سقطت مدينة الموصل في يد القوات العراقية بعد حوالي ثلاث سنوات من وقوعها في يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا يحكي عن تلك الفترة من وجهة نظر عائلة موصلية نازحة.

قال التقرير إنَّ رحلة هذه العائلة تشرح لنا الطريقة التي لاقت بها داعش دعمًا في الموصل، وكيف بددت هذا الدعم لاحقًا، حين تلاعبت بلا رحمة بسكان المدينة المضطهدين واستغلتهم. قال التقرير:

«يرتدي الأئمة العاديون الأزياء البيضاء ويتكلمون بفصاحة. أما الرجل الذي كان واقفًا على منبر المسجد النوري يلقي خطبة نارية ذات جمعة قائظة الحرارة من شهر يوليو (تموز) 2014، فقد كان مختلفًا»، هكذا بدأ التقرير. ونقل عن ياسر سمير أحمد الذي يتذكر هذا اليوم فيقول: «كان متشحًا بالسواد، يرتدي عباءة سوداء، وعمامة سوداء، وكان ذا لحية سوداء. كنتَ بالكاد تستطيع رؤية وجهه وسط كل هذا السواد».

كان هذا الشخص المتشح بالسواد زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، (أبو بكر البغدادي)، وكان ياسر أحد القلائل الراغبين في الحديث علنًا عما رآه بأم عينيه إذ كان حاضرًا خطبة الجمعة تلك التي ظهر فيها البغدادي ظهوره الوحيد، والتي نصب نفسه فيها خليفة. سوف تصبح هذه اللحظة، التي جاءت بعد أسابيع من سيطرة الدولة الإسلامية على الموصل وأجزاء واسعة من العراق، لحظة مفصلية للمدينة، وعلامة على صعود تنظيم الدولة.

بعد ذلك بحوالي ثلاثة أعوام، سوف يجد ياسر وعائلته الممتدة أنفسهم زاحفين بين أنقاض المسجد المدمر حين فرارهم من المعركة الوحشية الأخيرة للسيطرة على المدينة القديمة في الموصل، حيث أدى أشرس مقاتلي الدولة الإسلامية معركتهم الأخيرة. في تلك اللحظة كان ياسر جائعًا، وحزينًا، ويتوقع رصاصة عند كل منعطف، لكنه كان مصدومًا إلى الحد الذي لم يبال معه إن كان ما سينجيه من الجهاديين هو الموت أو الحرية.

بعد أسبوع من فرار ياسر ومجموعة من أقاربه، منهم أبوه سمير أحمد صوفي، عبر الشوارع المهجورة فجرًا للوصول إلى خطوط الجيش العراقي، صاروا يجلسون على حصير من القش في شقة فارغة شرق الموصل. اشتروا ملابس جديدة، وحلقوا لحاهم، وبدأوا في الأكل مرة أخرى، لكنَّ حرمان السنوات القليلة الماضية ما زالت آثاره بادية.

اقرأ أيضًا: مترجم: جنود عراقيون عن معركة الموصل: قتلناهم جميعًا.. داعش والنساء والأطفال

لم يكن إخوة ياسر، محمد وأحمد، موجودين إذ قتل كلاهما بقذيفة هاون بينما كانا يبحثان عن الماء من أحد الآبار في شهر مايو (أيار) الماضي. وعندما طُلب من ياسر أن يحكي الأحداث التي أدت لمقتلهما قال: «لم تبق لدي أي ذكريات لما قبل هذا الوقت. لقد محت داعش كل شيء. عندما فقدت أخويّ، فقدت معهما كل ذكرياتي الطيبة».

لكن عندما حُض على الحديث عادت ذاكرته إلى الجامع النوري. تحديدًا إلى الخامس من شهر يوليو (تموز) 2014، وكانت داعش قد استولت على المدينة قبل ذلك التاريخ بأسابيع، وقبل ذلك بستة أيام، مع بداية شهر رمضان، أعلن المتحدث باسم داعش، أبو محمد العدناني، قيام الخلافة.

يقول التقرير أنه كان أول ما لاحظه أهالي الموصل، اختفاء الجيش العراقي، فأصبحوا قادرين على التحرك بحرية في المدينة للمرة الأولى منذ سنوات. استغل ياسر واثنان من أصدقائه هذا الأمر، فمروا على نقاط التفتيش المهجورة لعبور نهر دجلة وصولاً إلى المدينة القديمة. تجمع حشد من أعضاء داعش المتحمسين خارج الجامع النوري. قرر الأصدقاء الثلاثة الدخول بدافع الفضول. قال ياسر: «كان الأمن مكثفًا للغاية. حتى لقد كانت شبكة المحمول خارج الخدمة».

كان هذا الجامع القديم علامة من علامات الموصل. إذ أصبحت مئذنته المائلة المسماة بالحدباء، رمزًا للمدينة إلى درجة ظهورها على ورقة الدينار العراقي من فئة 10 آلاف دينار. وقال سمير، والد ياسر: كانت الحدباء وكأنها شخص ذو شخصية مستقلة.

ولما دخل ياسر إلى الجامع، التقطت عيناه مشهدًا مرتبًا بعناية: حوالي 400 مقاتل من مقاتلي داعش محتشدون بالداخل، بالإضافة إلى المشاهدين الفضوليين مثله. ارتقى البغدادي سلالم المنبر، ثم بدأ في إلقاء الخطبة. قال ياسر: «قال لنا: ليس لكم حياة هاهنا. الحكومة تضطهدكم. نحن سوف نحرركم».

رد كثير من المحتشدين في الجامع بحماس على دعوة البغدادي القوية للجهاد. وتردد صدى الرسالة في الموصل كلها. قال أبو ياسر: «شعرنا شعورًا رائعًا عندما جاءوا أول الأمر. رحب الناس بداعش لأنهم عانوا كثيرًا عندما كان الجيش هنا».

وقال التقرير إنَّ الموصل كانت قد أصبحت بؤرة للتمرد في العقد الذي تلى الغزو الأمريكي للعراق. وأصبحت الاحتجازات العشوائية، والمضايقات، وابتزاز المواطنين من قبل قوات الامن العراقية الريابة والمؤذية أمرًا روتينيًا. وكان ابن عم ياسر ذو الـ14 عامًا، قد اعتقل بينما كان جالسًا على مقهى لا يفعل شيئًا غير تدخين الشيشة، وأُلقي به في زنزانة سجن لـ8 شهور.

ولكنَّ ياسر يقول إنه شعر بالاستياء العميق حال استماعه للبغدادي، ذلك أنَّ «الخليفة» ذاتي التعيين لم يكتف بنعت الجيش والشرطة بالسوء، وإنما قال إنهم كفار يستحقون الموت. قال ياسر: «مكثت عشر دقائق ثم غادرت. لم أتحمل. تظاهرت بفقدان الوعي».

ومهما كان سوء الجيش، فسوف تكون السنوات الثلاث التالية تحت حكم داعش أسوأ بما لا يمكن تخيله. لكن حتى في ذلك الوقت، كانت ثمة علامات على أنَّ الحياة تحت حكم داعش لن تكون سهلة. إذ بدأ الجهاديون بإزالة أبراج الهواتف النقالة وأطباق الدش، فمنعوا بذلك الاتصال بالعالم الخارجي.

ولما أصبحت المدينة معزولة، توقف معظم الناس عن العمل. فبينما ظلت مؤسسات مدنية مثل جمع القمامة والرعاية الصحية تعمل، توقف الراتب الحكومي لسمير، الذي كان يعمل مشرفًا للسكن الطلابي في الجامعة. وبدأت الشرطة الدينية في فرض الزي الإسلامي وحظرت التدخين، وأزالت الصور التي تحمل الشكل الإنساني. وقال سمير: «بدأ الناس يفهمون داعش على حقيقتها» وقال إنَّ فترة شهر العسل استمرت أقل من ستة أشهر.

بحلول ذلك الوقت، كان الأوان قد فات. فبعد عام من استيلاء داعش على الموصل، بدأت الحملة الجوية للتحالف في القصف الجوي لأهداف داخل المدينة بالجملة. وأصبحت الكهرباء والخدمات الأخرى غير منتظمة وكان المدنيون يُعدمون على يد داعش لارتكابهم مخالفات بسيطة مثل حيازة خط تليفون محمول، وكانوا يقتلون خطأً في الضربات الجوية.

ولما تصاعدت الحملة الجوية في أوائل عام 2016، قرر سمير أن ينقل أسرته من شرق الموصل إلى غربها. وقال: «عندما فجر التحالف الجامعة، فقتل ما لا يقل عن 300 شخص. ظننا أننا سوف نكون آمنين في المدينة القديمة». لكنَّ العائلة أصبحت محاضرة في غرب الموصل، غير قادرة على عبور نهر دجلة إلى الشرق مرة أخرى.

ولما تقدمت قوات الأمن العراقية ناحية الموصل في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدأ مقاتلو داعش في التجهيز لمعركتهم الأخيرة من من البيوت المكتظة بإحكام والأزقة الضيقة للمدينة القديمة. وقال سمير إنَّ داعش لم تسمح لهم بالمغادرة.

وبدأ حصار المدينة القديمة لما حررت قوات الأمن العراقية بعض الأحياء غربَ الموصل، وتناقصت المؤن. وحينما قتل أخوي ياسر بقذيفة هاون، دفنهما ياسر وأبوه في حفرة في حديقة المنزل الذي كانا يقيمان فيه. لم يكن ثمة وقت ولا مساحة كافيين لحفر قبرين. ولما اقترب القتال، انتقلت العائلة مرة أخرى.

اقرأ أيضًا: الصورة شبه الكاملة لحصيلة 5 أشهر من معركة استعادة الموصل

بعد هذا ببضعة أيام دُمر البيت الذي دفن فيه الأخوان، غالبًا بقذيفة جوية أو نيران غير مباشرة من القوات العراقية.وقال سمير: «كثيرًا ما تمنيت لو كنا قد متنا جميعًا، وإلا فالأمر كان يشبه الموت طول الوقت».

وأخيرًا فرت العائلة كلها في صباح أحد الأيام. وقال سمير: «بحلول الوقت الذي خرجوا فيه من المدينة القديمة، كنت هزيلاً إلى الحد الذي شعرت معه كما لو كانت عيوني على وشك أن تسقطا من محجريهما. لم نكن قد أكلنا منذ أيام. لم يكن لدينا مياه. حين تكون في مثل هذه الحالة تعتبر نفسك ميتًا».

ورأت العائلة، حال خروجها من بين الأنقاض، المسجد النوري وقد تدمر. ففي أواخر شهر يونيو (حزيران)، اقتربت القوات الخاصة العراقية بمقدار 50 ياردة من الجامع، ففخخ مقاتلو داعش هيكل المبنى لحرمان الحكومة العراقية من نصر دعائي قوي. وقال ياسر: «كان الكثير من الناس يأملون في أنَّ الجامع والمنارة سوف يبقيان. كانت هذه آخر قطعة من الموصل، آخر قطعة من تراثه».

بالنسبة لوالد ياسر، فقد كان لرؤية الجامع المدمر نفس وقع موت أبنائه. قال: «عندما سرنا بين أطلال الجامع، حتى بعد كل هذه المأساة التي مررنا بها، أثر فيّ المشهد. لقد ذهبت الموصل عندما خسرنا المنارة».

وقريبًا سوف تبدأ العائلة إعادة بناء حياتها، آملين أنَّ قوات الأمن سوف تعيد بناء علاقتهم بالمدينة. قال سمير: «لا يشعر أحد الآن بالحنق تجاه الجيش. لقد فقدت اثنين من أبنائي، وهذا الأمر لم يحدث لي وحدي. لكن أحيانًا ينبغي لك التضحية من أجل المصلحة العامة». أما إلى أي مدى سوف ستمر هذه النوايا الطيبة فهو أمر «يتوقف على الجيش وإذا ما كانوا سوف يعودون لإيذاء الناس»، حسبما قال ياسر.

لكن يقول التقرير إنَّ ثمة مؤشرات مقلقة بالفعل. فعندما أتمت قوات الأمن العراقية تحرير المدينة القديمة، تعاملت مع كل الرجال في سن القتال تقريبًا كما لو كانوا متهمين محتملين. وانتشرت سلسلة من الفيديوهات المزعجة، في ظل قيود على السماح لوسائل الإعلام الأجنبية بتغطية الأيام الأخيرة من القتال، تظهر من يشتبه انتماؤهم لداعش وهم يُضربون ويُعدمون على يد أعضاء من القوات الأمنية. وتظهر صور أخرى نشرت على الإنترنت مئات من الرجال المهزولين محتشدين في مراكز اعتقال مزدحمة.

وبينما كان سمير يتكلم، ذهب ياسر للبحث عن صور لإخوته، وهي صلاتهم الملموسة الوحيدة بالماضي، والممتلكات الوحيدة التي تبقت لهم من منه. عاد ياسر بصورتين تظهران أخويه، وكلاهما في أوائل العشرينيات من عمريهما. جلس وقلب كوبًا من الشاي على شكل زهرة اللوتس ثم قال: «لم أذهب قط للمسجد النوري بعد خطبة البغدادي هذه. توقف كثير من الناس أيضًا عن الذهاب إليه».

لكن قبل أن تكمل العائلة حياتها، سوف يتعين عليهم أن يعودوا مرة أخرى. قبر محمد وأحمد قريب، وتريد العائلة أن تدفنهما دفنًا لائقًا. وقال سمير: «أريد دفن ولديّ في الشرق. إنني لم أحزن عليهما حتى الآن».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد