تتجه أنظار العالم كافة صوب باريس لمتابعة سباق الرئاسة الفرنسي، الذي يُعتقد أن نتيجته ستكون ذات تأثير كبير في الساحة السياسية الأوروبية، فإما دعم لوحدة الاتحاد الأوروبي، وإخماد النزعة المتطرفة الصاعدة، وإما حدوث صدع خطير في جسد الاتحاد، وتحقيق المتطرفين المزيد من المكاسب.

وفي الوقت الذي يستعد فيه المرشحون الثلاثة الرئيسيون للمناظرة التلفزيونية الثانية مساء اليوم الثلاثاء، 4 أبريل (نيسان) 2017، تقدم لنا صحيفة «الجارديان» البريطانية نظرة مفصلة على المرشحين الثلاثة وبرامجهم الانتخابية، ومن منهم الأقرب لتحقيق الفوز في هذا السباق التاريخي.

ما قصة هذه الانتخابات؟ ولماذا هي مهمة؟

يستعد الناخبون الفرنسيون للتوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد يومي 23 أبريل (نيسان)، و7 مايو (أيار)، وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن مرشحة اليمين المتطرف –مارين لو بان– التي تعهدت بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي ربما تفوز في الجولة الأولى. إلا أن نفس الاستطلاعات تشير إلى أن لو بان ستخسر في الجولة الثانية أمام مرشح أكثر شعبية.

أحد هذين المرشحين هو إمانويل ماكرون –وزير يساري سابق ويمثل تيار الوسط– والآخر هو فرانسوا فيلون، رئيس وزراء يميني سابق تلاحقه فضيحة فساد.

يقول التقرير إن الكثيرين باتوا لا يثقون في استطلاعات الرأي بعد النتائج الصادمة لاستفتاء البريكزت، وانتخابات الرئاسة الأمريكية. وهكذا، فإن فوز لو بان ليس مستبعدًا.

وترى الصحيفة أن فوز لو بان سيمثّل صفعة كبرى لأوروبا، وستضطرب الأسواق المالية بشدة، وسيعتبر ذلك خطوة ناجحة أخرى لتيار الشعبويين في أوروبا.

لكن فوز ماكرون سيثبت أقدام المعتدلين الداعمين لوحدة أوروبا، وذلك في أعقاب هزيمة اليميني المتطرف –خيرت فيلدرز– في الانتخابات التشريعية الهولندية، مما قد يشير إلى أن ما حدث في بريطانيا والولايات المتحدة ليس إلا سحابة صيف تمر على أنصار الديمقراطية.

تشير التقديرات إلى خوض ماكرون ولو بان جولة الإعادة

ما شكل الخريطة السياسية الفرنسية؟ وكيف يعمل النظام؟

يتنافس 11 مرشحًا –حصل كل منهم على الأقل على تأييد 500 محافظ أو عضو في البرلمان المحلي أو عضو في البرلمان الأوروبي أو عضو في مجلس الشيوخ– في الجولة الأولى. وسيتنافس أعلى مرشحين في نتائج الجولة الأولى خلال جولة الإعادة بعدها بأسبوعين. ويحتاج المرشح إلى حصد 50% من أصوات الناخبين حتى يتوج فائزًا في السباق.

يقول التقرير إن تشارلز ديجول هو من وضع هذا النظام في عام 1962؛ لإبعاد المتطرفين عن السلطة. وبصرف النظر عمن سيفوز، فإن الانتخابات القادمة تاريخية: فلا يشارك أي من أحزاب يمين الوسط التقليدية، أو يسار الوسط التي حكمت فرنسا منذ خمسينيات القرن الماضي في السباق الحالي.

اقرأ أيضًا: «إيمانويل ماكرون».. الظاهرة الجديدة في انتخابات رئاسة فرنسا

تحقق الجبهة الوطنية اليمينية بزعامة لو بان تقدمًا ثابتًا –كما يؤكد التقرير– فهي تسيطر على 14 بلدية، ولديها عضوان في البرلمان الفرنسي. وقد حققت الجبهة نتائج تاريخية في استطلاعات الرأي الإقليمية في عام 2015، لكن نظام الانتخابات ذي الجولتين أبقاها بعيدًا عن السلطة.

يرى الكثيرون أن فترة الرئيس الحالي فرانسوا هولاند كارثية، مما ضرب الحزب الاشتراكي اليساري الذي ينتمي إليه في مقتل، وهذا ما زاد من فرص ألان جوبيه من حزب الجمهوريين اليميني.

ولكن بعد خسارة جوبيه المفاجئة في الانتخابات التمهيدية –يقول التقرير– اتُهم فيلون، مرشح يدعي نزاهته، بمنح زوجته وظيفة وهمية كمساعدة لزوجها في البرلمان الفرنسي بين عامي 1998 و2002، ويخضع للتحقيق الآن. وقد تراجعت شعبيته بشدة على إثر ذلك.

من يكون المرشحون الثلاثة؟ وماذا يريدون؟

بعد أن درس في معهد الدراسات السياسية في باريس Sciences Po، والمدرسة الوطنية للإدارة École Nationale d’Administration، عمِل ماكرون لمدة قصيرة في مجال الخدمة العامة، ثم انتقل إلى العمل في مصرف روثتشايلد Rothschild، وبعد ذلك أصبح مستشارًا ووزيرًا للاقتصاد في حكومة هولاند.

لم يتولَ أي منصب منتخب، وقد تعهد بإصلاح النظام السياسي الفرنسي. ولا يحسب نفسه على أي تيار سياسي، ويفضل حرية الاقتصاد ودعم الأعمال الحرة، لكنه تقدمي فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية.

ينتقل التقرير للحديث عن لو بان، فهي ابنة جان ماري لو بان، وتعمل محامية، وقد سيطرت على حزب الجبهة الوطنية في عام 2011.

وقد أحاطت فضيحة وظائف وهمية بلو بان هي الأخرى. ولكن في البرلمان الأوروبي، عبرت عن رغبتها في وقف الهجرة، وإنهاء الجريمة، ووقف التمدد الإسلامي، وإخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي.

وتعهدت بمنح الأولوية للشركات الفرنسية، بينما سيكون للفرنسيين الأولوية في سياسات الإسكان والصحة والتعليم وخلق الوظائف.

بعد ذلك، يأتي رئيس وزراء الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، فرانسوا فيلون. وهو سياسي محافظ محسوب على اليمين الكاثوليكي. وقد وعد بإصلاحات اقتصادية جذرية تشمل خفضًا للضرائب والإنفاق العام، وخفض عدد وظائف القطاع العام، ورفع سن التقاعد، وتحرير قوانين العمالة، والقضاء على سلطة النقابات التجارية.

اقرأ أيضًا: انتخابات فرنسا: رياح ترامب تصل قصر الإليزيه.. و«فيون» قادم

ما المشكلات التي تواجههم؟

تلقي الهجمات الإرهابية التي ضربت البلاد وحصدت أرواح حوالي 230 شخصًا خلال العامين الماضيين بظلالها على الانتخابات المقبلة –كما يشير التقرير– وقد خدم ذلك أجندة مارين لو بان التي ترتكز على الأمن، والهجرة، والإسلام، والهوية القومية.

وفوق كل ذلك، ترى لو بان أن فرنسا مقيدة بعضويتها في الاتحاد الأوروبي، كما لم يسلم كل من الإعلام والقضاء من انتقاداتها هي وفيلون.

لكن التقرير يرى أن الانتخابات الفرنسية في معظمها تتعلق باستمرار الشعور بالضيق في بلد ظل اقتصاده ثابتًا منذ سنوات، وتزيد البطالة فيه على 10%. وتشكل قوانين العمل، وخلق فرص العمل، والضرائب، وتوفير الخدمات والرعاية الاجتماعية، مواضيع رئيسية للحملات الانتخابية.

من يتنافس أيضًا؟

هناك اثنان فقط من بين المرشحين الثمانية الآخرين في الجولة الأولى تزيد نسبة تأييدهما على 10% –كما يؤكد التقرير– وهما بينوا هامون، المرشح الرسمي للحزب الاشتراكي، واليساري المتطرف جان لوك ميلينتشون.

يهدف هامون –وهو وزير التعليم ومتمرد يساري سابق– إلى نقل حزبه بقوة اإى اليسار بعد أن دمرته رئاسة هولاند للبلاد. وتعتبر أبرز تعهداته، هي توفير دخل أساسي للمواطنين يكافئ المعدلات العالمية.

أما ميلينشون، فهو وزير اشتراكي، وحل في المركز الرابع في سباق الرئاسة عام 2012. وقد تعهد بتدشين الجمهورية السادسة، وتحقيق العدالة المالية، وإنهاء التقشف، وإقرار نظام بيئي الجديد، بما في ذلك القضاء على الترسانة النووية الفرنسية.

من الأقرب للفوز؟

يقول التقرير إن استطلاعات تشير إلى تعادل لو بان وماكرون في الجولة الأولى، وسيتخلف فيلون عنهما بسبعة نقاط، بينما سيحل كل من هامون وميلينشون في المؤخرة.

في الجولة الثانية، سينتصر ماكرون على لو بان بفارق 20 نقطة، أما لو ترشح فيلون –وهو أمر مستبعد– فسيتفوق على لو بان أيضًا، ولكن بهامش ضئيل.

استطلاعات الرأي تؤكد تفوق ماكرون على لو بان في جولة الإعادة

يشكك معظم المراقبين في قدرة لو بان على حصد أكثر من 50٪ من الأصوات في الجولة الثانية، كما يضيف التقرير. ولكن الدعم الذي تحظى به أكثر صلابة: ففي الاستطلاعات، يؤكد أنصارها أنهم واثقون من دعم مرشحتهم. أما أنصار ماكرون فليسوا على نفس الدرجة من الثقة.

لم يشغل قصر الإليزيه أي مرشح من دون الدعم السياسي واللوجستي لأحد الأحزاب اليسارية، أو اليمينية التقليدية.

وفي الانتخابات السابقة، سمح نظام الجولة الثانية للناخبين من اليسار واليمين بتشكيل جبهة جمهورية موحدة ضد أي مرشح من الجبهة الوطنية.

وما يزال هذا الاتفاق قائمًا –يستطرد الكاتب-، ولكن بعض المراقبين يقولون إنه معرض للخطر الآن؛ إذ إن الناخبين يتملكهم الاستياء، ويعتبرون السياسيين فاسدين وغير فعالين، ولذا يمكن اعتبار الاتفاق محاولة للنجاة بدلًا من كونه حصنًا ضد التطرف.

ويشير التقرير إلى أن دراسة حديثة قد أظهرت أن 89٪ من الناخبين الفرنسيين يعتقدون أن السياسيين لا يستمعون إليهم. وكيف أن تصويت المعوزين سيكون حاسمًا. وإذا ما وقع حدث غير متوقع، مثل هجوم إرهابي كبير آخر، فقد يغير من ديناميكية السباق بأكملها.

ستخسر لو بان أيضًا أمام فيلون في جولة الإعادة

ماذا سيحدث بعد انتخاب الرئيس الجديد؟

ستجري في فرنسا انتخابات تشريعية، بعد شهر من الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، على مدى جولتين، يومي 11 و18 من يونيو (حزيران) المقبل. وستحدد نتيجتها ما إذا كان الرئيس الجديد يمكن أن يحكم فعلاً أم لا.

يعتمد ماكرون على دعم حركة En Marche! الشبابية، لذا حتى يظفر بالأغلبية، سيتعين عليه التحالف مع الأعضاء المعتدلين من كلا الطيفين السياسيين.

يقول التقرير إنه من غير المحتمل أن تحصل الجبهة الوطنية، التي تضم حاليًا نائبين فقط، على ما يقرب من 289 مقعدًا. وهذا سيجعل لوبان غير قادرة على إدارة البلاد.

ويمكنها أن تواجه عقبات أخرى، فالمادة 88-1 من الدستور الفرنسي، على سبيل المثال، تنص على أن فرنسا جزء من الاتحاد الأوروبي. لذا فإن تعهدها بإخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي يتطلب تعديل الدستور، وهو ما لا بد أن يحظى بدعم كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بالإضافة إلى إجراء استفتاء في بعض الحالات.

وبينما يستطيع الرؤساء من حيث المبدأ إجراء استفتاء بدون دعم برلماني، فإنهم الآن بحاجة إلى موافقة المحكمة الدستورية على ذلك. ولهذا، فقد تجد لو بان أن ترك الاتحاد الأوروبي مستحيل عمليًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات