نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية مقالًا للكاتبة إيلين جانلي، بالتعاون مع مراسلين تابعين لوكالة أسوشيتد برس، بابا أحمد في باماكو، مالي، وكارلي بيتش في داكار، السنغال، تناولت فيه الأوضاع في مالي بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا يوم الثلاثاء 18 أغسطس (آب) 2020، والأسباب التي تجعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرفض بإصرار سحب القوات الفرنسية التي تتكون من 5100 جندي فرنسي من مالي رغم صعوبة التمييز بين الحلفاء والأعداء وتحول النصر إلى ما يشبه سرابًا في صحراء يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

قمة فرنسية – غرب أفريقية لمكافحة الإرهاب 

تستهل الكاتبة مقالها بالإشارة إلى بطاقة بريدية مصوَّرة يقف فيها الرئيس إيمانويل ماكرون مع قادة خمس دول في غرب أفريقيا حيث تقود فرنسا حربًا لمكافحة الإرهاب منذ عام 2013، وتهدف الصورة إلى إظهار الوحدة في الأراضي الشاسعة والهشة التي كانت في السابق مستعمرات فرنسية. وقال ماكرون في القمة التي عُقدت في موريتانيا: «كلنا مقتنعون أن النصر ممكن». وكانت تلك القمة قبل أقل من شهرين من وقوع الانقلاب. والآن، سقط أحد القادة الخمسة. لقد أُطيح إبراهيم بوبكر كيتا، رئيس مالي -البلد الذي يقع في قلب المعركة ضد المتطرفين الإسلاميين- الأسبوع الماضي في انقلاب عسكري. لكن ماكرون العنيد، ما زال يمارس ضغوطه، رافضًا سحب 5100 جندي فرنسي من غرب أفريقيا، على الرغم من تضاعف هجمات المتطرفين وتضاؤل احتمال تحقيق النصر، الذي يبدو وكأنه سراب وسط كثبان رملية هلالية الشكل، في تلك العملية التي أطلقت عليها فرنسا اسم «عملية برخان».

القوات الفرنسية في مالي.. عملية برخان مستمرة

ولفتت الكاتبة إلى أنه في أعقاب الانقلاب الأبيض الذي جرى في مالي على يد مجموعة من الضباط العسكريين الذين اعتقلوا كيتا ورئيس وزرائه، غرَّدت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي على موقع تويتر الأسبوع الماضي قائلةً: «عملية برخان… مستمرة». وأظهر الرد السريع لفرنسا أن تصميمها على الحفاظ على الوجود العسكري في غرب أفريقيا لم يتغير، على الرغم من وجود جيوب ذات مشاعر معادية لفرنسا وتساؤلات حول ما إذا كان هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى دخول فرنسا في حربٍ لا نهاية لها.

وبينما يَعِد قادة الانقلاب بتشكيل حكومة انتقالية غير معلوم مدتها، لا يوجد شيء أكيد بشأن حلفاء أو أعداء الغد في منطقة يُحسب فيها للولاءات العرقية أهميتها وينتشر المتطرفون الإسلاميون عبر الحدود المليئة بالثغرات. ونذكر في هذا الصدد أن كيتا نفسه حذَّر ماكرون ذات مرة من أن الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا «عدو ذو ألف وجه».

القوات الفرنسية في مالي

وأفادت الكاتبة أن الرئيس المالي السابق المُحتجز استقال رسميًّا، وأكد المجلس العسكري الذي استولى على السلطة رغبته في أن تواصل القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة عملها هناك. ولكن مع عزل كيتا، الضيف السابق في قصر الإليزيه بفرنسا، يصبح الأمر الثابت الوحيد هو عناد ماكرون.

تخليد العظمة الفرنسية

تذكر الكاتبة أن ماكرون زار مالي في أول زيارة خارجية له – بعد أسبوع من انتخابه في عام 2017 – واضعًا على رأس جدول أعماله مكافحة الإرهاب في منطقة تتمتع فيها فرنسا بنفوذ هائل. وتعليقًا على هذا الأمر، قال إيفان جويشاوا، خبير الساحل (الأفريقي) في كلية بروكسل للدراسات الدولية في جامعة كينت: «إلى جانب الأمن، يريد الفرنسيون، على ما أعتقد، أن يظلوا مؤثرين في مستعمراتهم السابقة وأن تكون لديهم القيادة في هذا النوع من التقسيم الدولي للعمل (مفهوم اقتصادي يعني اختصاص كل بلد في إنتاج المواد التي يستطيع إنتاجها بأقل تكلفة من البلدان الأخرى)». وتابع: «إنها طريقة لتخليد قصة العظمة الفرنسية في أوساط الرأي العام الفرنسي… والتذكير بأننا ما زلنا قوة كبرى». لكنه حذَر من أنه «كلما طالت مدة بقائك في هذه الأوضاع، زادت فرصة أن تصبح جزءًا من المشكلة».

لطالما لعبت فرنسا دورًا يفوق حجمها في الدول الخمس المتورطة في جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، التي كانت ساحتها الأفريقية الخلفية حتى إنهاء الاستعمار في ستينيات القرن الماضي. ولا تزال مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا مقيدة باتفاقات عديدة مع فرنسا التي تحتفظ بقواعد عسكرية فيها وتضخ المساعدات إليها. ووفقًا لما ذكره نيكولاس مورا، المسؤول عن مالي في وكالة التنمية الفرنسية، لدى فرنسا مشاريع مساعدات جارية بقيمة 600 مليون يورو (أي ما يوازي 708 مليون دولار) في مالي فقط.

هل تلعب فرنسا حقًّا دور شرطي المنطقة؟

تؤكد الكاتبة أن سلسلة من الرؤساء الفرنسيين المتعاقبين عملوا على التخلص من الصورة المرسومة للأمة (الفرنسية) باعتبارها شرطي غرب أفريقيا، ويبذل ماكرون ووزراؤه جهدًا كبيرًا للتأكيد على أن أكبر عملية عسكرية خارجية لباريس ليست سوى مطلب للدول الأفريقية وتحظى بموافقة الأمم المتحدة. ويتمثل الهدف الفرنسي من العملية في تحقيق الاستقرار في مالي لتسمح بعدها لقوات المنطقة بتولي زمام الأمور.

 

الجيش الفرنسي ، مالي

وقد تدخلت فرنسا لأول مرة في شمال مالي في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2013 لصد المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة الذين سيطروا على أجزاء من الشمال وفرضوا تفسيرهم المتشدد للشريعة الإسلامية هناك. وكانت فرنسا موضع ترحيب باعتبارها قوة تحرير وبالفعل حرَّر الجنود مدينة تمبكتو ومدنًا أخرى. ولكن مع مرور السنين، تصاعدت أعمال القتل واستعاض تنظيم القاعدة عن القادة المفقودين بآخرين وظهر فرع من تنظيم الدولة الإسلامية. وامتد العنف إلى دولتي النيجر وبوركينا فاسو المجاورتين. والآن، ينظر البعض إلى الفرنسيين على أنهم محتلون أصحاب أجندة استعمارية خفية.

هل أصبح الوجود الفرنسي في مالي استعمارًا جديدًا؟

وأوضحت الكاتبة أن الاحتجاجات المناهضة لفرنسا اندلعت في الخريف الماضي، وهي رسالة أثارت قلق ماكرون لدرجة أنه دعا إلى عقد قمة في شهر يناير (كانون الثاني) مع قادة دول مجموعة الخمس، وطالبهم أن يظهروا صراحة التزامهم بالتدخل الفرنسي. وقال ماكرون قبيل عقد القمة: «إن فرنسا ليست موجودة في المنطقة من أجل تحقيق أهداف استعمارية أو اقتصادية جديدة». وتابع: «نحن هناك من أجل تحقيق الأمن الجماعي للمنطقة وتحقيق أمننا».

واستدركت الكاتبة قائلةً: لكن الوجود الفرنسي أصبح لا يحظى بشعبية على نحو متزايد في مالي؛ حيث لم يهدأ العنف الذي قوَّض الأمن في الدولة الواقعة في غرب أفريقيا منذ 2013. واحتج الآلاف في مالي على الوجود الفرنسي، مشيرين في أغلب الأحيان إلى وجودهم على أنه «احتلال». وفي مسيرة جرت يوم الجمعة لدعم الانقلاب، حمل الماليون لافتات تدين المستعمر السابق، كُتب عليها: «هذا ليس انقلابًا، إنها ثورة شعب»، «أوقفوا الإبادة الجماعية من قِبل فرنسا في مالي»، «الموت لفرنسا وحلفائها»، «تسقط فرنسا وحاكمها».

ويعارض المتخصص في شؤون أفريقيا، مارك أنطوان بيروس دي مونتكلوس، مزاعم ماكرون بأن وجود شبكة إرهابية دولية في منطقة الساحل يعرض الأوروبيين للخطر. وفي كتابه الذي صدر بعنوان: «حرب ضائعة، فرنسا في منطقة الساحل»، أكَّد دي مونتكلوس أن السلطات الفرنسية تجاهلت الحقائق المحلية، مثل الانتقام الحادث بين الطوائف، والجيوش التي تعمل بوحشية وتفلت من العقاب، والترويج لخطاب الجهاديين الذين لهم صلات مباشرة بالعراق وسوريا.

وبحسب دي مونتكلوس، ربما تكون استراتيجية الخروج الفرنسية المستقبلية بعيدة المنال مثل فكرة النصر. وطرح إيفان جويشاوا (خبير الساحل في كلية بروكسل للدراسات الدولية) هذا السؤال: «متى تقرر أن التهديد الجهادي ضعيف (بدرجة تكفي للمغادرة)؟ وأن الجيوش المحلية قوية بما يكفي للاضطلاع بالمهمة؟» وخلص إلى «أننا بحاجة إلى معايير قابلة للقياس».

واختتمت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن رئيس هيئة الأركان الفرنسية المشتركة، الجنرال فرانسوا لوكوانتر، أقر بأن تحديد نهاية الاشتباك سيكون «أمرًا معقدًا»، خاصة وأنه لا يتوقع انتصارًا يلوح في الأفق. وقال لووانتر في إذاعة فرنسا الدولية: «لن نحقق نصرًا نهائيًا». وأضاف: «لن تسير الجيوش أبدًا باعتبارها منتصرة تحت قوس النصر (في باريس)».

دولي

منذ 9 شهور
حرب السنوات السبع المنسية.. ماذا يفعل الجيش الفرنسي في مالي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد