في الآونة الأخيرة، تزايدت أعداد المدارس والجامعات الفرنسية، التي تقدم برامج التبادل التعليمي أو منح التدريب في أفريقيا، حيث يستقر بعض الطلاب الفرنسيين بعد إكمال دراستهم للحصول على وظيفة هناك. هذه الظاهرة رصدها تقرير أعده الصحافي «رافائيل دوبن» على موقع صحيفة «لوموند» الفرنسية، ونقل فيه عدة تجارب لتوافد الشباب الفرنسي للتعلم في الجامعات الأفريقية، واستكمال حياتهم المهنية في القارة السمراء.

في البداية، أشار الكاتب إلى أن «فكرة الذهاب للدراسة أو العمل في أفريقيا قد تبدو غير متوقعة للبعض، خاصة إذا ما قورنت إمكانيات الجامعات الفرنسية بالجامعات الأفريقية. ومع ذلك، فإن هناك المزيد من الشباب الفرنسي يكملون فترة تدريبهم ودراستهم في تلك الجامعات، بل يفضلون الاستقرار وبدء حياتهم المهنية في البلاد الأفريقية».

وينقل الكاتب عن «فاني مورال» إحدى الطالبات الفرنسيات بمعهد العلوم السياسية في باريس، وقد سافرت إلى جنوب أفريقيا ضمن دورة تدريبية لدراسة الماجستير في الاتصالات، قولها: «انتقلت إلى جوهانسبرج منذ بضعة أشهر، لكنني أنوي البقاء هناك لسنوات عديدة أخرى!». وتابعت: «شعرت بالرعب في الأيام الأولى فقط؛ إذ أخبرني أصدقائي عن انعدام الأمن في جوهانسبرج. ولكن سرعان ما أدركت أنه ليس أكثر خطورة مما هو في باريس. كل ما عليك فعله هو اتباع بعض قواعد السلامة الأساسية».

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب إلى أن «الفتاة الشابة حظيت ببداية مهنية رائعة؛ فهي تشرف على فريق مكون من 14 شخصًا وعمرها 25 عامًا فقط. فهي تعمل مسؤولة عن الاتصالات والتسويق لشبكة «Enko Education»، في سلسلة من المدارس الثانوية الخاصة بالعديد من البلدان الأفريقية، وهي لن تقايض وظيفتها الحالية بوظيفة في لاديفانس (حي الأعمال الشهير في باريس)».

وأضافت الطالبة «سأواجه صعوبة في إيجاد عمل في باريس مرة أخرى. هنا الكثير من المناظر الطبيعية، ودائمًا توجد أشياء جديدة لاكتشافها».

ويرى الكاتب أن «التاريخ الحديث للبلاد أثار شغف الشباب وإعجابهم بنيلسون مانديلا والنموذج الأفريقي»، وينقل عن الطالبة قولها: «كنت أرغب دائمًا في العيش في بلد متجدد، كما هو الحال هنا. فقد أُلغيت التفرقة العنصرية قبل 25 عامًا».

وأشار الكاتب أيضًا إلى أن «فاني مورال» لم تكن لتحظى بهذه الفرص في فرنسا. فكونها تجيد لغتين وتخرجت من مدرسة عريقة مثل معهد العلوم السياسية في باريس، أتاح لها فرصًا وأفاقًا في هذا البلد، حيث تم تصنيف جامعة كيب تاون، أشهر جامعة في أفريقيا، بالمركز الـ200 ضمن تصنيف شنغهاي 2019، بعد العديد من المؤسسات الأوروبية.

المغرب يستقطب المزيد والمزيد

وأضاف الكاتب أن جنوب أفريقيا تعد وجهة حديثة للطلاب الفرنسيين، وأن هناك ما يقرب من 250 طالبًا فرنسيًّا التحق بالجامعات الأفريقية عام 2017، وفقًا لمنظمة اليونسكو. وتمثل هذه الزيادة نسبة 33% عن عام 2013. في حين كانت الزيادة أعلى قليلًا بالنسبة لدولة موريشيوس في الفترة نفسها «بنسبة 35 %، إذ ارتفعت أعداد الطلاب الفرنسيين من 92 إلى 125 طالبًا».

Embed from Getty Images

في حين شهد المغرب انفجارًا في عدد الطلاب الفرنسيين الوافدين للتعليم في جامعاته؛ إذ بلغ عدد الطلاب الفرنسيين 485 طالبًا في عام 2017، مقارنة بـ55 طالبًا قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ. ويرى الكاتب أن هذا العدد صغير مقارنةً بأعداد الطلاب الفرنسيين في كندا، وبريطانيا، وأمريكا، حيث استقبلت هذه الدول أكثر من 35 ألف طالب فرنسي عام 2017.

وأشار الكاتب أيضًا إلى تصريح «صوفي بريوكس»، مسؤولة الاتصالات في منح برنامج «إراسموس بلس»: أنه منذ عام 2014، «فتح نظام إراسموس بلس الأوروبي الباب أمام الطلاب للتنقل عبر 167 دولة غير أوروبية». وأضافت أن «هناك المزيد من الشراكات بين فرنسا والقارة الأفريقية لتعزيز فرص تنقل الطلاب، والواقع أن هناك نحو 15 اتفاقية، معظمها في ميادين الدراسة المتخصصة مثل التعليم الزراعي، والدراسات الهندسية، والتعاون والتنمية الاقتصادية».

ويقول «جيروم ثونات»، القائم بأعمال البعثة في «مونبيلييه سوب أجرو»، وهي مدرسة تدرب نحو 1700 طالب: «نحن مهتمون بشدة بتطوير اتفاقيات جديدة مع عدد من البلدان الأفريقية، مثل السنغال وتونس. على الرغم من أن هذا العام قد شهد انخفاضًا طفيفًا في عدد الطلاب المنقولين في أفريقيا؛ بسبب المخاطر الأمنية، فإن الاهتمام لا يضعف. ففي عامي 2018- 2019، أكمل نحو أربعين طالبًا فترة تدريبه لعدة أشهر في أفريقيا، ومعظمهم في ساحل العاج، أو السنغال، أو جنوب أفريقيا، أو مدغشقر.

الانتقال لفترات طويلة

وتحدث الكاتب عن المهندس الشاب «لوكاس»، الذي لم يندم على اختيار إكمال تعليمه في داكار. تخرج هذا العام من «سوب أجرو»، واختار بعدها أفريقيا لاستكمال فترة تدريبه. ويصفها المهندس الشاب بأنها: «قارة المستقبل»، ويرى في هذا الأمر «تجربة مثيرة»، رغم أن والده دائمًا ما كان يرفض زيارته إلى السنغال. واليوم غادر «لوكاس» هذا البلد متجهًا إلى كوت ديفوار، وقال «لقد أتيحت لي الفرصة للعودة إلى باريس في نهاية فترة تدريبي في داكار عام 2015 ، لكنني رفضت. لذلك استقريت هنا في أبيدجان (الكوت ديفوار) لمدة سنتين أو ثلاث سنواتوهذا خيار لا يفهمه أقاربي غالبًا».

واسترسل «لوكاس» في حديثه قائلًا: «حظي قراري بقبول أمي، على أمل أن أحصل على وظيفة في بلد آخر. لكن أحد الأصدقاء وجد قراري غريبًا، بل وصفه بأنه خطير، وسألني كيف استطعت العيش في أبيدجان؟!».

ويضيف الكاتب أن «لوكاس» يستطيع أن يستأجر منزلًا كبيرًا أكبر بكثير مما كان سيحصل عليه في باريس؛ نظرًا إلى راتبه الوفير، فأفريقيا لم تكن حلمًا لكل أقرانه في المدرسة قائلًا: «الغالبية العظمى من زملائي المهندسين الشباب الراغبين في السفر إلى الخارج اختاروا إندونيسيا أو تايلاند. رغم أنني أشعر أحيانًا بقدر أقل من الأمان في كوت ديفوار من السنغال، فإن العلاقات الإنسانية دافئة للغاية، وأعيش في ظروف جيدة. وكان ذلك مهمًّا جدًّا بالنسبة لي».

Embed from Getty Images

ويذكر الكاتب أن هذا النمو في تنقل الطلاب إلى أفريقيا يفرض أحيانًا على مؤسسات التعليم العالي هناك مضاعفة جهودها في البحث العلمي. وتقدم بعض المدارس فترات تدريبية ليست بالتقليدية؛ من أجل التميز والتطور، بل الانتقال الحقيقي يكون لفترات طويلة.

وأضاف الكاتب نقلًا عن «فابيان ألبوي»، رئيس إدارة الشؤون الدولية في أفريقيا والشرق الأوسط: «يحضر حاليًا نحو خمسين طالبًا مسجلًا بمدرسة العلوم السياسية في باريس عامًا دراسيًّا كاملًا في دولة أفريقية، ويحضرون حضورًا كاملًا الفصول الدراسية إلى جانب الطلاب الوطنيين. هذا الرقم زاد زيادة كبيرة بالمقارنة بالعامين الماضيين، كان عدد الطلاب آنذاك 30 طالبًا فقط. وتفخر مدرسة العلوم السياسية في باريس بأنها المدرسة الفرنسية التي ترسل معظم طلابها للدراسة في أفريقيا؛ وذلك بفضل العلاقات القوية التي تتألف من 30 شراكة في القارة الأفريقية».

فتح آفاق جديدة

لاحظ الكاتب أن جامعة «تروي» التكنولوجية ترغب أيضًا في انتقال الطلاب إليها، والسماح بالاندماج الكامل في المناهج الدراسية في أفريقيا، من خلال اتفاقية التبادل الجامعي المبرمة بشكل خاص مع كلية الفنون التطبيقية في العاصمة الكاميرونية «ياوندي».

ويقول «جوينولي موال»، 21 عامًا، والذي يحضر فصلًا دراسيًّا كاملًا في هذه المدرسة: «يمكنني متابعة تخصصي في الهندسة المدنية بفضل هذا التبادل».

ويشعر «موال» خلال السنة الثانية من التدريب الهندسي منذ وجوده في ياوندي بأنه في وطنه بالفعل، ويقول: «اعتدت على هذه الحياة الجديدة بشكل جيد للغاية، وتسمح لي باكتشاف ثقافة أخرى. كنت أريد أن أذهب إلى أفريقيا في أقرب وقت ممكن؛ لأنه في غضون بضع سنوات هناك أماكن لا يمكنك الوصول إليها في ظروف آمنة؛  بسبب تضررها بشدة من جراء تغير المناخ»

حتى لو لم يكن «موال» متأكدًا من بقائه في الكاميرون، فإنه يعد أفريقيا «قارة ديناميكية ذات مستقبل». قائلًا: «تعد دراستي هناك فرصة لتطوير المعرفة والمهارات اللازمة لعملي المستقبلي»

وأشار الكاتب إلى أن البعض يفتح بالفعل آفاقًا جديدة في أفريقيا، مثل «فالنتين لوران» التي حصلت على درجة الماجستير في جامعة بوردو في عام 2018، وأكملت للتو بعثة تعاون في غينيا، تابعة لجمعية التعاون البحري بين البلدين، وقالت: «لقد عززت هذه التجربة استقلالي الذاتي وقدرتي على التكيف مع المواقف الجديدة. وأشعر الآن بمزيد من الاهتمام بالآخرين».

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن تحقيق حلم شباب فرنسا الخريجين الباحثين عن فرصة عمل، يتمثل في دعم الشراكات المحلية في دول غرب أفريقيا.

مستعمراتها السابقة «تتمرد».. لماذا يتراجع حضور اللغة الفرنسية في «سوق اللغات»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد