نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا لآرون تيمس، كاتب مستقل معني بالأخبار السياسيَّة والثقافيَّة، ألقى فيه الضوء على طموحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في استعادة أمجاد فرنسا من خلال نشر اللغة الفرنسية والترويج لها من خلال المنظمة الدولية للفرنكفونية.

استهل الكاتب مقاله مشيرًا إلى أن قلعة فيلير كوتيري المُدمَّرة تقع على بُعد 80 كم في الشمال الشرقي من العاصمة الفرنسية باريس، ويأمل إيمانويل ماكرون أن يبني على أطلال هذه القلعة حقبة جديدة من المجد لدولة فرنسا. وقد بُنِيت هذه القلعة خلال القرن السادس عشر، واستُخدِمت على مدار قرنين من الزمان لخدمة الملوك الفرنسيين قبل أن تتدهور تدريجيًّا وتصبح أثرًا. وخلال القرن التاسع عشر أُعيد افتتاحها لغرض آخر لتكون ملجأً للفقراء، ثم أصبحت دارًا للمسنين في الآونة الأخيرة. وقد غادرها آخر المقيمين بها عام 2014، لتظل مهجورة إلى أن وصل المبنى إلى حالٍ يُرثى له.

وفي عام 2018 أعلن ماكرون، المُنتخب حديثًا رئيسًا لفرنسا، عن الخطط التي وضعها لترميم القلعة، ومن ثَمَّ تحويلها إلى مركز دولي لتعليم اللغة الفرنسية. وكانت الحكومة الفرنسية قد خصَّصت 210 مليون يورو لإنجاز هذا المشروع. ومن المُقرر إعادة افتتاح القلعة في عام 2022. واستمر العمل من أجل تحقيق هذا الهدف خلال عام 2020، ويُقال إن عمليات التنقيب الأثرية والتنظيف والتطهير تُجري حاليًا على قدمٍ وساق.

تأجيل انعقاد قمة المنظمة الدولية للفرنكوفونية

لفت الكاتب إلى أن التَّقدُم المُحرَز في أعمال ترميم القلعة كان أحد النقاط الإيجابية القليلة خلال عامٍ كان من المقرر أن يكون عامَ الاحتفال باللغة الفرنسية. إذ احتفلت المنظمة الدولية للفرنكوفونية، المؤسسة التي تمثل الدول والحكومات الناطقة باللغة الفرنسية على مستوى العالم، بالذكرى الخمسين لتأسيسها العام المنصرم، وكان من المقرر أن تبلغ الاحتفالات أوجَّها هذا الشهر تزامنًا مع انعقاد قمة المنظمة الفرنكوفونية، التي تضم 88 دولة عضوًا، في تونس. بيد أن عددًا من هذه الترتيبات قد تأجَّل، أو تقلَّص، أو تحوَّل إلى الانعقاد عبر الإنترنت، وتأجَّل أيضًا انعقاد قمة المنظمة، التي تُعقد كل سنتين، إلى العام المقبل.

Embed from Getty Images

وفي خضم هذه الاضطرابات، تقدَّم ماكرون بخطط طموحة لمواصلة الجهود من أجل دعم المكانة الدولية لفرنسا فضلًا عن إعادة تصنيف الفرنكوفونية _ وهو المصطلح المُستخدَم للإشارة إلى كلٍ من البلدان والشعوب الناطقة باللغة الفرنسية، وعملية نشر اللغة الفرنسية، والحفاظ عليها في جميع أنحاء العالم _ بوصفها أداةً للتنوُّع والإبداع. إلا أن منتقديه ليس لديهم القناعة بأن الفرنكوفونية يمكنها التَّخلص من ماضيها الاستعماري، وقد كشفت الفوضى التي لحقت بإحياء ذكرى تأسيس المنظمة الفرنكوفونية عن التوترات التي لحقت بهذا المشروع من أجل استثمار المهمة العالمية التي تضطلع بها اللغة الفرنسية لتحقيق غرض جديد.

طموح ماكرون لزعامة فرنسا للاتحاد الأوروبي

وأضاف الكاتب أنه مع انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب حالة الركود التي تعاني منها ألمانيا، لم يعد ماكرون يخجل من التأكيد على طموح فرنسا في قيادة الاتحاد الأوروبي. وكان ماكرون قد أجرى لقاءً مع مجلة «لو جرون كونتينو» المعنيَّة بالشؤون الخارجية الفرنسية أوضح خلاله أن عقيدته في السياسة الخارجية تستند إلى مبدأين أساسيين: الأول هو التعددية المتجددة التي تتمحور حول أقطاب جديدة للقوى والمؤسسات وأشكال التعاون، «إن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم يعد قادرًا على تقديم حلول مفيدة الآن»؛ والثاني هو إيجاد اتحاد أوروبي يتمتع بقوة سياسية تُمكِّنه من تقديم حل ثالث للبلدان التي تُبدِي عدم الرضى عن قائمة الخيارات الحالية التي تُقدِّمها القوى العظمى.

تعليم

منذ سنتين
مستعمراتها السابقة «تتمرد».. لماذا يتراجع حضور اللغة الفرنسية في «سوق اللغات»؟

وقال ماكرون للطلاب في جامعة فيلنيوس في ليتوانيا في سبتمبر (أيلول): «لا يمكن أن نقبل العيش في عالم ثنائي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين». وكان من الواضح أن المعنى الخفي بين سطور هذه التصريحات يشير إلى أن فرنسا سوف تتزعم دفع أوروبا نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.

لكن إذا كان مُقدَّرًا لأوروبا أن يكون لها صوت واحد على الساحة العالميَّة، كما يأمل ماكرون، فما الأساس الذي يمكن أن تستند فرنسا عليه كي تتحدث نيابةً عن أوروبا؟ إن الاقتصاد الفرنسي لم يزل أقل قوة من اقتصاد ألمانيا، القائد الفعلي لأوروبا بعد الحرب الباردة، والأمر نفسه ينطبق على عدد السكان، في الوقت الحالي على الأقل (على الرغم من أن اتجاهات النمو الحالية تشير إلى أن فرنسا ستصبح أكبر دولة في أوروبا في تعداد السكان خلال العقود القليلة القادمة). والمبرِّرات التي يسوقها ماكرون لسعي فرنسا نحو قيادة الاتحاد الأوروبي – فضلًا عن الاستقطاب الأوروبي في الشؤون العالمية – ترتبط ارتباطًا وثيقًا بميزة واحدة واضحة تتقدم بها فرنسا على ألمانيا: اللغة.

اللغة الفرنسية هي خامس اللغات الأكثر انتشارًا في العالم

وأفاد الكاتب أن اللغة الفرنسية تحتل المركز الخامس من حيث اللغات الأكثر تحدثًا في العالم، حيث يبلغ عدد المتحدثين بها حوالي 300 مليون (وهو رقم يشمل كلًا من الناطقين الأصليين للغة والمتحدثين بها بطلاقة)، ويبدو أن استخدامها سيشهد انتشارًا على نطاق أوسع في جميع أنحاء العالم في المستقبل. ويعيش ما يقرب من نصف السكان الناطقين بالفرنسية في العالم في أفريقيا، وهي القارة التي تشهد نموًّا سريعًا في استخدام اللغة الفرنسية؛ إذ تُقدر المنظمة الدولية للفرنكوفونية أن عدد الناطقين بالفرنسية في أفريقيا قد يتراوح بين 477 و747 مليونًا بحلول عام 2070.

وكانت السياسات اللغوية في قارة أفريقيا هي أول ما اتبعته فرنسا من أجل نشر اللغة الفرنسية منذ الأيام الأولى للحكم الاستعماري. وكان الجغرافي أونسيم ريكلوس أول من صاغ مصطلح «الفرنكوفونية» في نهاية القرن التاسع عشر، في الوقت الذي كانت تتبارى فيه القوى الأوروبية من أجل الوصول إلى أفريقيا. ووفقًا لما ذُكِر في المؤلفات التي نُشرت بعد إهانة فرنسا على يد البروسيين أثناء الحرب التي امتدت في المدة من 1870 حتى 1871، كان ما يشغل ريكلوس بالأساس هو استعادة مكانة فرنسا في مواجهة صعود ألمانيا. وكان الهدف الذي يسعى إليه ريكلوس والأجيال اللاحقة من القادة الفرنسيين ليس توسيع سيطرة فرنسا في الأقاليم الخارجية فحسب، لكن أيضًا ضمان طول بقاء الأمة الفرنسية من خلال انتشار اللغة عن طريق الحكم الاستعماري.

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى أن ذلك كان برنامجًا عنصريًّا مبنيًّا على المهمة التثقيفية التي حملت فرنسا لواءها وعلى الأساطير التاريخية التي تشهد بالعبقرية اللغوية التي تتمتع بها البلاد، والتي تفيد بأن اللغة الفرنسية تتسم بالوضوح، كما أعلن كاتب القرن الثامن عشر أنطوان دي ريفارول ذات مرة: «أي شيء غير واضح ليس فرنسيًّا»، فضلًا عن إمكاناتها الثورية، وأنها لغة حقوق الإنسان والشمولية الثقافية.

وكتب ريكلوس: «بمجرد أن تصبح اللغة هي الرابط الذي يربط شعبًا ما، فإن جميع العناصر العِرقية لذلك الشعب تخضع لتلك اللغة». وكان هذا رأيًا شائعًا بين المثقفين الفرنسيين في ذلك الوقت. كما قال الخبير الاقتصادي بول ليروي في يوليو (تموز) عام 1874 أنه «من خلال اللغة، من الممكن أن يضع الناس بصمتهم على الأرض والعِرْق». ولم تكن اللغة مجرد عامل لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للاستعمار الفرنسي؛ لأنها في كثيرٍ من النواحي كانت بمثابة الاستعمار الفرنسي نفسه. ومن خلال اتحاد اللغة، كانت فرنسا تأمل في ترسيخ هيمنَة عالمية من شأنها أن تجعل المنافسة في القارة الأفريقية منافسة في غير محلها (كيف نتنافس ونحن نتحدث لغة واحدة).

أفريقيا: الحلم الفرنسي لانتشار اللغة الفرنسية

ونوَّه الكاتب إلى أن هذه لم تكن الكيفية التي نجحت بها الأمور على وجه التحديد، ولكن أصداء هذا الحلم لم تزل قائمة بين أرجاء المؤسسة الفرنسية حتى الآن. وتظل أفريقيا عاملًا أساسيًّا للمحاولات الفرنسية لهندسة نظام عالمي أكثر ملاءمة لمصالحها الخاصة، واللغة هي جوهر هذا الدافع. وفي خطاب ألقاه في جامعة واغادوغو في بوركينا فاسو عام 2017، دعا ماكرون الكاتب الكونغولي الفرنسي آلان مابانكو لقيادة مشروع خاص لدراسة طرق تعبئة اللغة الفرنسية بوصفها قوة محركة لما أطلق عليه «الإبداع الأفريقي».

وبعد التفكير في الاقتراح لبضعة أشهر، نشر مابانكو ردًا صاعقًا في مجلة «لونوفيل أوبسيرفاتور» والذي أشار على نحو خاص إلى ريكلوس وأصل مصطلح الفرنكوفونية في المغامرة الإمبراطورية للجمهورية الثالثة. وكتب: «ما الذي تغيَّر منذ ذلك الحين؟ لسوء الحظ، لم يزل يُنظر إلى الفرنكوفونية على أنها استمرار لسياسة فرنسا الخارجية في مستعمراتها السابقة».

لم يكن هذا هو المستقبل الذي كان يأمل مبتكرو الفرنكوفونية تحقيقَه – لا سيما أولئك الذين ينتمون إلى الدول التي استعمرتها فرنسا في الماضي. وكان للقادة الأفارقة في حقبة إنهاء الاستعمار دور فعَّال في تأسيس المنظمة الدولية للفرنكوفونية، على الرغم من معارضة شارل ديغول، الذي أراد منع الهيمنة الفرنسية الخارجية من أن تصبح مستقلة تمام الاستقلال.

أما بالنسبة للقادة أمثال الحبيب بورقيبة في تونس، وحماني ديوري في النيجر، وليوبولد سيدار سنجور في السنغال، فإن إضفاء الطابع المؤسسي على الفرنكوفونية من خلال المنظمة الدولية للفرنكوفونية، التي أُقِر دستورها رسميًّا في عام 1970، قدَّم آلية لدولهم الناشئة للحصول على مكاسب مساوية لمكاسب القوى الأكثر تطورًا. وتحوَّل التفكير إلى أن العضوية في هيئة أكبر ستسمح للدول المُستعْمرَة سابقًا بتجميع نفوذها على الساحة العالميَّة، من خلال السياسة والأعمال والثقافة.

ورأى سنجور، أكثر المناصرين نفوذًا وتأثيرًا، أن الفرنكوفونية في البداية تُعد وسيلة لإدخال الأدب الأفريقي إلى الجامعات الفرنسية؛ من خلال مشاركته بصدق في الأسطورة القائلة بأن اللغة الفرنسية تُعد لغة للعلم والتحليل والإنسانية. وشعر أن الفرنكوفونية ستصبح أداة للتبادل الثقافي المُشترك بين فرنسا ومستعمراتِها السابقة، وأن فرنسا يمكن أن «تستعْمِر هذه البلدان، ويمكن لهذه البلدان أن تستعْمِر فرنسا بالتبادل» كما كتب عام 1962.

 فرانكفونية جديدة بنكهة استعمارية

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن مع هذه الأصول التحررية، تبقى الفرنكوفونية مثقلة بالمفهوم الذي عبَّر عنه مابانكو. إذ بعد خمسين سنة من تأسيس المنظمة الدولية للفرنكوفونية، لم يزل كثير من الناطقين بالفرنسية يَعُدَّون الفرنكوفونية وسيلة لما يُسمَّى «الفغونس آفريك»، وهي الوسيلة الخاصة الجديدة للتدخل الاستعماري الفرنسي الجديد في أفريقيا، والذي تتمثل أبرز سماته في الفساد، والمحسوبية، واللامبالاة، المدروسة تجاه أي انحرافات تخرج عن خط الديمقراطية المثالية، وفقًا للكاتب.

وفي خطاباته العديدة حول هذا الموضوع، سعى ماكرون جاهدًا لتبديد الشكوك التي تُثار حول الفرنكوفونية الجديدة من كونها ستستمر في استخدام أنماط الزبونية (نظام سياسي واجتماعي يتميز بعلاقات غير متكافئة بين مجموعة من الفاعلين السياسيين ينقسمون إلى رعاة وعملاء وأحزاب سياسية) كما كان عليه الحال في الماضي.

Embed from Getty Images

وفي حين أن المنظمة الدولية للفرنكوفونية أخذت في العقود الأخيرة تفويضًا واسع النطاق نسبيًا لتعزيز التنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان والديمقراطية (غالبًا على نحو غير مكتمل كما لاحظ بعض النقاد مثل مابانكو) وكأنها منظمة مصغرة منبثقة عن الأمم المتحدة، إلا أن ماكرون يحاول توجيه الفرنكوفونية للعودة إلى وظيفتها الأصلية. فالفرنسية في رأيه «يجب أن تكون لغة عالمية، ولغة الترجمة والتأليف والتبادل الثقافي» كما عبَّر عن ذلك في القمة الأخيرة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية عام 2018.

وعلى النقيض من الإنجليزية التي يَعُدَّها «لغة استهلاكية»، يريد ماكرون أن تكون اللغة الفرنسية «لغة الإبداع». وبينما يعترف بالعنف الذي وقع باسم فرنسا في جميع أنحاء مستعمراتِها السابقة، إلا أنه يعتقد أن الفرنسية يمكن أن تمثِّل نقطة حشد للتعددية اللغوية، باعتبارها آلية تقوِّي اللغات الأقل شعبية – خاصة التعابير المحلية الأفريقية – من خلال عرض سلعتها الثقافية مُترجمَةً إلى السوق الفرنكوفونية.

تناقضات وتساؤلات تحملها فكرة ماكرون الجديدة

يشير الكاتب إلى أن هذه الخطابات مليئة بالأفكار والتناقضات أيضًا؛ إذ يدَّعي ماكرون أن الفرنكوفونية قد تجاوزت فرنسا وتنتمي الآن إلى جميع المجتمعات الناطقة بالفرنسية. وقد قال في عام 2018: «إن (مركز) اللغة الفرنسية ليس على يسار نهر السين أو يمينه، بل هو بلا شك في مكان ما في حوض نهر الكونغو». إلا أن القيادة الفكرية والسياسية للمشروع لم تزل إلى حد كبير شأنًا فرنسيًّا. ويرفض ماكرون الفرضية التي تقول إن نجاح اللغة الفرنسية لابد وأن يأتي على حساب اللغات الأخرى، ولكنه في المقابل ينتقد هيمنة اللغة الإنجليزية. ومع أنه مدافع عن التعددية اللغوية، لكنه في الوقت نفسه يقدم الفرنكوفونية باستمرار على أنها مشروع «غزو» أو «إعادة غزو». 

تعليم

منذ سنتين
«خذ السبحة والعن فرنسا».. هل حان وقت التخلي عن اللغة الفرنسية في الجزائر؟

يشير التقرير إلى أن ماكرون مغرم على نحو خاص بالفكرة القديمة القائلة إن الفرنسية لغة «العالمية». ويعيد هذه الكليشيهات مرارًا وتكرارًا متجاهلًا ارتباطها التاريخي بالاستعمار، ومغلِّفًا خطاباته تلك بتلميحات تشير إلى أعمال الكتَّاب والمؤلفين الذين لم يولدوا في فرنسا، ولكنهم كتبوا بالفرنسية مثل: يوجين يونيسكو (مؤلف مسرحي فرنسي من أصول رومانية)، وميلان كونديرا (روائي فرنسي من أصول تشيكية). وهذا أمر يشبه، فيما يحمله من معنى، سياسيًّا يتحدث الإنجليزية ويُظهر أهمية لغته بالإشارة إلى أعمال جوزيف كونراد (أديب إنجليزي من أصول بولندية)، أو فلاديمير نابوكوف (أديب إنجليزي من أصول روسية).

ولكن وفي محاولة منه للحفاظ على توازن خطابه المحفوف بالمخاطر، قد ينتهي الأمر بماكرون إلى إرباك الجميع بمن فيهم هو نفسه؛ إذ إنه يريد إدانة إرث الفرنكوفونية الاستعماري، وفي الوقت نفسه يدفع اللغة الفرنسية نحو «إعادة غزو» العالم بالمعنى الاصطلاحي؛ ويريد أن ينكر وجود منافسة بين اللغات وفي الوقت نفسه يدافع عن قضية ارتبطت تاريخيًّا باندثار المنافسين اللغويين المحليين؛ ويريد تعزيز التعددية والسيادة الفرنسية في آنٍ واحد؛ ويريد إعادة التركيز على الرواية القائلة إن اللغة الفرنسية هي لغة حقوق عالمية وليست كما يقول البعض لغة استعباد واستبداد ولغة الدولة الفيشية (نِسبةً إلى حكومة فيشي الذي تعاون مع قوات الاحتلال النازي في فترة الحرب العالمية الثانية)، وهو وصف بديل مُستخدَم للغة الفرنسية. 

رمزية بلدية فيلير كوتيري

يوضح التقرير أن لا شيء يجسد مركزية فرنسا الدائمة للفرانكوفونية أفضل من اختيار ماكرون لبلدية فيلير كوتيري، وهي رمز ضخم للسلطة الملكية الفرنسية، ليزيِّن بها نهضته اللغوية المخطط لها. ففي هذه البلدة وقَّع فرانسوا الأول عام 1539 على المرسوم الذي ينص على أن الفرنسية، وليس اللاتينية، هي اللغة الرسمية للحكومة.

وهكذا وضع فرانسوا قيد التنفيذ عملية مَركَزة وتجانس لغوي ساهمت على مدى قرون في تدهور اللغات الإقليمية الفرنسية. وهذه الرغبة في التوحد انتقلت في نهاية المطاف لتصبح مشروعًا استعماريًّا، كما أوضح اللغوي لويس جان كالفيت، أدَّى الاستعمار الفرنسي في أفريقيا ومنطقة الكاريبي إلى حالة «افتراس اللغات»، أو فرض اللغة الفرنسية على حساب اللغات الأصلية الأخرى. ولطالما كانت سياسة اللغة الفرنسية ذات مُحصِّلة صفرية، وترمز فيلير كوتيري إلى تاريخها المهيمن والمدمر.

وهذا يجعل القصر الملكي المقام في البلدة مكانًا غريبًا اختاره ماكرون من أجل إطلاق محاولته التي تهدف لجعل الفرنكوفونية الوجه العالمي الجديد للتعددية اللغوية. ولم يزل العمل السياسي لتعديل شكل الفرنكوفونية متواضعًا، فبعيدًا عن عمليات الترميم التي تجري في فيلير كوتيري، عيَّن ماكرون وزيرًا من دون حقيبة وزارية، وأعلن عن خطط تهدف لإنشاء معجم للفرنكوفونية، وتعهد بإعادة الاستثمار في شبكة المدارس الفرنسية في الخارج، ووعد أيضًا بإعادة القطع الأثرية الأفريقية الموجودة في المتاحف الفرنسية إلى بلدانها الأصلية.

توترات متصاعدة في المنظمة العالمية للفرنكوفونية

وألمح الكاتب إلى الدور الهامشي نسبيًّا للمنظمة الدولية للفرنكوفونية في وضع هذه الخطط، والذي ربما يعكس عدم الاستقرار الذي عانت منه المنظمة مؤخرًا. فقبل عامين، أجبرت فرنسا، المُمول الأكبر للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، السيدة الكندية ميشيل جان على الاستقالة من منصب الأمين العام للمنظمة.

وحصلت فرنسا على دعم 54 عضوًا في المؤسسة من أجل تعيين لويز موشيكيوابو، وزيرة الخارجية الرواندية السابقة، وهو تغيير رحَّب به ماكرون باعتباره دفعة من أجل مزيد من المشاركة الأفريقية في الفرنكوفونية. ولكن صعود لويز لم يخْلُ من الجدل؛ وذلك بسبب سجل رواندا السيئ في مجال حقوق الإنسان في عهد الرئيس بول كاغامي، الذي وصفه وزير فرنسي سابق بأنه «عداء» من إدارة كاغامي للغة الفرنسية. 

Embed from Getty Images

وكانت رواندا، المستعمرة البلجيكية السابقة، قد استبدلت الإنجليزية بالفرنسية لتكون اللغة الأساسية للتعليم المدرسي عام 2008، وانضمت إلى الكومنولث بعد ذلك بعام واحد، مع أنها لا تَمُت إلى المملكة المتحدة بأي روابط التاريخية. وحتى عندما أعلن كاغامي عن ترشيح لويز لمنصب أمين عام المنظمة في مؤتمر مشترك مع ماكرون، تحدث باللغة الإنجليزية. 

وعندما كانت في منصبها، لم تهدر لويز وقتًا وسَعَت لإخلاء المنظمة من المسؤولين الذين عُينوا في عهد سلَفها، وبقيت المغادرة المريرة لشخصيات من المستوى الرفيع السمة المتواصلة لعهدها. وفي أكتوبر (تشرين الأول) استقال مدير المنظمة والنائبة الثانية في القيادة، الكندية كاثرين كانو، على نحو مفاجئ وسط شائعات عن خلاف مستمر في قيادة المنظمة. وصرَّح المتحدث باسم المنظمة للصحفيين أن كاثرين كانت شخصية «فوضوية» ويصعب العمل برفقتها، وهو أمر أفقد لويز مزيدًا من نقاط التأييد في كندا التي لم تزل غاضبة لتهميش الأمين العام السابق، الكندية ميشيل جان. وفي الوقت الذي يحتاج فيه ماكرون للمنظمة لإضفاء الشرعية والمؤسسية على خطته الكبيرة للفرنكوفونية، ظهرت الآن بعض التوترات مع ثاني أكبر مساهم مالي في المنظمة.

تهديدات متوهَّمة ترافق رؤساء فرنسا

وأكد الكاتب على أن هذه التوترات لا تخدم قضية ماكرون، إلا أنه من غير المرجح أن تُثنيه عن مساره. ولطالما كان الخيط التاريخي المرشِد لسياسة اللغة الفرنسية هو جنون الارتياب. فعلى مدى قرون، وحتى عندما كانت الفرنسية تزداد شعبية، تخيَّل القادة الفرنسيون أن لغتهم مهددة، مع مخاوف من أن تتخذ الجمهورية لنفسها لغات أخرى. وفي عام 1794، أعلن برتراند باري أمام المؤتمر الثوري الفرنسي أن «الفيدرالية والخرافة تتحدثان اللغة البريتانية، والهجرة والكراهية في الجمهورية تتحدثان الألمانية، والثورة المضادة تتحدث الإيطالية، والتعصب يتحدث الباسكية».

ويبدو أن شيئًا من عقلية الحصار اللغوي لا زالت حاضرة حتى اليوم، كما أشار مابانكو في نقده الشديد لماكرون حين قال: «إن إعادة النظر في الفرانكوفونية لا يقتصر على حماية اللغة الفرنسية فحسب، والتي ليست مهددة على الإطلاق بالصورة التي يُعلَن عنها، والتي دائمًا ما تكون مشبعة بروح جلد الذات الفرنسية المعتادة». 

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: والفرنسية، في جميع الاحتمالات، ستستمر في النمو في العقود القادمة بغض النظر عن الخلط المؤسسي الذي يُرتَكب باسمها. ويتمثل التحدي الذي وضعه ماكرون لنفسه في إلباس اللغة الفرنسية لباس حصان طروادة مقبول من أجل تحقيق طموحات فرنسا العالمية، والتغطية على السياسة الهادفة إلى تحقيق المجد الوطني برداءٍ من لغة الترابط الثقافي والتعددية التي تتقبلها النفوس بقبولٍ حسن. وحتى الآن لم تزل النتائج غير مقنعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد