منذ أن جرى رفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بموجب الاتفاق النووي بين إيران والغرب، تسعى طهران بكل جهد إلى عدم تكرار عزلتها عن الاقتصاد العالمي. فقد باتت الروابط التجارية المعقدة بين الدول وسيلةً للحد من إمكانية فرض عقوبات اقتصادية.

ومن هذا المنطلق، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماعين منفصلين مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، في حضور الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ومع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ورغم أن أجواء الحرب والتوتر تسيطر على بقاع شتى حول العالم، إلا أن العلاقات الاقتصادية الثنائية قد تصدرت أجندة الاجتماعين.

لطالما اعتقدت إيران أن كونها مصدرًا رئيسيًّا للطاقة، وحاجة الغرب الماسة لتلك الطاقة ستمنعه من معاداتها وفرض أي عقوبات عليها. وخلال الألفية الجديدة، أظهر حلفاء لواشنطن في أوروبا وآسيا عدم استعدادهم لقطع علاقاتهم الاقتصادية بشكل كامل مع طهران. فما تمتلكه الدولة الفارسية من احتياطات نفطية هائلة سيمنع الولايات المتحدة وحلفاءها من فرض العقوبات.

إلا أن الرهان الإيراني كان خاسرًا، كما يقول الكاتب. فقد استطاعت الحكومات الغربية التحايل على تلك الميزة بإيجاد مصادر بديلة للطاقة. وقد حلت شركات الغاز الروسية محل الإيرانية في توريد إنتاجها إلى دول جنوب أوروبا. وبعد أن دخلت التكنولوجيا المتقدمة على الخط، جرى اكتشاف مخزونات من النفط والغاز في أمريكا الشمالية.

وتعرضت دول أخرى، مثل الهند، لضغوط شديدة من الولايات المتحدة للتوقف عن استيراد النفط الإيراني. وقد أضعف هذا من قدرة إيران على الإنتاج، وعلى استكشاف مصادر جديدة. وقد ظلت إمدادات النفط الإيراني تنخفض من 2008، ووصلت ذروة انخفاضها في 2014. دون أن يلحق أي ضرر بالمستوردين الذين عثروا على مصادر بديلة.

وحتى لا تقع فريسة للعقوبات مستقبلًا، تسعى إيران إلى أن تكون ممرًا إستراتيجيًّا للتجارة العالمية. كما تحاول إعادة مستوى إنتاج النفط إلى سابق عهده، لكن انخفاض الأسعار الحاد الذي ضرب صناعة النفط العالمية يقف حائلًا أمام ذلك. ولذلك تسعى إيران بجدية شديدة إلى إنجاز مشروع الممر الشمالي- الجنوبي، لاستخدام موانئها على الخليج الفارسي، والمحيط الهندي، والطرق السريعة، وخطوط النقل للربط بين جنوب وشرق آسيا بأوروبا، ما سيوفر الكثير من الوقت على مستهلكي البضائع الآسيوية في أوروبا.

يقول الكاتب إن روسيا وأذربيجان هما أكبر المستفيدين من هذا المشروع، إذ إنه يوفر أسهل وأرخص وسيلة لنقل النفط والغاز إلى أوروبا. وفي قمة بوتين وعلييف وروحاني، تعهد الزعماء الثلاثة بتسريع الخطى نحو إنجاز المشروع.

وهكذا، يرى الكاتب، فإنه في غضون سنوات قليلة، سيكون مقدرًا لإيران أن تصبح قطبًا في التجارة الدولية، وستجني مكاسب إستراتيجية جمة. ولو أنها اتبعت سلوكيات غير مرضية للغرب في المستقبل، ستواجه واشنطن صعوبة في فرض عقوبات دولية على طهران مجددًا. حيث سيكون من صالح الدول الأخرى أن يسود الاستقرار في إيران؛ حتى لا تتعرض التجارة العالمية إلى الخطر.

وفي السياق نفسه، يقول التقرير، تأتي محاولات أردوغان التصالح مع روسيا على خلفية أزمة إسقاط الطائرة الحربية الروسية في سوريا، بما يعكس إدراك أردوغان أن مستقبل تركيا مرهونٌ بجعل نفسها قطبًا رئيسيًّا في نقل موارد الطاقة إلى أوروبا. وقد أثار تصاعد الخلاف مع موسكو تساؤلات حول إمكانية إنجاز أنبوب نقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا. وبعد التوتر الذي ضرب العلاقات التركية مع الغرب إثر فشل محاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا، تشعر أنقرة أنها في حاجة إلى استفزاز الغرب للإبقاء على علاقاته معها، بعد أن بدأ الغرب يشعر أن تركيا جزء من المشكلة، وليس الحل في منطقة الشرق الأوسط.

تسعى تركيا إلى أن تكون ممرًا لنقل موارد الطاقة. وقد أبرمت اتفاقًا بالفعل مع أذربيجان، وتسعى لإقناع إيران بنقل جزء من إنتاجها إلى الغرب. وتعتزم روسيا استبدال أوكرانيا بتركيا لنقل إمداداتها من الطاقة إلى أوروبا بحلول 2019. وتعمل أنقرة على إغراء إسرائيل بانخفاض التكلفة؛ لإقناعها بنقل إنتاجها من الغاز نحو أوروبا عبر الأراضي التركية. وهذا كله سيحد من قدرة الغرب على توقيع عقوبات على تركيا بسبب سياساتها الداخلية، أو الخارجية.

منذ الأزمة الأوكرانية وفرض الغرب عقوبات على روسيا بسبب استيلائها على شبه جزيرة القرم، تسعى روسيا إلى إيجاد شريك جديد يكون وسيطًا لنقل إنتاجها من الغاز إلى أوروبا. وتدرك أوروبا أنه في حال إذا ما اتفقت كل من روسيا وتركيا، ستتمكن موسكو من إيصال إمداداتها مباشرةً إلى ألمانيا، وستتجاوز العديد من العقبات في أوروبا.

أما أذربيجان، فهي تعتمد على طرف واحد فقط لتصدير إنتاجها من الطاقة، وهو روسيا. لذا فهي تعمل دومًا على تجنب إثارة المشكلات مع موسكو. ولكن أخيرًا وبعد رفع العقوبات عن إيران، تلوح فرصةٌ أخرى أمام أذربيجان لتطوير ممر إضافي نحو الخليج الفارسي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد