رصد تقرير نشرته مجلة «الإيكونوميست» البريطانية الأزمة التي تشهدها مدينتان عربيتان، وهما مدينة حلب السورية، ومدينة الموصل العراقية، وما يتعرض له سكان المدينتين من أزمة إنسانية في الوقت الراهن.

وقال تقرير المجلة البريطانية إن السكان السنة في المدينتين يتحملان الجزء الأكبر من وطأة العمليات العسكرية التي تشهدها المدينتان. ولا تقتصر الأوضاع الصعبة على سكان هاتين المدينتين وحسب، بل تمتد لتشمل السنة في مدن عربية أخرى.

تقرير «الإيكونوميست» قال: «ألق نظرة على أنقاض الهلال الخصيب، وسوف يظهر لك نمط مثير للقلق: من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج، أولئك الذين يتحملون وطأة الحرب هم في الأغلب من العرب السنة».

وأضاف التقرير أنه على الرغم من أن السنة يشكلون أكبر مجموعة عرقية وورثة الإمبراطوريات الأسطورية، فإن الكثير من مدنهم العظيمة تخضع لسيطرة الآخرين: اليهود في القدس. المسيحيون والشيعة في بيروت. العلويون في دمشق. وحديثًا، الشيعة في بغداد.

وتابع التقرير بقوله إن السنة يشكلون غالبية اللاجئين في المنطقة. وفي المناطق التي يحكم فيها السنة، كما هو الحال في دول الخليج، يشعرون بأنهم محاصرون من إيران العدائية، وبأنهم قد تم التخلي عنهم من قبل أمريكا غير المبالية.

فيدرالية مركزية

بحسب التقرير أيضًا، يتجاوز الشعور بالضيق ما هو أبعد من الطائفية. تعاني الدول العربية من أزمة في كلّ مكانٍ تقريبًا، والتي تفاقمت من جراء عقود من سوء الحكم على يد زعماء من بينهم زعماء من السنة.

من بين هؤلاء الزعماء الرئيس السابق للعراق «صدام حسين»، والرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي».

يساعد شعور أهل السنة بأنهم يتعرضون للهجوم من جميع الأطراف على شرح كيف تمكن الجهاديون من تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، الذي يعرض استعادة الخلافة القديمة، بالسيطرة على مناطق مأهولة بالسكان السنة في سوريا والعراق، وذلك بحسب ما أورده التقرير.

وشدد التقرير على أنه لن يكون هناك انتصار كامل في المعركة ضد الجهاديين، ولن يكون هناك حل دبلوماسي دائم، حتى يتم معالجة قضية طرد أهل السنة.

وفقًا للتقرير، فإنه يجري الآن تقرير مستقبل المنطقة في مدينتين جليلتين: حلب، المعقل الحضري الأخير لقوات المعارضة السورية المناهضة للأسد. والموصل، أغلى المناطق التي يسيطر عليها داعش في العراق.

وسوف يحدد سير المعارك، والنظام السياسي الذي يتبعه مسار الحروب الوحشية في المنطقة. ويكمن أفضل أمل للسلام -بحسب التقرير- في الفيدرالية واللامركزية لإعطاء السنة، وغيرهم، صوتًا لائقًا.

قصة مدينتين

التقرير ذكر أن حلب تمثل رمزًا لأسوأ أشكال التدخل الخارجي. تساعد روسيا القوات السورية، وحلفاءهم الإيرانيين والشيعة على استهداف قوات المعارضة من السنة المحاصرين.

يبدو ذلك وكأنه محاولة للاستيلاء على المدينة بأكملها قبل أن يغادر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» منصبه العام المقبل، وهم على قناعة بأنه لن يفعل شيئًا لوقفهم. والوحشية المتعمدة التي يتم من خلالها استهداف المستشفيات مرارًا وتكرارًا، سوف تغذي فقط استياء السنة وتطرفهم. سيفعل الأمر ذاته إصرار روسيا على أن يبقى الأسد مسؤولًا عن أي حكومة تتقاسم السلطة في المستقبل.

الموصل، على النقيض من ذلك، يمكن أن تصبح نموذجًا لهزيمة الجهاديين، وخلق سياسة أكثر عقلانية تعترف بحصة العرب السنة في العراق. وقد شرعت القوى السنية العراقية والكردية في حصار المدينة، مع دعم أمريكي. وقد تعطي العملية التي بدأت لاستعادة الموصل مؤخرًا أوباما انتصار الوداع. إن فقدان الموصل سيوجه ضربة لتنظيم داعش: من هناك أعلن «أبو بكر البغدادي»، زعيم التنظيم، خلافته، وفقًا للتقرير.

وتابع التقرير بقوله إنه قد يحصل الكثير من الخطأ في الموصل. لا أحد يعرف كيف ستقاتل داعش. وهناك مخاوف من أن الحكومة العراقية لم تفعل ما يكفي للتحضير للنزوح الجماعي للمدنيين. أو أنها لن تكون قادرة على منع صراع مسلح بين الميليشيات المسلحة الشيعية، والكردية، والسنية المتنافسة.

ولكن رغم أعمال العنف والفوضى، قال التقرير إن العراق أمل حقيقي. سياسة البلد هي أكثر انفتاحًا من تلك التي في معظم الدول العربية، مع صحافة مشاكسة وبرلمان عنيد. فيما بدأت تحالفات طائفية عابرة تتشكل. الساسة الشيعة يريدون التخلص من صورتهم كعملاء لإيران، بينما يرغب نظراؤهم من العرب السنة في الابتعاد عن سياسة الرفض، وحلم إعادة احتلال بغداد.

نموذج جديد

التقرير قال إنه بعد فشل القومية العربية، والإسلاموية والجهادية، يمكن للعراق أن يمنح العالم العربي نموذجًا جديدًا يكون موضع ترحيب من تفويض السلطة. هذا من شأنه أن يجعل من الصعب على الطغاة القتلة إرهاب شعوبهم، ويمنح المجموعات العرقية المتنوعة الشعور بأنهم يحكمون أنفسهم. وربما يمكن إقناع الانفصاليين، ولا سيما الأكراد، أن يظلوا ضمن الحدود الحالية.

ويمكن لشكل أكثر مرونة للحكومة أن يخفف بعض الصراعات في العالم العربي، حتى سفك الدماء الرهيب في سوريا. قد يختلف ميزان القوى، ولكنه يجب أن يتبع بعض المبادئ الأساسية، بحسب ما عدد التقرير.

أولًا، لأنه لا توجد منطقة نقية عرقيًّا، يجب على الكيانات الفرعية احترام حقوق الأقليات.

ثانيًا، يجب أن تتشارك كل المجموعات السلطة في الحكومة المركزية.

ثالثًا، يجب أن تعود الموارد الوطنية، على سبيل المثال، النفط، بالنفع على جميع السكان.

رابعًا، العثور على التوازن الصحيح للقوة المسلحة بين الجيوش الوطنية، وقوات الشرطة المحلية، بحيث تشعر الأقليات بالحماية.

وفي حين ينص الدستور العراقي على الكثير من هذا، على الورق على الأقل، فقد طالب التقرير بوجوب تطبيق ذلك على أرض الواقع.

قد لا ينهي تفويض السلطة الخلافات السياسية. ولكن إذا توقف سفك الدماء، فمن شأن ذلك تحقيق تقدم في الواقع.

وأخيرًا، قال التقرير إن تحقيق تقدم الموصل سيمنح فرصة لإقناع السنة المحاصرين أن هناك بديلًا أفضل من المذهب الجهادي العدمي. ولكن إذا غذت السياسة العراقية فقط شعورهم بالحرمان، فمن شأن العنف أن يستمر. ما يحدث في الموصل يهم من هم خارج العراق. حتى أنه يمكن أن يعطي الأمل للفقراء في حلب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد