لم يكن الحجاب مجرد غطاء رأس، بل تعرض للتسييس منذ وقت مبكر، وتحول إلى ساحة صراع بين الأيديولوجيات المتعارضة. عرض هذا التقرير الذي نشرته «الإندبندنت» لأهم محطات هذا الصراع:

عندما اقترحت المستشارة الألمانية، «أنجيلا ميركل»، فرض حظر على البرقع والنقاب في مؤتمر لحزبها السياسي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2016، كانت بذلك تتبع عددًا من الدول في أوروبا قامت بالفعل بوضع هذا التشريع حيز التنفيذ.

قد تتعرض النساء اللاتي يرتدين النقاب في فرنسا وبلجيكا إلى السجن لفترة تصل إلى سبعة أيام. وفي شهر يناير (كانون الثاني) 2017، كانت هناك تقارير تفيد بأنَّ المغرب قد حظرت إنتاج وبيع البرقع.

لجأت ميركل، التي تعرضت لانتقادات بسبب سياساتها بخصوص مسألة اللاجئين، إلى حظر الحجاب الإسلامي؛ لتدلل على تشدد موقفها حول مسألة الاندماج في ألمانيا.

لطالما كان لتسييس الحجاب ــ سواء غطى الوجه بكامله (البرقع)، أو ترك العينين ظاهرتين (النقاب)، أو غطى الرأس والرقبة فحسب (الحجاب أو الخمار) ــ تاريخ طويل في السياسات الأوروبية. وعادة ما يصبح ساحة معركة بين الأيدولوجيات المختلفة في أوقات الأزمة.

خيالات كشف النقاب

طوال القرن التاسع عشر، كان الحجاب الإسلامي يعد عنصرًا من عناصر افتتان المسافرين الأوروبيين بالشرق الأوسط، بغض النظر عن حقيقة أنَّ المسيحيين والدروز، وهي طائفة دينية يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر في مصر، كانوا يحجبون نساءهم أيضًا. أنتج المصورون «الفوتوغرافيون» الأوروبيون، الذين زاروا المنطقة، صورًا شهوانية لنساء يخلعن حجابهن كاشفين بذلك عن أجسامهن العارية. هذه الصور التي أعيد إنتاجها على هيئة بطاقات بريدية، تدوولت عبر البحر المتوسط؛ لتخلق صورة المرأة المسلمة التي يمكن إطلاق العنان لقواها الإغوائية ما إن يُنزع حجابها.

لكنَّ الحجاب كان له دور مهم في حقبة الخمسينات في حرب الجزائر للاستقلال من الحكم الاستعماري الفرنسي؛ إذ وصف فرانز فانون، الطبيب النفسي المولود في جزر المارتينيك، والذي كان من المفكرين المعادين للاستعمار، العقيدة الفرنسية الاستعمارية في الجزائر كالتالي:

«لو أردنا أن نحطم بنية المجتمع الجزائري، وقدرته على المقاومة، فلا بد لنا أولًا من هزيمة النساء، ينبغي لنا أن نذهب إلى حيث يختبئن وراء الحجاب، وفي البيوت، حيث يخفيهن الرجال عن الأنظار».

كان فانون عضوًا في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، واعتبر أنَّ سوء معاملة النساء على يد الجيش الفرنسي تجسيد لموقف البلاد ككل. بالنسبة له، كان من المحال على القوى الاستعمارية هزيمة الجزائر، دون استقطاب نسائها إلى «العادات» الأوروبية.

خلال حرب الاستقلال الجزائرية، عام 1958، كانت تقام احتفالات جماعية «لنزع الحجاب» في كل الجزائر. نزعت زوجات ضباط الجيش الفرنسي عن بعض النساء الجزائريات؛ ليظهرن أنَّ هؤلاء النساء أصبحن الآن في صف «أخواتهنّ» الفرنسيات. كانت هذه المشاهد جزءًا من حملة تحرير، كانت تهدف إلى إظهار أنَّ النساء المسلمات يعتنقن القيم الأوروبية ويبتعدن عن صراع الاستقلال. ووقعت هذه الحملات أيضًا في فترة من الاضطراب السياسي في فرنسا، التي كانت تكافح سياسيًا وماليًا للحفاظ على مستعمراتها في شمال إفريقيا.

كانت تنشر احتفاليات خلع الحجاب تلك وتعرض على الحكومة في باريس باعتبارها أفعالًا عفوية، لكن ظل الزعيم الفرنسي، »شارل ديغول»، متشككًا في مزاعم المستوطنين الفرنسيين، وسوف يكتشف المؤرخون لاحقًا أنَّ بعضًا من أولئك النساء اللاتي شاركن في هذه الاحتفاليات لم يسبق لهن لبس الحجاب قط، والبعض الآخر تعرضن لضغوط من الجيش للمشاركة.

نوع من المقاومة

بعد احتفالات خلع الحجاب المدبرة تلك، بدأ العديد من النساء الجزائريات ارتداء الحجاب. أرادت تلك النساء توضيح أنهنَّ من سوف يحددن شروط تحريرهنًّ، لا أنهن سوف يخضعن للتحرير القسري من قبل المستعمرين الفرنسيين.

حدثت هذه الاحتفاليات المدبرة بعد نهاية معركة الجزائر التي حملت فيها المقاتلات الجزائريات المتفجرات تحت الحايك التقليدي الأبيض، وهو نوع من الأردية يرجع إلى الحقبة التي كانت الجزائر واقعة فيها تحت الحكم العثماني، لكن فور أن عرف الجيش هذا الأمر، خلعت المقاتلات الجزائريات حجابهن وارتدين الأزياء الأوروبية. كان يعني هذا قدرة أولئك المقاتلات على المرور من نقاط التفتيش الفرنسية دون ملاحظتهن؛ ما سمح لهن بتهريب القنابل ــ وهو المشهد الذي صوره جيلو بونتيكورفو في فيلمه الشهير معركة الجزائر عام 1966. بعد ذلك حوالي أربعين سنة، عرض الفيلم في البنتاغون بعد اجتياح العراق، من أجل التدقيق في استراتيجيات «الإرهابيين».

بعد انهيار الجزائر الفرنسية عام 1962، توقف الكثير من النساء الجزائريات في المناطق الحضرية عن ارتداء الحجاب، لكن مع زيادة مد «الراديكالية» الإسلامية في البلاد، التي أدت إلى حرب أهلية في التسعينات، أصبح ارتداء الحجاب إجباريًا.

حدث حشد الحجاب ضد أنظمة الفكر والقيم الغربية أيضًا في حقبة السبعينات في مصر، عندما عادت الفتيات الجامعيات إلى ارتدائه. من بين الأسباب التي كانت تذكر لهذا الخيار، رفض الاستهلاكية والمادية الغربية، وتفضيل الحشمة والبساطة.

شاشة لعرض القلق

يقدم الحجاب علامة عامة مرئية يمكن حشدها للتأكيد على الأجندات السياسية والاجتماعية المتعددة. أصبح الحجاب، في فترة الحكم الاستعماري، علامة ميزت أولئك الذين لم ينتموا إلى نظام الفكر الغربي. ولا زال الأمر كذلك، وصار الحجاب يُستدعى في المناظرات السياسية في أوقات الأزمات، مثل ما حدث في ألمانيا مع ميركل التي تواجه حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف.

وبحسب «جابرييل بوس نيازي»، نائبة رئيسة الجمعية الألمانية للنساء المسلمات، فإنَّ عدد النساء اللاتي يرتدين حجاب الوجه الكامل لا يزيد عن مائة امرأة في كل ألمانيا، وهو ما يشكل نسبة 0,000125 % في هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 80 مليون نسمة. ومن ثم، فإنَّ هذا التركيز على حظر حجاب الوجه الكامل ليس أمرًا عقلانيًا، بل هو أمر أيديو لوجي؛ لأنَّ ملابس النساء المسلمات الآن صارت تجسد مجموعة من مخاوف أوروبية أوسع تدور حول الإرهاب، والإسلام، والهجرة. لقد أصبح الحجاب الإسلامي شاشة تُعرض من خلالها مخاوف أوروبا وصراعاتها السياسية.

للأوروبيين تاريخ طويل من عرض الحجاب باعتباره أجنبيًا عن عقلية القارة، ولا يبدو أنَّ هذا الأمر في طريقه للتراجع. ومع ذلك، وبالنظر إلى الطريقة التي استخدمت بها النساء المسلمات الحجاب وسيلة للمقاومة في الماضي، فمن المرجح أن يفعلوا ذلك مرة أخرى في المستقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد