الوجود الأمريكي، والأعراف، ودرجة من التعددية، وبعض الاستقرار في الحكم، وقدر معتبر من الردع»، وفقًا لبارلي.

لقد ولت هذه الأيام – ينوه فراتزمان- ويقول الفرنسيون إن حجر الزاوية يهتز. إذ صرحت بارلي قائلة: «لقد بدأ الصرح في الانهيار»، مضيفة أن التغيير في الموقف الأمريكي كبير جدًّا على نحو غير مسبوق، «بصرف النظر عمن سيفوز في الانتخابات المقبلة».

لم يكن هذا خطابًا عاديًّا – يشدد فراتزمان – ولكنه كان بمثابة تحذير للولايات المتحدة – وإشارة للمنطقة بأن فرنسا تشعر بالقلق وتريد أن تلعب دورًا أعمق. أشارت وزيرة الدفاع الفرنسية إلى كيف تستغل الدول العدوانية الفراغ في المنطقة، منوهة إلى أن اللغة التركية غير معروفة بين سكان عين عيسى في سوريا، واللغة الروسية منتشرة في بنغازي بليبيا، واللغة الصينية تغزو جيبوتي. هذا مهم لأن فرنسا هي القوة الاستعمارية التاريخية لسوريا. لعب الفرنسيون دورًا في ثورة 2011 في سوريا؛ ولها علاقات قوية مع جيبوتي، إذ تقيم قاعدة بحرية هناك. وتشعر باريس بالقلق من أن الدول الأخرى تنتقل إلى مناطق النفوذ الفرنسية.

كما تشعر فرنسا بالاشمئزاز من إساءة نظام الأسد ومؤيديه، وكذلك تركيا، معاملة الناس في سوريا. لقد صدمت من الغزو التركي والهجمات على الأكراد، وقد سعى الرئيس الفرنسي لمناقشة ما يعنيه ذلك بالنسبة للناتو. تقول فرنسا إن مجلس الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي منقسمان. وقد جرى التعامل مع «صفقة إيران» على أنها «كارثة»، بينما تتجاهل القوانين الدولية «فلسطين» – في إشارة واضحة إلى الاعتراف الأمريكي الأخير بشرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. تراقب فرنسا بعناية الاحتجاجات في إيران وكذلك الجيل الذي ينهض في لبنان، الذي أشارت بارلي إلى أنه ولد بعد اتفاق الطائف لعام 1989، وأنهى الحرب الأهلية اللبنانية.

طائرة Global Hawk المسيرة

يوجد حوالي 240 ألف مواطن و2800 جندي فرنسي في الشرق الأوسط – يقول فراتزمان – وهو ما يؤكد أن فرنسا عازمة على البقاء. زارت وزيرة الدفاع الإمارات بعد البحرين لمناقشة اتفاقيات دفاعية، وبناء ثلاث قواعد عسكرية.

قالت بارلي: «لقد أرسلت دفعة متقدمة من إجهزة الإنذار المسبق، بما في ذلك الرادارات المتطورة وعشرات من المشغلين لردع هجمات الصواريخ بدون طيار وصواريخ كروز». يبدو أن فرنسا مستعدة للمساعدة في حراسة الخليج. تقول الدولة أيضًا إنها ستستمر في «الهجوم بلا هوادة» ضد داعش، وأنها تشعر بالقلق إزاء عمليات النظام السوري في إدلب.

توجهت المسؤولة الفرنسية بعد ذلك إلى الدوحة لمواصلة المناقشات حول الأمن الإقليمي. والتقت بنائب رئيس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع القطري الدكتور خالد بن محمد العطية. وأوضحت بارلي: «لدينا العديد من الأصدقاء. إذ تساعد فرنسا في قيادة بعثة مراقبة بحرية أوروبية. سوف تكون منفصلة عن الوجود الأمريكي، ولكن ستنسق معه».

يواصل فراتزمان كلامه بأن الجهد البحري الجديد سيدار من القاعدة الفرنسية في أبوظبي، وفقًا لوزارة الدفاع. وقد التقت بارلي ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يوم السبت الماضي. إن هذا ربيع فرنسي جديد في الشرق الأوسط. قالت بارلي: «أعتقد أن فرنسا يمكن أن تساعد في ابتكار حلول مشتركة لمواجهة تحديات الغد، وليس مجرد تحديد من يقاتل من، ومن يردع من».

سوف يمتد الجهد من الخليج إلى سوريا وحتى شمال أفريقيا، حيث تلعب فرنسا دورًا رئيسيًّا في محاربة المتطرفين في الساحل. هذا أمر مهم؛ لأن وزارة الخارجية الفرنسية حذرت المسافرين من السفر إلى بوركينا فاسو. كما درب 400 جندي فرنسي، كجزء من عملية برخان، 4 آلاف جندي سنغالي منذ عام 2014 أيضًا.

«أفضل شريك أوروبي».. هل تملأ فرنسا الفراغ الذي خلفته روسيا في الهند؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد