نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا يسلط الضوء على عودة مسلسل Game of Thrones (صراع العروش) -أضخم مسلسل تلفزيوني في العالم- هذا الشهر بالموسم الثامن والأخير ليكون مليئًا بالإثارة والتشويق.

ومنذ بث الموسم السابق من المسلسل، شارك المتابعون ميمات الإنترنت وطُرِحت النظريات للمناقشة ووضِعت الرهانات، وصُمِمت ملابس تنكرية مشابهة لأزياء شخصيات المسلسل. لكن ما زال هناك جانب واحد لم يحظ بعد باهتمام كافٍ: صراع العروش مسلسل رائع، لكن هل هو عنصري؟ حسبما تساءلت الصحيفة.

50 حكمة تُعلمك الحياة من مسلسل صراع العروش

تقول الصحيفة إنه كان من المفترض أن يكون هذا واضحًا منذ بث أول حلقة من المسلسل عام 2011. إذ كان من الواضح أن كاتبي المسلسل ديفيد بينيوف ودي بي وايس تصورا العالم الذي تدور فيه أحداث مسلسلهما عالمًا أبيض.

تدور غالبية الأحداث في قارة ويستروس -في إشارة من كاتب الرواية الأمريكي جورج آر آر مارتن إلى بريطانيا والغرب في العصور الوسطى- حيث دخلت عائلة لانيستر ذات الشعر الأشقر والبشرة الفاتحة في صراع طويل الأمد على السلطة مع عائلة ستارك ذات الشعر الداكن والبشرة الفاتحة أيضًا.

لم يغب الأشخاص ذوو البشرة الداكنة عن صراع العروش Game of Thrones ، لكنهم حُصِروا في أدوار مهمشة. ففي الشرق، أي قارة إيسوس، صُوِّر شعب الدوثراكي كقبيلة بدوية عنيفة وهمجية، حتى جاءت الأميرة دينيريس تارجيريان لتنشر التحضر بينهم جميعًا.

وأضاف التقرير أنه بحلول الموسم الخامس، حصلت دينيريس لنفسها على صديقة ذات بشرة داكنة (الأمَة السابقة ميساندي، التي لعبت دورها الممثلة البريطانية ناتالي إيمانويل)، وذهبت (دينيريس) في مهمة لغزو وتحرير خليج العبيد، حيث مدحها العبيد المحررون واصفين إياها بالأم.

وتعرفنا أيضًا في أحداث مسلسل صراع العروش Game of Thrones على قبيلة الدورنيش، وهي مجموعة عرقية داكنة البشرة أخرى من أرضٍ بعيدةٍ تُعرف بسلوكها العدواني والجنسي المفرط، ولست بحاجة إلى أن تكون طالبًا مخلصًا للمستشرق الفلسطيني الأمريكي الراحل إدوارد سعيد لملاحظة ملامح الاستشراق في هذه الحبكة الدرامية.

وكما قال الدكتور ديفيد ويرينج، خبير العلاقات الدولية وأحد متابعي المسلسل: «تنتهي إحدى حلقات المسلسل (في الموسم الثالث) بحمل دينيريس ذات البشرة الفاتحة والشعر الأشقر عاليًا وسط تهليل حشد كبير من الأشخاص المجهولين ذوي البشرة الداكنة، في ما يبدو أنها رسالة بين السطور».

وفي عام 2017، أصبح كل هذا محل نقاش رسمي عندما أعلن كاتبا المسلسل بينيوف ووايس أن مشروعهما التالي سيحمل اسم Confederate، وهو مسلسل درامي تاريخي يتناول انتصار الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية واستمرار العبودية.

وقوبل هذا الإعلان بغضب على الشبكات الاجتماعية من النشطاء، بمن فيهم أبريل رين التي أطلقت وسم OscarsSoWhite# -في إشارة إلى سيطرة الممثلين البيض على جوائز الأوسكار- والكاتبين الأمريكيين تانهيسي كوتش وروكسان جاي، التي وصفت العمل بأنه «خيال مؤيد للعبودية»؛ ليجري تأجيل المشروع إلى أجل غير مسمى.

وترى الصحيفة أنه كان من الممكن ألا يكون رد الفعل عنيفًا للغاية إذا لم يكن مسلسل صراع العروش بالفعل يعاني مشكلة في التنوع. قبل ذلك بأسابيع قليلة، تطرق الممثل الإنجليزي جون بويجا، الذي شارك في فيلم Star Wars (حرب النجوم) ولديه بعض التجارب الشخصية مع العنصرية المرتبطة بالمتابعين، إلى هذه القضية خلال مقابلة مع مجلة جي كيو الأمريكية.

وقال بويجا: «ليس هناك ممثلون ذوو بشرة داكنة في مسلسل صراع العروش. لا أدفع المال لرؤية نوع واحد من البشر على الشاشة دائمًا؛ لأنك ترى أشخاصًا مختلفين من خلفيات مختلفة وثقافات مختلفة يوميًا. حتى لو كنت عنصريًا، عليك أن تتعايش مع هذا الوضع».

أرادت الصحيفة أن تكون منصفة في تناولها للأمر، إذ لفتت إلى أن المسلسل يضم ممثلين أو ثلاثة من ذوي البشرة الداكنة في أدوار متكلمة، لكن ادعاءات بويجا أثارت الأزمة دون التحقق من صحتها. إذ أوضحت إحدى المقالات التي نُشرت في مجلة فوربس الأمريكية أنه على الرغم من أهمية التنوع، فإن انتقاد مسلسل قائم بشكل كامل على التاريخ والأساطير البريطانية له نتائج عكسية تمامًا، وخاصةً على حساب القصة في نهاية المطاف.

كانت ردود الفعل غير مؤثرة وأرجع متابعو المسلسل الأمر إلى الالتزام بدقة المعلومات التاريخية وأن ظهور ممثلين ذوي بشرة داكنة سيؤدي إلى عدم اقتناع المتابعين بالقصة. لكن هل ظهور الزومبي والتنانين الجليدية قابل للتصديق وظهور شخصيات غير بيضاء أمر غير منطقي؟

ورغم أن متابعي المسلسل الذين يملكون معرفة ضعيفة بتاريخ أوروبا في العصور الوسطى يدعون عكس ذلك، فإن المسلسل خيالي وليس تاريخي. ويقتصر العالم الذي تدور فيه أحداثه على تصورات مؤلفيه وربما مشاهديه. لكن هذا لا يعني أنه لا يستند إلى التقاليد التاريخية.

وقالت إبوني إليزابيث توماس، الأستاذة المشاركة في جامعة بنسلفانيا ومؤلفة كتاب The Dark Fantastic: Race and the Imagination from Harry Potter to the Hunger Games: «كان الكاتبان الإنجليزيان جون تولكين وكليف ستيبلز لويس اثنين من أكبر المؤثرين في أدب الخيال الإنجليزي في العصر الحديث. ووُلد كلاهما عندما كانت الإمبراطورية البريطانية في أوج قوتها، وتأثرت خيالاتهم وتصوراتهم وفقًا لذلك. كانت العنصرية جزءًا من الروايات لأنها كانت متأصلة في العالم الذي ظهرت فيه؛ فالخيال الفكري يتناول دائمًا الاهتمامات المعاصرة في أي مجتمع».

وبما أن اهتمامات مجتمعنا المعاصرة تشمل التنوع وتمثيل فئات المجتمع المختلفة، فمن المنطقي أن يتحرك مسلسل صراع العروش في هذا الاتجاه تدريجيًا. إذ تشمل قائمة الممثلين في الجزء المقبل من المسلسل الذي تنتجه شبكة «إتش بي أو» الأمريكية ثلاثة ممثلين بريطانيين من ذوي البشرة الداكنة (ناعومي آكي وشيلا أتيم وإيفانو جيرمايا).

ويستشهد البعض برحلة دينيريس للبحث عن الروح في الموسم السادس كدليل على اتجاه كاتبي مسلسل صراع العروش Game of Thrones إلى نقاش أوسع. لكن ويرينج غير مقتنع بذلك، إذ أوضح قائلاً: «غالبًا ما يكون الأمر أكثر من مجرد انتقاد البكاء في أثناء التصوير، إذ تكون الانتقادات سطحية وتترك العديد من الافتراضات الأعمق دون المساس بها».

ماذا لو أردنا التطرق إلى هذه الافتراضات العميقة؟ هل هو ممكن أصلاً؟ ترى إبوني إليزابيث أن ما تُطلق عليه «مشروع تحرير الشخصيات داكنة البشرة في أدب الخيال» هو أكبر تحدٍ في الفئة المفضلة لها من الروايات.

وقالت إبوني إليزابيث: «تُولد القصص الخيالية من أعماق خيال أي كاتب مبدع … إنه أمر سريع التأثر بالانتقادات وبالتالي يحمي كتاب أدب الخيال إبداعاتهم. هذا أمر مفهوم، لكن خلق أساطيرك الخاصة شيء يتطلب الكثير من التفكير، وقد لا ترى كل شيء بعد».

هناك سبب يجعل خلفاء جورج آر آر مارتن في أدب الخيال (مثل كيرا دريك ولوري فورست وكوسوكو جاكسون) عرضة لردود فعل عنيفة على الإنترنت مؤخرًا من قرائهم الأوائل بسبب المجازات العنصرية في أعمالهم. وتابعت إبوني إليزابيث قائلةً: «قد تكون نياتنا سليمة، لكننا إذا لم نفكر بعمق في العوالم الخيالية التي نصورها، فإننا سنقع في فخ استنساخ العالم الذي نعرفه في قصصنا».

ربما لا نريد فصل مسلسل Game of Thrones صراع العروش تمامًا عن واقعنا الفوضوي ما بعد الاستعمار، حتى لو كان هذا ممكنًا. إذ قال مايكل هاريوت، الكاتب في مجلة The Root الإلكترونية المهتمة بالشأن الأفريقي ومقدم برنامج Dem Thrones على يوتيوب: «الأمر الجيد في المسلسل هو أنه يعكس العالم الواقعي. إذ تُعد دينيريس تجسيدًا لتميز العرق الأبيض. إنها على بُعد مسافة قصيرة للغاية من أن تصبح المرأة الأقوى في العالم لمجرد أن أحد الأشخاص منحها بعض التنانين عند ولادتها. وبصفتي شخص داكن البشرة، إذا كان هذا الأمر يزعجني، فيجب أن أنزعج أيضًا من كل مسلسل دقيق تاريخيًا عن السياسة والحرب والمجتمع والثقافة».

وامتد حب هاريوت للمسلسل لما هو أبعد من ذلك، إذ يرى أنه يتطابق تمامًا مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية البيضاء عام 2016، إذ أن دينيريس هي هيلاري كلينتون، وعائلة لانيستر هي عائلة ترامب، والتنانين تمثل تميز العرق الأبيض، بينما يُعد السائرون البيض هم اليمين المتطرف.

وأضاف هاريوت: «أنا لست من مؤيدي الاستعمار والإمبريالية، لكن لا بد أن أعترف بأنها قصص مسلية. بالطريقة ذاتها أنا لا أريد أن أُطعن لكنني ما زلت أستمتع بمشاهدة فيلم يحتوي على قتال مثير بالسيوف».

وفي حين يقر هاريوت بأن ظهور المزيد من الممثلين ذوي البشرة الداكنة سيكون أمرًا جيدًا، فإنه ما زال يشعر بأن هناك تمثيلاً لهذه الفئات في بعض النواحي. وأوضح هاريوت قائلاً: «أشير إلى عائلة ستارك بـ(أبناء العم). إذ يرتدي جون سنو قبعات أو معاطف لطيفة شبيهة لما نرتديه ويرغب دائمًا في التظاهر».

وأضاف: «وأشعر أن أغنيته الرئيسية مثل موسيقى الهيب هوب التي تعبر عنّا، وأنه في نهاية المطاف سيفتح محل حلاقة في الجانب الغربي من ويستروس ويعيش بقية حياته في سلام. لكن الأهم من ذلك كله، أنا أحبه لأنه مهما كان ما تهدده به، فإنه يرفض الاستسلام».

«واشنطن بوست»: 6 سقطات في مسلسل صراع العروش.. خطة خطف «وايت ووكر» لم تكن الوحيدة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد