أعدَّ جاريل ديلارد، مراسل الشؤون الاقتصادية في وكالة بلومبرج الاقتصادية، تقريرًا نشرته الوكالة الأمريكية حول تداعيات جائحة فيروس كورونا الاقتصادية على فقراء أمريكا؛ موضحًا أنه مع انتهاء إعانات البطالة والحزم التحفيزية الاقتصادية، قد يسقط كثير من الأمريكيين، الذين تأثروا بالإغلاق العام للبلاد وخسارة وظائفهم بسبب الجائحة في براثن الفقر.

شريان حياة

وفي بداية التقرير يرجح المراسل أن تفشي جائحة فيروس كورونا المتصاعد قد يؤدي إلى محو مكاسب مكافحة الفقر التي تحققت على مدى عقود في أمريكا، إذ إن مساعدات الحكومة الأمريكية للفئات الضعيفة في طريقها إلى النفاد. وخلال الأشهر الأولى من الأزمة ساعد قانون الرعاية الفيدرالي، الذي أضاف 600 دولار في الأسبوع إلى إعانات البطالة، وقدَّم شيكات تحفيز بمبلغ ألف و200 دولار على الحيلولة دون تفاقم الفقر تفاقمًا كبيرًا. لكن شريان الحياة هذا بالنسبة لأصحاب الدخل المنخفض سينقطع.

ومن المقرر أن تنتهي استحقاقات البطالة لملايين العمال في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، وتتعثر المحادثات حول حزمة تحفيزية جديدة، في الوقت الذي أعادت فيه بعض الولايات فرض قيود إغلاق تُعد ساحقة للوظائف سعيًّا لوقف الزيادة في حالات الإصابة بالفيروس.

معدل البطالة يظل أعلى من معدلات ما قبل الجائحة 
المصدر: وزارة العمل

التعافي من الجائحة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة

يشير التقرير إلى أن الإبقاء على تدفق المساعدة الحكومية للعائلات الفقيرة سيكون أمرًا بالغ الأهمية لضمان ألا يؤدي التعافي من الجائحة إلى تفاقم عدم المساواة، وفقًا لجيمس سوليفان، أستاذ الاقتصاد في جامعة نوتردام بولاية إنديانا.

وقد وصف الاقتصاديون هذا بأنه «انتعاش على شكل حرف K»، (بمعنى تراجع بعض القطاعات تراجعًا حادًّا بينما تزدهر قطاعات أخرى)، حيث يشهد الأمريكيون الأثرياء انتعاشًا سريعًا في الوظائف والاستثمارات، في حين يتخلف أصحاب الدخل المنخفض كثيرًا عن اللحاق برَكْبِهم.

يقول سوليفان: «من المحتمل أن تسفر الجائحة عن حاجة عديد من العمال العاطلين إلى الاستثمار في نوعٍ ما من إعادة التدريب من أجل الحصول على عمل مستقر. وأولئك الذين لا يستطيعون القيام بذلك سيكونون على الأرجح أكثر عرضة للاعتماد على شبكة الأمان الحكومية وسيواجهون مخاطر أكبر من الفقر بين الأجيال».

ويعتمد تعريف الحكومة الأمريكية للفقر على تركيبة كل أسرة ويُعدَّل هذا التعريف كل عام.

34 مليون أمريكي يعيشون في فقر

ولفت التقرير إلى أنه في عام 2019، كانت العائلة المكونة من أربعة أفراد والتي يبلغ دخلها حوالي 26 ألف دولار سنويًّا تُعد تحت خط الفقر. وقبل اندلاع الجائحة، كان هناك 34 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر، أو 10.5٪ من السكان، وهو أدنى معدل في بيانات التعداد منذ ستة عقود. وتظهر تقديرات حديثة أعدَّها سوليفان وبروس ماير، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، أن معدل الفقر انخفض بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) نتيجةً لقانون الرعاية، ثم ارتفع مرةً أخرى مع بدء نفاد المساعدات الحكومية وانتهاء تاريخها.

وتقدِّر الدراسة أن معدل الفقر ارتفع من 9.4٪ في أبريل إلى 11.4٪ في أكتوبر (تشرين الأول)، مع سقوط ما يقرب من 7 ملايين شخص في هوة الفقر منذ مايو (أيار). وكانت الزيادة أكثر وضوحًا بين السود، الذين ارتفع بينهم المعدل بمقدار 7.3 نقطة مئوية من مايو إلى أكتوبر.

Embed from Getty Images

وبينما يستمر الانتعاش الاقتصادي للبلاد، تنتعش بعض قطاعات الاقتصاد من الركود بوتيرة أسرع من غيرها. ووصل معدل البطالة في قطاع الصناعات التحويلية، حيث يبلغ متوسط ​​الأجور 28.81 دولارًا في الساعة، إلى 5.2٪ في أكتوبر. أما قطاع الترفيه والضيافة، حيث يكسب العمال 17.10 دولارًا في الساعة، فكان معدل البطالة فيه 16.3٪.

البالغون أصحاب الدخول المنخفضة الأكثر تضررًا

وأضاف التقرير أن دراسةً أجراها مركز بيو للأبحاث أظهرت أن البالغين من ذوي الدخل المنخفض هم الأكثر تضررًا من فقدان الوظائف وخفض الرواتب بسبب فيروس كورونا. ومن بين البالغين ذوي الدخل المنخفض، قال 47٪ إنهم أو أحد أفراد أسرتهم إما فقدوا وظيفتهم أو تخفَّضت رواتبهم. وهذا بالموازنة مع 42٪ من متوسطي الدخل و32٪ من البالغين ذوي الدخل المرتفع الذين شاركوا في الاستطلاع الذي أُجرِي بين 4 إلى 10 يونيو.

يقول جريجوري داكو، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة «أكسفورد إيكونوميكس»: إن توجيه أموال التحفيز نحو الصناعات الأكثر تضررًا وعمَّالها الذين يواجهون صعوبة في العثور على وظائف في أماكن أخرى من شأنه أن يؤدي إلى انتعاش أكثر ديمومة.

وأضاف داكو: «نظرًا لأن الأسر ذات الدخل المنخفض عادةً ما يكون لديها ميل هامشي أكبر بكثير لإنفاق كل دولار إضافي من الدخل الذي تتلقاه، فإن التعزيز الاقتصادي الشامل للحوافز المقررة لتلك الأسر يُعد أكبر من الحزم التحفيزية للأسر ذات الدخل المرتفع».

كفاح يومي

ويروي التقرير قصة صوفيا رييس التي تُعد مثالًا على كفاح عديد من الأمريكيين. وكانت صوفيا تعمل في وظائف مؤقتة قبل تفشي الجائحة، ولكن بعد أن أنجبت طفلًا في مارس (أذار)، لم تستطع حتى الحصول على تلك الوظائف. تقول الأم المعيلة البالغة من العمر 30 عامًا، والتي تعيش في بوي بولاية ماريلاند، إنها توقفت عن تلقي إعانات فيروس كورونا في أغسطس (آب)، وتستخدم الآن بطاقات الائتمان الخاصة بها بانتظام لتغطية النفقات اليومية.

أبحاث ودراسات

منذ 7 شهور
«الإندبندنت»: كم سيبلُغ عدد الفقراء في العالم بسبب كورونا؟

وأضافت صوفيا: «لا يمكنني الحصول على أشياء بسيطة مثل ورق التواليت وحفاضات الأطفال وحتى منتجات التنظيف والتعقيم بسهولة، لأنني لا أملك المال اللازم لذلك. أنا الآن أبدو كما لو كنت معلقة في الهواء». وقد أُجبِرت صوفيا على الانتقال للعيش مع والديها عندما لم تستطع الاستمرار في دفع إيجار المنزل الذي تسكن فيه. وأطلقت صفحة على موقع التبرعات الخيرية «GoFundMe» بهدف جمع 11 ألف دولار للمساعدة في نفقاتها.

ومن المقرر أن تنتهي البرامج المتبقية التي حددها قانون الرعاية في ديسمبر، بما في ذلك إعانات البطالة الممتدة. وبالإضافة إلى ذلك سيكون من اللازم سداد مدفوعات قروض الطلاب التي أوقفها الرئيس دونالد ترامب حتى نهاية العام بأمر تنفيذي في يناير (كانون الثاني)، في حين أن وقف عمليات الإخلاء السكني على مستوى البلاد ينتهي في 31 ديسمبر.

ويختتم المراسل تقريره بقول داكو: إن «أية حزمة تحفيزية جديدة ستحتاج إلى مجموعة من جميع الإجراءات التي وُضِعت بالفعل، وربما بعض الإجراءات الجديدة التي تساعد في ضمان وضعٍ مريحٍ لكثير من هذه الأسر ذات الدخل المنخفض».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد