أطلق الصحفي «جانين دي جيوفاني»، محرر شئون الشرق الأوسط في مجلة «نيوزويك» الأمريكية، قناة «سراييفو-درعا» على تطبيق «واتساب»، التي منحت فرصة للتواصل بين عدد من المحاصرين في مدينة درعا السورية ومدينة سراييفو التي كانت قد عانت حصارًا مريرًا في الفترة بين عامي 1992 و1995.

كان هدف «جيوفاني» من إطلاق القناة، حسبما أشار في تقرير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية هو نقل تجربة أهل سراييفو مع الحصار، وكيف نجوا منه؛ وذلك لمساعدة المحاصرين في المدن السورية على التغلب على المعاناة التي عاشوها منذ اندلاع الثورة السورية منذ خمس سنوات.

الكاتب استهل بقوله «ابتداءً من عام 1992، استمر حصار سراييفو ما يقرب من ثلاث سنوات بائسة، بالإضافة إلى 10 أشهر، وثلاثة أسابيع، وثلاثة أيام. وكان أطول من الحصار العسكري لمدينة لينينغراد، وهي الفترة التي كان الناس يعانون فيها من الجوع حتى لجأوا إلى أكل لحوم البشر».

وأضاف الكاتب أن ثمة مشاهد بشعة مماثلة تحدث يوميًا في حلب الشرقية، حيث يئن نحو 250 ألفًا من السكان تحت حصار الحكومة منذ سبتمبر (أيلول) والحرب التي تدور في البلاد منذ خمس سنوات، وفي داريا، حيث صمد 8000 شخص أربع سنوات من الحصار قبل سقوط المدينة في نهاية أغسطس (آب).

إبادة الروح


في سراييفو، أكثر من القذائف، أكثر من رصاصات القناصة، وأكثر من الجراحين الذين كانوا يمارسون مهام عملهم في المستشفيات تحت نيران الحرب، ربما كان أقسى شيء كان محاولة تدمير الروح.  حصار المدن يدمر الجسم كما كان واضحًا في البوسنة، ثم في سوريا الآن، ولكن مرة أخرى، ما هو أكثر ضررًا بكثير هو إبادة الروح.

بحسب الكاتب، فقد انتهى جحيم سراييفو أخيرًا بعد وفاة أكثر من 11 ألف شخص كان من بينهم 500 من الأطفال.

وقال الكاتب «أستطيع أن أقول إن تلك السنوات، 1992-1995، كانت الأكثر فعالية في حياتي: مهنيًا، شخصيًا وعاطفيًا. كنت هناك مع زملائي الذين كانوا يقومون بتغطية الحرب،  ولن ننسى ما حدث أثناء الحصار. أنا وزملائي تعهدنا بالبقاء حتى النهاية».

وأضاف «فعلنا هذا جزئيًا كصحفيين ملزمين بالقيام بذلك. وخلافًا للحرب في سوريا، والتي ليس لديها أي من الشهود المستقلين، في سراييفو كان يمكنك أن تذهب إلى حد كبير إلى أي خط من خطوط الجبهة أو ترافق الجنود طالما كنت تتولى المسؤولية عن حياتك الخاصة».

كان من شأن هذا أن يبقي المأساة البوسنية في طليعة الوعي العام، إلى النقطة التي أخذت «مارجريت تاتشر»، رئيسة الوزراء السابقة في المملكة المتحدة، موقفًا حازمًا لإنهاء الحرب، واستشهدت بالقصة التي كان قد نشرها الكاتب في صحيفة «صنداي تايمز» عن الطفل الذي أصيب بالعمى بشظايا في سربرنيتشا. وأصبحت هذه المدينة تشتهر بالقتل الجماعي لثمانية آلاف رجل وصبي مسلم في عام 1995.

الكاتب تابع بقوله «ولكن كان هناك سبب آخر لبقائنا، وكان أكثر أهمية بكثير بالنسبة لي ولأصدقائي: الحصار الذي يعزل السكان عن بقية العالم. أردنا أن نظهر للناس في الخارج زملائنا من البوسنة، فضلًا عن المقاتلين الذين كانوا يدافعون عن مدينتهم في ظل حظر الأسلحة المتعاقب، والناس العاديين الذين كانوا يهربون من رصاصات القناصة. كان هناك أمل قليل في أن هناك شخص كان قادمًا لإنقاذهم، ولكن شعرنا أنه إذا غادرنا، فسوف نعطيهم إشارة واضحة: تم التخلي عنكم».

الحبيبة المهجورة

الآن، والعالم يراقب حلب تحترق، سقوط داريا وإدلب وغيرها من المدن السورية، التي تعاني بوحشية، وصف البابا «فرانسيس» الدقيق لسوريا بأنها «الحبيبة المهجورة» هو وصف تقشعر له الأبدان، وفقًا للكاتب.

ذكر الكاتب أنه بعد البوسنة، كان على يقين من أن المجتمع الدولي لن يقف مرة أخرى موقف المتفرج في الصمت عن مئات الآلاف من الناس الذين يتعرضون للقصف بلا هوادة والتجويع والضرب والصدمة، واغتصاب أهم حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك التعليم والمرافق الطبية.

في ذروة أسوأ السنوات في سراييفو، 1992-1994، كان يمكن أن نرسم خطًا بيانيًا للأمل في المدينة، مثل التدفق المستمر لنهر الميلجاكا، الذي كانت جسوره توفر ملاذًا للحماية للصحفيين من قصف القناصة. نفاد الإمدادات الغذائية؛ ذبح الجنود على الجبهات، ونفاد الطاقة من مولدات المستشفيات.

وقال الكاتب: إن أهوالًا «دراماتيكية» مثل هذه كانت بين التغطيات الإعلامية الأفضل عن الحصار، ولكن من السهل أن ننسى أنه بالنسبة لشعب كان يعاني منها، يمكن أن يكون فقط مؤلمًا أن تفتقد الأمور اليومية.

ونقل الكاتب ما ذكره له أحد الأصدقاء في حلب من أنه حتى يفتقد مجرد الحصول على تواجد عائلته بجانبه لمشاهدة كرة القدم على شاشة التلفزيون.

وقالت امرأة أخرى: إنها تحن إلى مشاهدة أشجار الفاكهة تتفتح، وقدرتها على الخروج إلى الشارع لاختيار الخوخ والتفاح في الطقس الحار، دون الخوف من التعرض للقتل.

وتابع الكاتب بقوله «كتب محمد، صديق لي في داريا، يسأل بأدب إذا كان يمكنني أن أرسل بعض مقالاتي السابقة عن سراييفو، «وهكذا يمكننا أن نفهم كيف نجا الشعب البوسني، ويمكننا أن نتعلم منهم».

وقال الكاتب وهو يشرح كيف أطلق قناته «أوحى ذلك لي بفكرة: كان أصدقائي البوسنيون يتمتعون بروح مرنة لم أعهدها في حياتي. اعتقدت أنهم يمكن أن يوفروا الدعم النفسي حول كيفية الخلاص من أحلك أيام، من الناجين من الحصار لأولئك الذين ما زالوا يعيشون فيه».

«سراييفو-داريا»

هذا الصيف، أطلق الكاتب قناة «سراييفو-داريا» على تطبيق «واتسآب». في البداية، كان المشتركين على القناة ثلاثة فقط، وهم «محمد»، و«عايدة كركيز»، التي عايشت حصار سراييفو، وهي الآن مراسلة لوكالة «أسوشيتد برس»، والكاتب. ثم انضم المزيد من الناس وحاولوا تقديم اقتراحات ملموسة أكثر للبقاء على قيد الحياة.

قدمت «عايدة» التسجيل الصوتي وطالبت «محمد»، الذي لم ير أسرته منذ عدة سنوات، بجمع قوته وتشكيل حكومة موازية داخل الحصار. «هذه هي الطريقة الوحيدة التي سوف تحافظ بها على قوتك الخاصة»، هكذا قالت بصرامة. كانت تعني أن المجتمع يجب أن يتكاتف سويًا ومساعدة بعضهم البعض، وهو ما فعله أهل سراييفو.

«سمير» (الذي شاركه الكاتب بعض من أسعد اللحظات أثناء حصار سراييفو)، أصر على أن الحفاظ على روح الدعابة هو الشيء الأكثر أهمية.

اقتراحات أخرى للبقاء «زوران»، الذي كان قد خدم في الجيش البوسني، اقترح لعب الورق وتذكر الليلة التي شهدت سقوط معظم القذائف على سراييفو. وقدم «نهاد»، الذي كان صبيًا صغيرًا أثناء الحرب، قائمة من الأفلام التي قد يكون «محمد» قادرًا على رؤيتها، والتي من شأنها أن توفر الثبات الروحي والعاطفي.

وأشار الكاتب إلى أنه عندما  سقطت داريا، رمز المقاومة السورية منذ مراحل الحرب المبكرة، لم يسمع أخبارًا من «محمد» لفترة من الوقت. ثم عاد إلى الظهور، لأول مرة في إدلب، قبل السفر بالحافلة إلى مدينة أخرى داخل سوريا.

وأضاف الكاتب أنه في وقت مبكر من الحرب السورية، كان يميل إلى رسم المقارنات. في سراييفو كما هو الحال الآن، كان هناك غضب في الأمم المتحدة، ولامبالاة من مسؤوليها. وتذكر كيف كان لديهم شعور بالامتعاض في سراييفو عندما توقف الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك «بطرس غالي» في المدينة، وقال بابتهاج هناك 10 أماكن في العالم أسوأ حالًا من العاصمة البوسنية.

عندما كانت سوريا أخيرًا محور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول)، كانت المحاولات الأمريكية والفرنسية لفضح الروس على جرائم الحرب، كانت قليلة جدًا ومتأخرة جدًا.

وأوضح الكاتب أنه كطالب في العلاقات الدولية، فقد درس كيف تبدأ الحروب، وكيف تنتهي الحروب. كثيرًا ما تنتهي الحروب عندما يستنفذ المقاتلين، أو عندما، كما هو الحال في البوسنة، تحظى الدبلوماسية بدعم قوي من أعتى قوة على وجه الأرض-الولايات المتحدة، وفقًا لرؤية الكاتب.

«أريد العودة إلى المنزل مرة أخرى»

ولكن أمريكا تشهد انتخابات رئاسية. حتى في الوقت الذي  تصل فيه الأخبار من حلب إلى الناس الذين يحاولون الاستماع، في محاولة للاستيعاب، فإنه من المستحيل أن نفهم حقًا. كيف يمكنك أن تعرف ما يعنيه الحصار حقًا، إلا إذا كنت قد عرفت فرحة رؤية صنبور مع المياه الجارية، بعد أن كان ذلك غائبًا عنك لعدة سنوات؟

وحكى الكاتب ما ذكره له مؤخرًا صديق دبلوماسي من أنه يعتقد أن الحرب في سوريا هي قريبة جدًا من أن تضع أوزارها؛ «لأن الحروب تنتهي عندما يحصل المنتصرون على الأراضي التي يريدونها، وكانت لهم السيطرة والقوة التي يريدونها. الأسد، بمساعدة من روسيا وإيران، وكلتا أيديهما ملطخة بالدماء على حد سواء، بات يسيطر على مزيد من الأراضي؛ مما أسفر عن مقتل أولئك الذين يقاومون، أو ببساطة أولئك الذين هم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ».

وقال الكاتب: إنه سأل معظم أصدقائه في سوريا «ماذا تريد الآن؟»، وهم جميعًا يقولون الشيء نفسه: السلام. وغالبًا «أريد العودة إلى المنزل مرة أخرى».

واختتم الكاتب بقوله «ولكن سوريا التي يعرفونها لن تكون كما كانت مرة أخرى، وسوف يكون من المستحيل العثور على منازلهم مرة أخرى. مثل البوسنة، كان تمزيق سوريا إربًا أسهل بكثير من أن تجمع شتاتها مرة أخرى. يمكن للبلد الحبيب المهجور الآن أن يعيش فقط على الأمل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد