انتقدت «شارمين نارواني»، وهي محللة للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط. وزميلة سابقة في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، النهج الذي تتبناه المملكة العربية السعودية في تعاطيها مع القضايا الإقليمية، وكذا اعتناقها للمذهب الوهابي.

ورأت «نارواني» في مقال نشرته في النسخة العربية من موقع «روسيا اليوم»  أن المملكة السنية تعاني عزلة دولية وإقليمية على صعيد السياسة والدين، وانطلقت من حكمها من البيان الذي أعلنه مجموعة من رجال الدين مؤخرًا واستبعد أتباع المذهب الوهابي من حظيرة المذهب السني.

استهلت الكاتبة المقال بقولها «في نهاية أغسطس (آب) 2016، عقد اجتماع لرجال الدين والعلماء المسلمين في العاصمة الشيشانية جروزني لتشكيل توافق في الآراء بشأن موضوع (من هم أتباع المذهب السني)».

وأضافت أن نحو 200 من رجال الدين السنة من مصر وجنوب إفريقيا والهند وأوروبا وتركيا والأردن واليمن، وروسيا، حذروا من أن المذهب السني «خضع لتشوه خطير في أعقاب الجهود التي قام بها المتطرفون لإبطال معانيه من أجل الاستيلاء عليه وقصره على تصورهم».

تغيير جذري

وقالت إن العالم الإسلامي هو حاليًا تحت حصار الإرهاب بقيادة سلالة منحرفة تدعي السلطة الدينية وتقتل باسم الإسلام. لذا تجمع المشاركون في جروزني بناء على دعوة من الرئيس الشيشاني، لإحداث «تغيير جذري من أجل إعادة تأسيس المعنى الحقيقي للمذهب السني».

برأيها، أنه إذا كان البيان الختامي مؤشرًا على شيء، فإن مجموعة العلماء البارزين كانت لديهم رسالة خاصة جدًا للعالم الإسلامي: الوهابية – والتكفيرية المرتبطة بها – لم يعد مرحبًا بها داخل حظيرة السنة.

على وجه التحديد، قال البيان الختامي للمؤتمر «إن الأشاعرة والماتريدية هم أهل المذهب السني والذين ينتمون إلى الطائفة السنية، سواء على مستوى العقيدة والمذاهب الأربعة في الفقه السني (الحنفي، الحنبلي، الشافعي، المالكي)، وكذلك الصوفية، سواء من حيث المعرفة والالتزامات الأخلاقية».

في ضربة واحدة، لم تكن الوهابية، دين الدولة الرسمي لاثنتين فقط من الدول الإسلامية – المملكة العربية السعودية وقطر – لم تكن جزءًا من جدول أعمال الأغلبية المسلمة.

رد الفعل السعودي

وتابعت بقولها إن رد الفعل العنيف من السعوديين جاء جادًا وسريعًا، وخاصة فيما يتعلق بمشاركة فضيلة الإمام الأكبر «أحمد الطيب» شيخ الأزهر، مركز الدراسة الدينية السنية في العالم الإسلامي.

يأتي ذلك بينما دعمت المملكة العربية السعودية الاقتصاد المصري المتعثر بمليارات الدولارات في السنوات القليلة الماضية، جنبًا إلى جنب مع جارتها الوهابية، قطر، والتي دعمت بدورها جماعة الإخوان المسلمين حينما تولت مهام الحكم في مصر في عام 2013.

وبالرغم من أن «الطيب» لم يخص السعوديين بالذكر في كلامه بالمؤتمر، إلا أن موقعه الهام في الهرم السني العالمي منح وزنًا كبيرًا للدعوى. وريادة الأزهر في العالم السني تلقى منافسة فقط من الدور الجديد نسبيًا الذي يلعبه ملك آل سعود كخادم للحرمين الشريفين في مكة والمدينة.

في العام الماضي فقط – في مكة المكرمة – انتقد «الطيب» الاتجاهات المتطرفة خلال كلمة ألقاها حول الإرهاب، بشن هجوم عنيف على «التفسيرات الفاسدة»  للنصوص الدينية.

وقالت الكاتبة إنها الوهابية التي غالبًا ما تتهم برعاية هذا الاتجاه على الصعيد العالمي.

وقالت «المذهب الراديكالي، الذي ولد في القرن الثامن عشر، ينحرف عن مذهب أهل السنة التقليدي بطرق مختلفة، وخصوصًا ممارسة العنف ضد غير المؤمنين- بما في ذلك المسلمين الذين يرفضون التفسير الوهابي (التكفير)».

وذكرت الكاتبة أن المملكة العربية السعودية هي أكبر مساهم في عشرات الآلاف من المساجد والمدارس الوهابية ورجال الدين والمنشورات الإسلامية المنتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي – والعديد منهم، اليوم، يغذي تجنيد الإرهابيين. حسب بعض التقارير فقد وصل هذا الرقم تقريبًا إلى 100 مليار دولار في العقود الثلاثة الماضية أو نحو ذلك.

في جروزني، أشار المشاركون في المؤتمر إلى هذا الاتجاه الخطير، ودعوا إلى «العودة الى المدارس ذات المعرفة الكبيرة»  خارج المملكة العربية السعودية – في مصر والمغرب وتونس واليمن.

المسئولون الرسميون السعوديون عبروا عن غضبهم على وسائل التواصل الاجتماعي. الأمير السعودي، «خالد آل سعود»، حذر من أن هذا الحدث يمثل «مؤامرة تستهدف بلدنا بصراحة ومكانتها الدينية، على وجه التحديد».

تسريبات مقلقة

من مؤتمر جروزني انتقلت الكاتبة إلى شأن أخر رأت «نارواني» أنه يزيد من عزلة السعوديين.

ففي بداية أيام موسم الحج السنوي هذا العام، نشرت صحيفة «الأخبار» اللبنانية على الإنترنت قاعدة بيانات صادمة من وزارة الصحة السعودية.

قائمة الوثائق المسربة، بتفصيل دقيق، تشمل أسماء 90 ألفًا من الحجاج من جميع أنحاء العالم الذين لقوا حتفهم خلال زيارة مكة المكرمة على مدى 14 عامًا.

وإذا كان هناك أي تساؤلات حول سلطة الملك السعودي بـاعتباره « خادمًا» للمقدسات الإسلامية، فإن هذا التسريب يجب أن بفتح الباب على مصراعيه أمام هذه التساؤلات، بحسب مقال الكاتبة.

ولكن حتى قبل أن تصبح هذه الوثائق منشورة بشكل علني، فإن الدعوات إلى السعوديين للتخلي عن إدارتهم للحج كانت قادمة من إيران وغيرها.

قبل عام واحد بالضبط، شهدت منى حادث التدافع الأكثر دموية في تاريخ الحج.

وقالت الكاتبة إنه وبدلًا من التعامل مع القتلى والجرحى كأولوية قصوى، ذهبت السلطات السعودية إلى إخفاء الخسائر، والتقليل من عدد القتلى، وعرقلة الجهود الدولية لإجراء تحقيق واجبار أسر الحجج على دفع تكلفة استلام جثث القتلى، ورفض الاعتذار عن هذه الكارثة.

ووفقًا لأرقام الحكومة السعودية الرسمية في ذلك الوقت، فقد بلغ إجمالي عدد الضحايا 769 قتيلًا و 934 جريحًا.

بحسب الكاتبة، تظهر قاعدة البيانات المسربة الآن أن هذه الأرقام كانت كاذبة. ووفقًا لللإحصاءات الخاصة بوزارة الصحة، كان عدد القتلى في منى في الواقع أعلى بمعدل عشرة أضعاف من الأرقام المعلنة.

الإيرانيون، الذين ظهر في البداية أنهم تكبدوا خسائر غير متناسبة – بما في ذلك حادثة انهيار الرافعة قبل 12 يومًا في المسجد الحرام في مكة المكرمة، حيث توفي 107 شخص- فقدوا نحو 500 مواطن. كان من بين هذه القتلى مسؤول كبير في وزارة الخارجية، الدكتور «غضنفر ركن أبادي»، سفير إيران السابق لدى لبنان وشخصية رئيسة في الشؤون الجيوسياسية الإقليمية. ونفت السلطات السعودية في البداية أنه كان حتى في البلاد، ومن ثم استغرقت شهورا للتعرف عليه وإعادة جسده.

ولكن الأكثر إثارة للقلق من ذلك كله، وكما قالت الكاتبة، هو الطريقة غير الآدمية التي تعامل بها السعوديون مع القتلى والجرحى.

الكاتبة أوضحت أن غضب الإيرانيين كان مبررًا، لكن السعوديين سيسوا رد فعلهم وحولوه الى إهانة لسلطة سنية من قبل سلطة الشيعة في طهران. إحصاءات صحيفة «الأخبار»، ومع ذلك، تقول قصة أخرى. كان معظم من قضوا في منى من السنة – من مصر وباكستان وإندونيسيا وغيرها من البلدان – مع تجاوز أعداد الضحايا من بعض الدول حتى عدد القتلى الإيرانيين.

بعد عام على الحادثة، قاطع الإيرانيون فريضة الحج لهذا العام، بدعوى أن المملكة العربية السعودية كانت غير مستعدة لضمان متطلباتهم الأمنية الأساسية خلال مفاوضات مطولة بين البلدين.

مواجهة سنية شيعية

استشهدت الكاتبة في مقالها بما ذكره المرشد الأعلى الإيراني «علي خامنئي» في خطابه الأكثر مواجهة مع الدولة السعودية، الاسبوع الماضي – خلال رسالة الحج السنوية – وعبر فيها عن رفضه لما وصفه بالسلوك الظالم حيال الحجاج.

وصف خامنئي السعودية بـ«الشجرة الملعونة» قائلًا إن «الحكام المثيرين للفتن الذين ورطوا العالم الإسلامي في حروب داخلية وقتل وجرح للأبرياء عن طريق تأسيس وتجهيز الجماعات التكفيرية الشريرة، وراحوا يغرقون اليمن والعراق والشام وليبيا وبلدانا أخرى في الدماء، هم متلاعبون سياسيون لا يعرفون الله».

في شهر واحد قصير، واجه السعوديون تحديًا من قبل اثنتين من الطوائف السائدة في الإسلام – من السنة والشيعة، على قدم المساواة – عبر مهاجمة السلطة الدينية التي تطالب بها الدولة السعودية وتحدي الانقسام والطائفية العنيفة في عقيدتهم الوهابية.

خسائر جيوسياسية

وفيما يبدو أنه إثبات لوجهة خامنئي – وإجماع جروزني – فقد وصف مفتي المملكة العربية السعودية «عبد العزيز آل الشيخ»، القادة الإيرانيين على أنهم غير مؤمنين حينما قال: «علينا أن نفهم أنهم ليسوا مسلمين … أعداؤهم الرئيسين هم أتباع أهل السنة».

في غضون أيام من بيانه، اعتذر «آل الشيخ» ولأسباب صحية عن إلقاء خطبة الحج التي داوم عليها 35 عامًا على التوالي.

وتساءلت الكاتبة هنا بقولها: لماذا التوقف الآن؟

وقالت إنه لا يبدو الأمر بأن السعوديين لم يكن لديهم شهية لخوض معركة مع الإيرانيين.

وذكرت أن المواجهة السنية الشيعية بين إيران والمملكة قد جرت في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، في مختلف ساحات القتال ووسائل الإعلام، وذلك على حساب الملايين.

ما بدأ كرغبة للرياض في إفشال نجاح الثورة الإسلامية الشعبية التي خلعت الملك في البلد المجاور – إيران عام 1979 – تحول إلى معركة وجودية للسعودية للحصول على الهيمنة والشرعية في كل مجال.

وأضافت الكاتبة أن عدم وجود استراتيجية متماسكة ألقى بالسعوديين في عدد من المستنقعات غير الضرورية التي تحاصرها الآن حدودها (العراق، البحرين، اليمن)، وأفرغت خزائن الدولة.

ما كان من المفترض أن يكون ضربة جوية سريعة للمتمردين اليمنيين؛ لأنهم تجرأوا على تحدي السلطات السعودية، تحول إلى حرب طويلة امتدت إلى 18 شهرًا، مع مقتل 10 آلاف شخص واتهامات بارتكاب جرائم حرب، وانتشار الإرهاب الجهادي، وزحف العدو إلى داخل الأراضي السعودية، وفق ما ذكرته الكاتبة.

كما أشارت إلى أن دور الرياض الرائد في زعزعة استقرار سوريا والعراق، أطلق العنان للقتل الجماعي الطائفي الذي دمر العالم الإسلامي، وكشف النقاب عن التواطؤ السعودي.

أثارت هذه الحروب وقوف دول مثل روسيا والصين كحواجز ضد التجاوز السعودي، وأعادت هذه الدول تشكيلها في ميزان القوى في المنطقة – ضد المصالح السعودية.

وأخيرًا قالت الكاتبة إنه كان لذلك تأثير سلبي  بعيد المدى على النفوذ السياسي والاقتصادي والديني السعودي على الساحة الدولية.

واختتمت بقولها «في عام 2010، كانت المملكة العربية السعودية تعبر الحدود بطريقة سلمية كقوة وسيطة، وتعمل مع إيران وسوريا وتركيا وقطر وغيرهم لاستكشاف النقاط الساخنة الإقليمية. بحلول عام 2016، دفنت ملكين، وتجاهلت نهج قياسي للسياسة الخارجية، واحتضنت الجنون التكفيري وأفرغت خزائنها».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد