«إن شاء الله، لن تكون مارين لوبان»، هكذا قال «نسيم» بابتسامة يعلوها القلق، مُضيفًا: «ولكن إذا كانت كذلك، فسنضطر لقبول قدرنا».

وبينما كان يوزع منشورات في الاجتماع السنوي للفرنسيين المُسلمين، الذي انعقد في ختام الأسبوع الماضي، شمال باريس، قال ذو الوجه الطفولي البالغ من العمر 25 عامًا، إنه سيصوّت بسعادة لأي مُرشح آخر لمنع مرشحة الجبهة الوطنية اليمينة «ماريان لوبان» من أن تصير أول رئيسة لفرنسا من اليمين المُتطرف، حتى وإن كان ذلك يعني تخلّيه عن قناعاته اليسارية.

بحسب تقرير نشرته مجلة «بوليتيكو» الأمريكية، تعكس معضِلةُ «نسيم» الموقفَ الصعبَ الذي يجد العديد من الناخبين المسلمين الفرنسيين أنفسهم فيه؛ إذ إنهم موالون على نحو تقليدي لليسار السياسي، ويعزى السبب في ذلك جزئيًّا إلى سجله المتميّز في الدفاع عن المساواة الاجتماعية.

وحملة هذا العام لم تقدّم أي مُرشَح قادر على النجاح من التيار الرئيسي اليساري. وهذا يعني أن سكان فرنسا من المسلمين عليهم المُضيّ بين وعود الحملات الانتخابية لمُرشحين غير مُنضبطين، في نقاش متزايد الاستقطاب أصبحوا فيه أهدافًا أساسية في حد ذاتهم.

تلك النقاشات التي دقت إحدى المُرشحات على وجه الخصوص خلالها ناقوس الخطر بشأن ما قالت إنه التأثير المُتعدي للإسلام الراديكالي في فرنسا.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: انتخابات الرئاسة الفرنسية: 7 أسئلة تشرح لك كل ما تريد معرفته

«إذا وصلت مارين لوبان إلى السلطة، سينتهي حلمنا وطموحنا المُشترك للعيش جنبًا إلى جنب»، هكذا نقل التقرير عن «نسيم»، الطالب بإحدى أفضل كليات الأعمال في باريس.

وفقًا للتقرير، يتوافد نحو 50 ألف زائز إلى ضاحية لو بورجيه في باريس كل عام، من أجل أكبر تجمّع للمسلمين في أوروبا، وهي فعالية تشهد محاضرات بشأن القضايا الروحية والسياسية؛ حيث يحتشد الزوار بمئات الأكشاك لجلب أغطية الرأس، والفساتين، والحلوى الحلال، والكتب، والصابون، والعطور.

«إذا وصلت مارين لوبان إلى السلطة، سينتهي حلمنا وطموحنا المُشترك للعيش جنبًا إلى جنب».

وهذا العام، في أعقاب حملة رئاسية لعب خلالها الإسلام والتهديداتُ المتصوّرة لفرنسا دورًا كبيرًا، كان روادُ المؤتمرِ قلقين بشكل ملحوظ بشأن التصويت يوم الأحد، عندما سيذهب الناخبون في فرنسا إلى صناديق الاقتراع في الجولة الأولى من الانتخابات الأكثر إثارة للتوتر منذ عقود.

«عمار لاسفار»، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية، الذي تولّى تنظيم المعرض خلال الأعوام الـ 34 الماضية، ناشد الحشود المجتمعين أن «يذهبوا ويصوتوا»، فالأمر يرجع إليهم كي «يحموا فرنسا من تهديد اليمين المتطرف»، حسب قوله.

وعشيّة التجمّع في لو بورجيه، أطلقت «لوبان» مقطعًا مصوّرًا طالبت فيه وزارة الداخلية بإغلاق الفاعلية. وقد حثّت «لوبان» الحكومة مرارًا وتكرارًا على حظر اتحاد المنظمات الإسلامية لعلاقاته المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين، وشَكَتْ أنه دعا ما وصفتهم بأنهم «واعظون متشددون ذوو خطابات تتسم بالكراهية» لإجراء معرضه السنوي في الأعوام السابقة.

واتهم «لاسفار» زعيمة الجبهة الوطنية بـ «صب الزيت على النار»، ودافع عن جدارة منظمته بالاحترام باعتبارها أكبر اتحاد للمسلمين في فرنسا. وقد تغير اسم الاتحاد رسميًّا في تجمّع هذا العام ليطلق عليه «مسلمي فرنسا»، في خطوة لدعم صورته في المجتمع الفرنسي الأوسع. وشأنها شأن المرشحين الرئاسيين الآخرين؛ تلقّت «لوبان» دعوةً لحضور المعرض.

لمن سيصوت المسلمون؟

قال التقرير إنه سيكون من الصعب على زعيمة الجبهة الوطنية أن تحصل على العديد من الأصوات على أي حال. فالمسلمون أيدوا بأغلبية ساحقة المرشح الاشتراكي «فرانسوا هولاند» في الانتخابات الأخيرة في عام 2012؛ صوّت ما يقرب من 90% لصالح «هولاند» بدلًا من «نيكولا ساركوزي» المرشح اليميني، وفقًا لدراسة جرت في أعقاب التصويت.

وتحظر فرنسا بشدة جمع البيانات العرقية والدينية، ولم تدرس أي استطلاعات نشرت كيف يمكن للمجتمع الإسلامي – الذي يقدر بنحو 5 ملايين ناخب، وهو واحد من أكبر المجموعات في أوروبا– أن يصوت في انتخابات يوم الأحد المقبل، وفي الجولة الحاسمة من الانتخابات في السابع من مايو (أيار).

«أنطوان جاردين»، عالم الاجتماع في المركز الوطني للبحوث العلمية وجامعة العلوم بو، الذي بحث عادات التصويت للمسلمين في ضواحي الطبقة العاملة، أكد أنه لا يوجد شيء يدعى «التصويت الإسلامي». إن المجتمع متنوع مثل أي مجتمع آخر، على حد قوله، وعلى أية حال، فإن البيانات غير واضحة.

تردد اسم المرشح «جاك لون ميلينشون» على شفاه المسلمين الفرنسيين في نهاية الأسبوع الماضي، وهو المتطرف اليساري الذي شهد موجة من التأييد في الأسابيع الأخيرة.

إلا أنه اعترف – بحسب التقرير- بأن المسلمين الفرنسيين يميلون تقليديًّا إلى اليسار، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى دور الأحزاب اليسارية في الدفع من أجل القضاء على الاستعمار، ومكافحة العنصرية. كما أن حقيقة أن العديد من الجزائريين والمغاربة والتونسيين وصلوا بوصفهم عمالًا صناعيين في سنوات الازدهار التي أعقبت الحرب، يعني أن أطفالهم قد نشؤوا في بيئة يسارية بقوة.

وبدلًا من ذلك، تردد اسم المرشح «جاك لون ميلينشون» على شفاه المسلمين الفرنسيين في نهاية الأسبوع الماضي، وهو المتطرف اليساري الذي شهد موجةً من التأييد في الأسابيع الأخيرة. ويحظى المرشح اليساري بنسبة تأييد بلغت 20% وفقًا لاستطلاعات الرأي الوطنية، متخلفًا بواقع نقطتين عن «لوبان»، والمرشح الوسطي «إيمانويل ماكرون».

ميلينشون.. مدافع عن المسلمين؟

التقرير نقل عن إحدى الشابات المسلمات، وتدعى «سارة» قولها: «إن أفكاره هي بالتأكيد لافتة للنظر، خاصة بالنسبة لمجتمعنا». وقد قدمت إلى لو بورجيه من أجل نشر دليل جديد لأفضل المطاعم الحلال في منطقة باريس.

وقالت «سارة»، التى لم تحدد بعد لمن ستصوت في الانتخابات الرئاسية، إنها تفكر في الإدلاء بصوتها لصالح «ميلينشون» الذي اقترح زيادة ضخمة فى الإنفاق العام، و100% من الضرائب على الأرباح تزيد على 360 ألف يورو، وإعادة التفاوض حول جميع معاهدات الاتحاد الأوروبي.

وحصل حزب «ميلينشون» اليساري المتطرف على حوالي خمس أصوات المسلمين منذ عام 2002، وفقًا لاستطلاعات الرأي، التي أشارت إلى أن ذلك كان يعزى جزئيًّا إلى «معارضته الواضحة جدًّا للجبهة الوطنية، واعترافه بالفوائد التي عادت على فرنسا بفضل المهاجرين العرب المسلمين».

الإرهاب والانتخابات

من بين العديد من الناس الذين يتابعون رفوف الملابس في لو بورجيه، نقل التقرير عن معظمهم قولهم إنهم مشغولون بنفس القضايا التي ينشغل بها الناخبون الفرنسيون الآخرون: كيفية معالجة الاقتصاد المضطرب في البلاد، وكيفية تأمين أفضل تعليم لأطفالهم. وأعرب البعض عن انتقاداتهم للاتحاد الأوروبي والعولمة، وهي الانتقادات التي يتبناها أنصار «لوبان».

ومع ذلك، فإن سياق هذه الانتخابات – بعد عامين قتل فيهما أكثر من 230 شخصًا في هجمات جهادية متعاقبة على الأراضي الفرنسية– لم يترك المجال لأحد. وقد استفادت مرشحة الجبهة الوطنية «لوبان» من رد الفعل العنيف، إذ استفاد حزبها من خوف الناس من أمنهم، وساهم فى نقاش متزايد الاستقطاب حول ما يعنيه أن تكون فرنسيًّا.

في أعقاب هجمات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، قدمت مقترحات «هولاند» المثيرة للجدل بشأن تجريد اثنين من الإرهابيين من جنسيتهم الفرنسية – في نهاية المطاف–، غضب العديد من المسلمين الذين شعروا بأن التدبير يستهدف المهاجرين وذريتهم حصريًّا.

«أرتدي الحجاب. لا يزعجني إذا ذهبت إلى الشاطئ وكانت هناك امرأة عارية. نحن في فرنسا. لقد نشأت هنا. والدي، اللذان لم يولدا في فرنسا، دائمًا ما ربياني على أن أكون متسامحة».

ثم كان هناك نقاش غاضب في الصيف الماضي حول «البوركيني»، عندما حظر عدد من رؤساء البلديات في جنوب فرنسا ملابس السباحة الإسلامية كاملة الجسم من شواطئهم. أيدت «لوبان» حقهم في القيام بذلك، واصفة ملابس السباحة بأنها إهانة للقيم العلمانية الفرنسية. وقد أعربت هي و«فرانسوا فيون» عن تأييدهما للحظر الوطني على الملابس.

بالنسبة لـ«سارة»، كان الأمر مزعجًا حقًّا. هي تشعر بأن «لوبان» و«فيون» «استفادا» من مهاجمة المسلمين.

ونقل التقرير عنها قولها: «أرتدي الحجاب. لا يزعجني إذا ذهبت إلى الشاطئ وكانت هناك امرأة عارية. نحن في فرنسا. لقد نشأت هنا. والدي، اللذان لم يولدا في فرنسا، دائمًا ما ربياني على أن أكون متسامحة».

واختتم التقرير بقوله إن معظم المسلمين الذين كانوا يتسوقون في لو بورجيه لا يمكن أن يتصوروا شيئًا أسوأ من مشاهدة «لوبان» تنتقل إلى قصر الإليزيه. ومع ذلك قال البعض إنهم على استعداد للنظر في مقترحاتها، وليس أقلها ما يتعلق بإعادة صياغة العلاقات الفرنسية مع أوروبا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد