قد ينسى البعض ما تعانيه النساء للحصول على أبسط حقوقهن، بدءًا من حق الاقتراع والعمل، وحتى حقهن البسيط في لعب كرة القدم، وحضور المباريات الدولية، لكن النساء أنفسهن لا يمكن أن تنسى، فلم يكن طريق كرة القدم النسائية مفروشًا بالورود، بحسب ما تحكيه الصحفية الرياضية لويز تايلور، في مقالها عن تاريخ اللعبة بصحيفة «الجارديان» البريطانية.

المكسيك 1971.. من المتنزهات إلى الملاعب الكبرى

تقول لويز إن 50 عامًا مرَّت منذ ترجَّل فريق كرة القدم النسائية الإنجليزي من الطائرة إلى العالم الموازي، لكن ذكرياتهن عن تشبع حواسهن الكبير بالأحداث ظلَّت حيةً دائمًا.

إذ قالت كريس لوكوود للويز: «كان الأمر سرياليًا تمامًا، مثل الذهاب إلى نارنيا (عالم خيالي)، وكأننا نُقلنا إلى عالم مختلف. لقد فاجأتنا الحشود والضوضاء. كان الأمر عظيمًا. انتقلنا من اللعب في ملاعب المتنزهات، وأصبحنا فجأةً نجري أمام 80 ألف مشاهد داخل الاستادات الكبرى، ونُدعى إلى حفلة كوكتيل داخل السفارة البريطانية. كان عالمًا مجهولًا، ولم ندرك الأمر حينها، لكنها كانت لحظةً تاريخية».

وكانت كريس جزءًا من فريقٍ رائد، مثَّل جانب إنجلترا المتمرد، وشارك في كأس عالم غير رسمي بالمكسيك عام 1971، وذلك أثناء حقبةٍ منع فيها اتحاد كرة القدم النساء من ممارسة لعبة رأوا أنها «غير مناسبة نهائيًّا للإناث». وساعدت كريس وأعضاء فريقها على إحياء الاهتمام برياضةٍ ازدهرت في بريطانيا عقب الحرب العالمية الأولى، بحسب لويز، لكن اتحاد كرة القدم حظرها لمدة 50 عامًا في عام 1921.

وترى لويز أن فريق فيل نيفيل الإنجليزي المحترف أحسن صنعًا في المباريات؛ تخليدًا لذكرى كريس، وزميلاتها الرائدات، وهاري بات، الرجل الذي ترى أنه جعل هذا كله ممكنًا. إذ عمل الراحل هاري بات مديرًا فنيًا لفريق عام 1971 وفريق شيلترن فالي ليديز، وهي فرقٌ كانت تتحدَّى التقاليد وترفض التعصب، وكان رجلًا ذا بصيرة. إذ قاتل بات وكأنه نبيٌ في البرية، وكافح – يائسًا- لإقناع اتحاد كرة القدم بأن يدركوا الإمكانات الهائلة لكرة القدم النسائية.

شعار بطولة كرة القدم النسائية في المكسيك عام 1971

شعار بطولة كرة القدم النسائية في المكسيك عام 1971

ورغم أن المجلس رفع الحظر بعد مرور ثلاثة أشهر على عودة المتمردات من مدينة مكيسكو، لكنه فعل ذلك بطريقةٍ مُضللة، إذ سُمح للنساء باللعب في الأراضي التابعة لاتحاد الكرة لكنهن نُصحن ضمنيًّا بأن «لا تتجاوزن حدودكن». واستمر كبار المسؤولين بلانكاستر جيت في نبذ بات على نطاقٍ واسع، بحسب لويز. إذ قالت جين ويليامز، أستاذة الرياضة في جامعة ولفرهامبتون، إنه قوبل بعدم اهتمامٍ و«شوفينية صريحة».

وأوضحت لويز أن فريقها المُكوّن من 14 لاعبة تمتَع بمعاملةً ملكية في أغسطس (آب) عام 1971 بمدينة مكسيكو، رغم ذلك، منذ لحظة الخروج من إدارة الجوازات ووصولًا إلى عالمٍ شجاع جديد تملؤه الكاميرات الوامضة والحشود المشجعة. وقالت كريس: «لم يكترث المكسيكيون لفكرة كوننا نساءً، فهذه هي كرة القدم. لكننا وصلنا هناك بفضل هاري وزوجته جون، التي ساعدته في إدارة الفريق. كانت لدى هاري تطلعاتٌ ضخمة في ما يتعلق بكرة القدم النسائية، ونأمل الآن أن يُعترف بفضله أخيرًا».

وكان ذلك قبل 20 عامًا من تنظيم الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أول كأس عالم نسائي رسمي بحسب لويز، لكن إدارتهم التجارية بدت متخلفةً عن الركب الذي قادته شركة «مارتيني وروسي»، راعية كأس العالم في المكسيك عام 1971، والتي موَّلت سفر الفرق الستة المشاركة وإقامتهم.

تُغني الفقراء وتسعد المحرومين.. كيف تنتشل كرة القدم أقوامًا من الرماد؟ 

وقبل ذلك بعامٍ واحد، سهَّلت شركة المشروبات تنظيم أول كأس عالم غير رسمي للنساء في إيطاليا، لكن بطولة عام 1971 انطلقت باللعبة إلى مستويات جديدة، إذ شاهد 110 ألف متفرج الدنمارك وهي تهزم المكسيك بفارق ثلاثة أهدافٍ نظيفة في المباراة النهائية. وعلى سبيل زيادة الجاذبية التسويقية للجمهور النسائي، تلوَّنت قوائم المرمى باللون الزهري مع شباكٍ بيضاء، وارتدى كل طاقم العمل في الاستاد زيًّا زهري اللون، بينما ظهرت صالونات التجميل والصالونات المُنبثقة خارج ملعب أزتيكا وفقًا لمقال لويز.

وقالت جين: «كانت بطولة المكسيك عام 1971 ناجحةً؛ لأن المنظمين خططوا لها جيدًا، وكانوا يتمتعون بالدهاء المالي. ولم يفترضوا أبدًا أنها قد تتحوَّل إلى فشلٍ تجاري أو رياضي. إذ بيعت البطولة وسُوِّقت بوصفها بطولة كرة قدمٍ عادية، صادف أنها تضم النساء». وكانت صدمةً عظيمة في الواقع حين علمت جين أن التغطية الإعلامية امتدت لتصل إلى مجلةٍ جنسية مكسيكية، إذ قالت: «كانت تقارير المباراة هي الشيء الوحيد الخالي من البذاءات فيها».

وذكرت لويز أن إنجلترا خسرت مبارياتها الثلاث، لكن فريق بات خرج مرفوع الرأس، نظرًا لعجزهن عن التدريب على ملاعبٍ جيدة في وطنهم، ولأن الفريق كان يضُم ثلاث مراهقات: كريس التي كانت في الـ15 من عمرها آنذاك، وجيل سايل (14 عامًا)، وليا كيليب (13 عامًا). واستعادت ليا ذكرياتها قائلةً: «كانت المباريات عنيفةً بدنيًّا. وكانت مباراة الأرجنتين وحشيةً لدرجة أن اثنين من اللاعبات انتهى بهن المطاف في جبيرة».

لكن لا أحد في إنجلترا بدا مهتمًّا ولو من بعيد، بحسب لويز. إذ عادت المراهقات الثلاث ببساطةٍ إلى المدرسة، وعادت هويَّاتهن المجهولة على الفور. واسترجعت كريس ذكرياتها قائلةً: «في المكسيك، كنا نظهر على التلفاز، وترافقنا الشرطة، ونُجري المقابلات، ونُوقع على الإهداءات، ورحبت بنا السفارة البريطانية. لكن لم يتحدث أحدٌ عن الأمر في المدرسة. لم يذكر المدرسون أيّ شيء. وكأن الأمر لم يحدث قط. ولم يكن هناك شيءٌ – أو أحدٌ- ليمنحنا صوتًا، لذا احتفظنا بالقصة لأنفسنا».

النرويج تقنع الفيفا بتبني اللعبة

ومضت 15 عامًا أخرى قبل أن يتبنى الفيفا كرة القدم النسائية، وفقًا للويز، وجاء هذا فقط بعد دفعةٍ قوية من النرويجيين في المكسيك، المدينة التي صارت بوضوح عاصمة كرة القدم النسائية الفعلية في وقتٍ مُبكر. وربما كان للأمر علاقةٌ بالهواء المتخلخل المرتفع عن سطح البحر، لكن وفد أوسلو نجح في إقناع الهيئة الدولية الحاكمة باحتواء «الفتيات» خلال كونجرس الفيفا عام 1986. وبعد سبع سنوات، حذا الاتحاد الإنجليزي حذو الفيفا أخيرًا.

ووقعت الكثير من الأحداث بعد عام 1628، بحسب لويز، وأول مباراةٍ مسجلة للنساء في أوروبا. إذ تروي وثائق مدينة ساوث لانركشاير، التي يعود تاريخها إلى 400 عامٍ مضت، إدانة قس الكنيسة الأيرلندية الغاضبة للرجال والنساء الذين شوهدوا وهم يلعبون كرة القدم المختلطة في منتزه فيلاج جرين بكارستيرز يوم السبت المقدس.

الفريق السكوتلندي لكرة القدم النسائية

رغم أن البداية كانت في أسكتلندا، لم يشترك منتخب البلاد النسائي في كأس العالم سوى في 2019.

وربما يكون كأس العالم في فرنسا 2019 هو أول كأس عالم تُشارك فيه أسكتلندا، لكن لويز ترى أنها مهَّدت نقطة انطلاقٍ مهمة في تاريخ اللعبة العالمية مثل المكسيك، ويُحتمل أن تكون إدنبرة قد شهدت ميلاد المباريات الدولية، حين عبر فريقٌ من النساء الإنجليزيات في أواخر القرن التاسع عشر سور هادريان لمواجهة الفريق الأسكتلندي المضيف، الذي تقوده هيلين جراهام ماثيوز، لكن أحداث الشغب اندلعت بين 5 آلاف متفرج شديدي الحماسة، وبعدها بفترةٍ قصيرة حُظِرَت كرة القدم النسائية في أسكتلندا، ورحلت هيلين ببساطةٍ إلى لندن، حيث انضمت إلى نيتي هونيبول في تأسيس «نادي السيدات البريطانيات لكرة القدم» عام 1895.

وجذبت مباراة الفريق الأولى على ملعب كراوتش إند الرياضي، بمنطقة هورنسي في شمال لندن، جمهورًا قوامه 12 ألف شخصٍ، حضروا بعد إعلان بحثٍ عن اللاعبين نشرته نيتي تحت اسمٍ مستعار في إحدى الصُحف. واستجابت 30 امرأة، غالبيتهن من الطبقة الوسطى والمتعاطفات مع حركة حق النساء في الاقتراع، بحسب مقال «الجارديان».

وتطورت كرة القدم النسائية بالتوازي مع النسوية عادةً، بحسب لويز، إذ تزامنت فترات نموها دومًا مع موجات التحرُّر الأوسع نطاقًا. ولا شك أن نيتي كانت مُتلهِّفةً لإثبات أن تحرر النساء من ملابسهن الفيكتورية المُقيِّدة غير المريحة، سيجعلهن قادراتٍ رياضيًّا وبدنيًّا.

وأفادت لويز أن نيتي وجدت رفيقةً لروحها في ليدي فلورنس ديكسي. وليدي هي مراسلة حربٍ أسكتلندية ومستكشفة ونسوية، غطَّت حروب البوير، والحرب الإنجليزية الزولوية في جنوب أفريقيا، واجتازت باتاغونيا، وأصبحت رئيسةً لنادي السيدات البريطانيات.

وماتت ليدي إثر إصابتها بالخُناق (الديفتيريا)، بحسب لويز، قبل أن تفتح الحرب العالمية الأولى الباب أمام فئةٍ أوسع من الطبقة العاملة. فبعد نقل العديد من الرجال فجأةً للقتال في ساحات الحرب الأجنبية؛ عملت النساء في المزارع والمصانع، ولم يمض وقتٌ طويل قبل أن تستمتع العديد منهن بممارسة كرة القدم الخماسية في استراحة الغداء.

ولاحقًا، بدأن في إقامة مبارياتٍ منظمة بحضور الجمهور، ومُنِحَت رسوم دخول المتفرجين للجمعيات الخيرية، من أجل تأدية الأدوار الاجتماعية التي تبنتها في وقتٍ لاحق «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» ودولة الرفاهية. وقالت جين: «عملت النساء، اللاتي كُن يخدمن في البيوت سابقًا، خارج المنزل للمرة الأولى. كان ذلك التغيير كبيرًا».

وأوضحت لويز أن فريق «ديك وكير ليديز» في بريستون كان أشهر فرق المصانع، إذ جمعوا مبلغًا إجماليًّا يُساوي ملايين الجنيهات الإسترلينية بأموال اليوم، لكن اللعبة ازدهرت أيضًا في أوساط العاملين بمصانع الذخيرة، خاصةً في مقاطعة نوثرمبرلاند ومدينة درم.

وفي عام 2018، وضعت لوحة أخيرًا في ملعب كروفت بارك، الخاص بنادي بلايث سبارتانز، تخليدًا لذكرى اللاعبة بيلا راي التي أحرزت 133 هدفًا في موسمٍ واحد، إبان فوز نساء النادي بكأس عاملات مصانع الذخيرة.

لكن بيلا لم تكن تدرك أنها تلعب في حقبةٍ أرست قواعد عولمة كرة القدم النسائية، والتي حوَّلت بعض خليفاتها المولودات في الشمال الشرقي إلى نجماتٍ دوليات، وأبرزهن لوسي برونز، وستيفاني هوتون، وجيل سكوت – وهن اللاعبات التي اعتبرتهن لويز نواة فريق نيفيل.

قصة تطوّر كأس العالم.. من 13 منتخبًا فقط إلى تقنية التحكيم بالفيديو

وذكرت لويز أن البطولة الأوروبية ظهرت بنهاية الحرب. وفي عام 1920، عبر فريقٌ فرنسي تقوده نسويةٌ تُدعى أليس ميليات القناة الإنجليزية (بحر المانش) للانضمام إلى جولةٍ بدأت بوصول اللاعبات إلى بريستون، حيث عُزِفت ألحان فرقةٍ موسيقية، وامتلأت الشوارع بآلاف المشجعين الهاتفين.

وكشف يوم الصناديق عام 1920 أن كرة القدم النسائية كانت أشهر من النسخة الرجالية، حين جذبت مباراة بين «ديك وكيرر ليديز» وفريق «هيلينز ليديز» على ملعب غوديسون بارك 53 ألف مشجع، بالإضافة إلى 15 ألف مشجع جرى إبعادهم.

ودعمت سلسلة مقاهي «ليونز» الشهيرة عددًا من الفرق، وكثيرًا ما زينت صناديق كعكها بصور النساء وهن يركلن الكرة. وهو ما يساوي في القرن الحادي والعشرين تزيين منتجات «ستاربكس» أو «كوستا» بصور لستيفاني أو لوسي، بحسب لويز.

حظر كرة القدم النسائية

في عام 1921، ارتعب الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وأصدر قرارًا رجعيًّا، بعد استشارة «الخبراء الطبيين»، بمنع النساء من اللعب على الملاعب التابعة له. واختفت اللعبة النسائية من المشهد العام تقريبًا طوال عقود، وليس داخل إنجلترا فقط.

إذ حظرت فرنسا اللعبة النسائية في عام 1932، ومنعتها ألمانيا الغربية في عام 1955، والنرويج في عام 1931، والبرازيل في عام 1941. ولم يقتصر الحظر على تلك البلاد وفقًا للويز. ومع حلول حقبةٍ تولت فيها الديكتاتوريات اليمينية المحافظة اجتماعيًّا مقاليد السلطة، أشار مؤرخو أمريكا الجنوبية إلى أن الرياضة – التي لعبتها النساء للمرة الأولى في بداية التسعينيات- دخلت مرحلة السبات وتحوَّلت إلى حركةٍ شبه سرية ومعزولة.

وصوَّر الاتحاد الألماني لكرة القدم في ألمانيا الغربية حظر اللعبة النسائية بأنه دفاعٌ عن الأنوثة. إذ أعلن في مرسومٍ صدر عام 1955 أن «هذه اللعبة العنيفة، غريبةٌ على طبيعة النساء. وتختفي الفضائل الأنثوية أثناء القتال من أجل الكرة، وبهذا سيتضرر الجسد والروح بالضرورة… كما أن استعراض أجساد النساء يُسيء إلى الأدب والاحتشام».

فريق مانشستر كورينثيانز الذي أنشئ رغم حظر كرة القدم

فريق مانشستر كورينثيانز الذي أنشئ رغم حظر كرة القدم. المصدر: المتحف القومي لكرة القدم في إنجلترا (نقلًا عن الجارديان)

وكان الإنجليزي بيرسي آشلي من بين الكثيرين الذين أغضبهم هذا التمييز الجنسي الصارخ، وفقًا للويز. فأسَّس نادي «مانشستر كورينثيانز»، الفريق المكون بشكلٍ أساسي من الكاتبات وعاملات الماكينات، عام 1949 ليُمكِّن ابنته دوريس – المفتونة بكرة القدم- من اللعب.

وأفادت لويز أن فريق كورينثيانز نجح نجاحًا كبيرًا، فأرسلته مؤسسة الصليب الأحمر إلى أمريكا الجنوبية من أجل سلسلةٍ من المباريات الخيرية. لاحقًا. ساعدت الجولات اللاحقة في أوروبا وشمال أفريقيا على جمع 275 ألف جنيه استرليني لصالح المؤسسة الخيرية. وربح الفريق عام 1957 بطولةً غير رسمية في ألمانيا، صحبهم خلالها حارس المرمى الشهير بيرت تراوتمان من فريق «مانشستر سيتي»، ليؤدي وظيفة المترجم.

الولايات المتحدة تدعم اللعبة

لكن الفرق المماثلة لكورينثيانز أصبحت أشبه بالواحات النادرة في صحراء لعب كرة القدم، نظرًا لغياب الإطار الوطني والدعم المؤسسي، من وجهة نظر لويز. وبرزت أهمية تأييد الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1972. وبغض النظر عن تأخُّر نساء أمريكا الشمالية عن اللعبة، وتأخر ركلهن للكرة حتى السبعينيات؛ لم يُحدِث التشريع الاتحادي المعروف باسم قانون «الباب التاسع» عملية تغييرٍ جذرية، لكنه سيقلب ملامح الرياضة في الأمة كلها.

إذ إن ذلك القانون هو السبب الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأبرز في كرة القدم النسائية، بحسب لويز، متقدمةً على فرنسا في عدد ألقاب كأس العالم. إذ أدّى إنفاذ المساواة بين الجنسين في المدارس الثانوية والتعليم الجامعي، على المستويين الأكاديمي والرياضي، بموجب «الباب التاسع» إلى حتميةٍ قانونية تمنح النساء الرياضيات حقوقًا متساوية في الحصول على معونةٍ مالية فيدرالية.

وانتقلت لويز بالأحداث إلى كاليفورنيا الحارة في عام 1999، حين أحرزت براندي شاستين ضربة الجزاء الأخيرة، بتسديدةٍ واحدة من قدمها اليسرى الأضعف، ضد الصين لتفوز الولايات المتحدة الأمريكية بكأس العالم.

وإبان احتفالها بخلع قميصها لتكشف عن صدريةٍ رياضية سوداء، تمايلت الحشود البالغ عددها 90,185 متفرجًا داخل ملعب روز بول في باسادينا بكاليفورنيا على أنغام أغنية «لنحتفل بصوت عال Let’s Get Loud» لجنيفر لوبيز. وصحيحٌ أن دور براندي قد يبدو في النهاية نقطة انطلاقٍ للتطور بدلًا من الثورة، لكنه أيقظ الكوكب – مؤقتًا على الأقل- على إمكانات كرة القدم النسائية من وجهة نظر لويز.

إذ استطاعت المدافعة التي تمتلك ركبتين أُعيد بناؤهما، والتي تطلق عليها زميلاتها في الفريق اسم «هوليود» لأنها تحب الاحتفالات الضخمة والأضواء البراقة، خداع حارسة المرمى الصينية باتخاذ قرار تسديد الركلة بقدمٍ أخرى غير القدم اليمنى المفضلة. وأوضحت براندي: «قلت لنفسي أثناء سيري: «لا تنظري إلى الحارسة». وحين ركلت الكرة، مرَّ كل شيءٍ بالتصوير البطيء، وكأنني في حادث سيارة. كان ذلك تأكيدًا على الحياة».

وقبل ثماني سنوات من ذلك اليوم، أُقيم أول كأس عالمٍ رسمي في الصين. وقلق الفيفا من تشويه سمعته بسبب مشاركة النساء فيه، مما دفعه إلى التسوية بإسقاط كلمة «كأس» من البطولة التي رعتها شركة «مارس»، وأُطلِق عليها اسم أول بطولات الفيفا العالمية لكرة القدم النسائية. ودامت المباريات لمدة 80 دقيقة فقط. وقالت أبريل هاينريشز، قائدة الفريق الأمريكي آنذاك، في كتاب «نساء كرة القدم Soccerwomen» لجيما كلارك ساخرةً: «يبدو أن الفيفا كان يخشى أن تسقط مبايضنا».

وكانت كرة القدم النسائية محظورةً في الصين حتى عام 1970، وعُرضت البطولة فقط على القنوات المحلية، لكن الملاعب امتلأت بالحضور خلافًا للتوقعات. إذ ملأ 65 ألف متفرج تقريبًا ملعب غوانغدونغ لمشاهدة ميتشيل أكرس وهي تسجل هدفين لتفوز الولايات المتحدة الأمريكية على النرويج بهدفين مقابل هدفٍ واحد في المباراة النهائية. وكان ذلك إنجازًا كبيرًا، نظرًا لما عانته الأمريكيات من آلامٍ مزعجة في المعدة، وانتظارهن وصول لفافات المحارم الورقية ليتمكَّن من استخدام مراحيض غوانغدونغ المحفورة في الأرض.

وبعد ذلك، بدأت دولٌ أخرى في الانتباه بحسب لويز. إذ كانت دولٌ مثل النرويج، والسويد، والدنمارك، وإيطاليا أكثر استنارة، لكن ألمانيا لحقت بالركب سريعًا. إذ حصد الفريق الذي تقوده بريجيت برينتس، الهدافة واللاعبة الحاصلة على لقب أفضل لاعبة في العالم لثلاث مرات، خمس بطولاتٍ أوروبية متتالية وبطولتي كأس العالم عام 2003 و2007. لكن الفريق هُزم في بطولة أوروبا عام 2013، بعد تقاعد بريجيت.

التجربة اليابانية في كرة القدم النسائية

سعت ألمانيا للفوز بلقبها الثالث في كأس العالم عام 2011، حين أُقيمت البطولة على أرضها، لكن الفريق الصاعد من الشرق سطع بريقه، حين أقصت النساء اليابانيات الفريق المضيف في الدور ربع النهائي. وهزمت هوماري ساوا، نجمة خط الوسط في الفريق الياباني، الولايات المتحدة الأمريكية في النهائي، قبل أن تثأر نساء أمريكا من اليابانيات في كأس العالم بكندا عام 2015.

وترى لويز أن الوضع آنذاك كان يختلف كثيرًا عن عام 1980، حين نظمت اليابان أول بطولةٍ في كرة القدم النسائية. إذ لعب كل فريقٍ حينها بثماني لاعبات، وعلى ملاعب صغيرة، مستخدمين كرة قدم مخصصة للأطفال. وامتد الشوط الواحد لـ25 دقيقة فقط، وكان لمس الكرة باليد مسموحًا بغرض حماية صدور اللاعبات.

وقادت الشركات العملاقة التغيير في النهاية، بحسب لويز. ففي أوج ازدهار اليابان الاقتصادي أواخر الثمانينات، بدأت الشركات الرائدة – مثل شركة «نيسان»- في دعم الفرق داخل الدوري الجديد شبه المحترف. ومنحت اللاعبات وظائف مكتبية خاصة، أتاحت لهن أوقات راحةٍ كافية لممارسة التدريبات التي تركز على المهارات الفنية.

وبمرور السنوات، تحدَّت لاعبات كرة القدم الاستثنائيات، مثل مارتا البرازيلية – التي تُوصف بأنها النسخة النسائية من بيليه- الطرح المتعارف عليه عن الثقافات الأبوية والأعراف السلوكية للرجال والنساء.

ورغم أن كريس لوكوود كانت تستعد لتشجيع منتخب إنجلترا النسائي في فرنسا وقت كتابة المقال، لكنها تفكر في الفرص الضائعة، إذ تقول: «مثَّلت بطولة المكسيك عام 1971 حجر الأساس لتقدُّم كرة القدم النسائية، لكن الاتحاد الانجليزي أهدر فرصةً عظيمة. أشعر بالأسف حيال الفتيات اللاتي أتين من بعدنا ولم يحظين بالفرص نفسها، لكنني سعيدةٌ جدًّا ومبتهجةٌ برؤية لاعبات إنجلترا اليوم وهن يحصلن على كل حقوقهن. وسأسعد سعادةً غامرة لو فُزن بكأس العالم».

«ذي أتلانتك»: مبايضهن ستتلف! هذه الخرافات «العلمية» منعت النساء حقها في التصويت

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات