قد لا يكون شراء نينتندو سويتش أول فكرة تخطر على البال عند محاولة إصلاح علاقة زوجية تتعثر، لكن هذا ما فعلته الصحافية إيمي هاريسون ويست لتنقذ زواجها من المصاعب التي طرحتها جائحة كورونا وفترات الإغلاق الطويلة. تحدثت الصحافية عن تجربتها بالتفصيل في تقريرها المنشور في مجلة «وايرد» الأمريكية، وكيف يمكن للعب المشترك أن يقوِّي العلاقات على عكس كل ما يشاع عنه.

الألعاب الإلكترونية مقابل الحميمية

لا ترتبط فكرة ألعاب الفيديو عادةً بالمفاهيم الإيجابية في سياق الحديث عن العلاقات الزوجية، وتعجُّ الثقافة المعاصرة والكتب والأفلام بالقصص والرسومات الكوميدية التي تُظهر زوجة ساخطة أو مُرهقة وقربها زوجها أو شريكها الذي تخلّى عنها أمام أحدث لعبة فيديو نزلت إلى السوق.

علوم

منذ 8 شهور
علميًّا.. لماذا تبدأ العلاقات العاطفية في الشتاء وتنتهي في الصيف؟

وتذكر الكاتبة هذا السيناريو المتخيل المتكرر: تدخلُ الزوجة إلى الغرفة التي يقضي بها الزوج ساعات في اللعب، وتكون هذه الغرفة مشابهة للوكر بعتمِها وبرودتها، ترتدي الزوجة ثيابًا داخلية خاصة لهذه المناسبة سعيًا منها لإغواء الزوج المنشغل بالتركيز في اللعب، لكن هذا السيناريو لا ينتهي إلى أيِّ نهاية جيدة مع تعلق الزوج باللعبة هذه أو تلك.

تقول الكاتبة إن هذا الحال لا يطابق تجربتها الخاصة مع زوجها جيثرو البالغ 27 عامًا، فقد تسببت ألعاب الفيديو بتقوية علاقتهما الزوجية، وزادت من قربهما بطريقةٍ لا نظير لها.

تستذكر الكاتبة بداية الأمر فتقول: لم يكن قد مر عام على زواجي من جيثرو حين تسببت جائحة كوفيد-19 بإغلاق العالم، أمضينا أول ذكرى لزواجنا في شقتنا الصغيرة في لندن نرثي حظنا. جربنا كل شيء ممكن: الركض، كتب الطبخ، ترتيب الديكور، العناية بمجموعة أسطواتنا الموسيقية، والكثير من القهوة. ليست هذه الحياة المعتادة للمتزوجين حديثًا.

لم نجرب ألعاب الفيديو سوية من قبل، يميل جيثر نحو ألعاب المغامرات الصعبة المعقدة، ويحب ما يدخل به المنطق أو القتال والأسلحة الضخمة، بينما كنت أحبّ أنا الألعاب ذات الألوان الساطعة والثيمات المتمحورة حول فعل الخير والصداقة. وأقرب تجربة لي من ألعاب القتال كانت مع لعبة Fallout 3، وحتى في هذه اللعبة ركضت فارّةً من شخصيات الكلاب المسعورة.

Embed from Getty Images

وتستكمل الكاتبة شرحها لاختلافاتها المتعددة مع زوجها: أنا وزوجي نحب أشياء مختلفة ولدينا صفات شخصية مختلفة للغاية، ولذا لم يكن اللعب سوية مقترحًا أبدًا. جيثرو رجل أرقام، هادئ وظريف ويعتمد على المنطق والحسابات جدًا، وأنا كاتبة ذات شخصية إبداعية ومفرطة الحساسية بذاكرة سيئة وعدم اعتمادٍ على المنطق. نحن على طرفي نقيض في كل ما يتعلق بالحياة والألعاب، ولذا كان يلعب كل منا بصورة منفصلة تمامًا، وكان اللعب بالنسبة لنا شيء خاص وفردي وغير قابل للمشاركة.

تبين لاحقًا أنا لم نكن الوحيدين، تتحدث العديد من الدراسات المنشورة على مدار السنين عن التأثير السيء للألعاب في الزواج. وتذكر الكاتبة ما اقترحه موقع «ديفورس أونلاين» عام 2018 عن ارتفاع نسبة الطلاق المتزايد بين لاعبي لعبة «فورتنايت»، وتورد 5% من أوراق الطلاق في ذلك العام ادَّعاء يفيد بدورِ اللعبة تلك في إنهاء العلاقة الزوجية.

وفي دراسةٍ نشرت عام 2012 في دوريّة «Journal of Leisure Research» وجد الباحثون أن 75% من أزواج اللاعبين (وغالبًا ما يكون هؤلاء اللاعبين ذكورًا) يتمنون أن يضع شركائهم جهدًا أكبر للاهتمام بعلاقاتهم الزوجية، قائلين بأن تلك الألعاب أدّت لنشوء حالة من عدم الرضا والخلافات العامة في العلاقة؛ لأنها سلبت منهم الحميمية ووقت العائلة.

بالرغم من ذلك، أظهرت الدراسة نفسها أن 76% من الأزواج الذين تشاركوا اللعب اعتبروا وقت اللعب أمرًا جيدًا لزواجاتهم، وأنهم تمتعوا برضا أكبر عن علاقاتهم لشعورهم بأنهم في الفريق نفسه، وبالتالي فللعب المشترك فوائده العجيبة.

تطبيق التجربة

تستذكر الكاتبة كيف كانت متشكّكة في البداية تجاه الأمر: لم أكن واثقة من فكرة اتباع الآخرين وشراء نينتندو سويتش خلال فترات الإغلاق العام الماضي، أصابتني الفكرة بالتوتر، وكنت أتخيل نفسي مستيقظةً طوال الليل ألعب «أنيمل كروسينج» في الوقت الذي ينام زوجي  وحيدًا على فراشنا، والعكس صحيح. راودتني الهواجس من أن نتشاجر على الأدوار في اللعب، أو من بأن يتطور الأمر لأجد نفسي آكل وحيدةً فيما أسمع صوت زوجي يتفاعل بشدة مع لعبة قتالية ما.

Embed from Getty Images

وتشرح الكاتبة أن الأمر كان مزعجًا بالفعل في البداية: وجدتُ نفسي أشاهده لساعات وهو يحاول الوصول لرقم محدد من العملات بلعبة «آيل أوف آرمور» شعرتُ بالغضب يتنامى في صدري وصبري ينفد وأنا أشاهد كيف تحوّل أمر من المفترض أنه مسلٍّ إلى شيءٍ يُباعد بيننا ويعزلنا أكثر فأكثر ضمن العلاقة الزوجية، ولم أكن أملك بين يدي إلا التعليقات السلبية عن تقنيات لعبه وطرقه لأني كنتُ خارج الأمر ببساطة.

لكن الكاتبة تقول إن ذلك تغير كله عند شرائهما للعبة «ذا ليجند أوف زيلدا: بريث أوف ذا وايلد»: كانت اللعبة هي نقطة التغيير، وأنا أؤمن بشدة بأثر هذه اللعبة الذي لا يستهان به ضمن عالم الألعاب، فهي تحفة رائعة ورائدة في المجال. شعرتُ بالتوتر حين اشترينا اللعبة، ولا سيما مع ما يُروج عنها بكونها لعبة تعتمد على فكرة اللعب المفتوح إلى ما لانهاية من العقبات والمهام المستمرة.

كان هناك سلسلة من المهام المتوقع إنجازها داخل اللعبة، بما في ذلك المهمات القتالية والأحجيات الرقمية والمنطقية، وظننتُ أنه لن يكون لدي شيء لأساهم به بصفتي صاحبة الشخصية الأميل للإبداع الحر، ولكن انتهى بنا الأمر للعمل سوية: فريقًت.

صرتُ أكتشف أجزاء من الأحاجي بزاويتي الإبداعية التي يغفلها زوجي عادة، وأقدِّم له النصح وحلول مختلفة للمشكلات طوال وقت لعبنا، وصار زوجي بالمقابل يشعر بالامتنان والاحترام تجاهي بطريقة جديدة كليًّا، بطريقة من لديه شخص يساعده في فريقه وليس عدوًا له أو خصمًا.

قضينا ليالي الإغلاق ليلةً وراء ليلة ننظر إلى بعض ونقول بصوت واحد: زيلدا، بات الأمر مشابهًا لليالي المواعدة التي لا يهمّ بها أحدٌ سوانا. أعطتنا تجربة اللعب ضمن فريق واحد نوعًا جديدًا من التعاون، نوع من الاعتمادية المشتركة المثمرة، كما قاربنا من بعض جسديًّا، فقد كنا نجلس سوية على الأريكة، أعطيه أنا القبلات الجزلة وأضرب كفي بكفه عندما ينجح بفعل شيءٍ ما داخل اللعبة، فيما يشعُّ هو بشعور الفخر والتباهي عندما يراني أحقق شيئًا ما بدوري.

Embed from Getty Images

تقول الكاتبة إنها صارت تتطلع لمشاركته الأريكة ودفء الغطاء الحميمي عند اللعب، حتى وإن كانت غير مشاركة في اللعب مباشرة أو انتظرت دورها للعب بلعبة «أنيمل كروسينج» لساعات طويلة، وأنها باتت تستمتع حتى بمجرد الجلوس بقربه في هذه الفترات وتقديم نصائحها المميزة أثناء مشاهدته وهو يلعب.

طبيعتنا البشرية تحبُّ اللعب

تقول الكاتبة إن اللعب ضمن فريق علَّمها كيف تصبر مع زوجها، وكيف تستمتع بصحبته وتعرف قيمتها عنده سواء بدورها كشريكة حياة أو شريكة لعب. زوجها بالمقابل تعلَّم قيمة استشارتها وسؤالها عند الحاجة للمساعدة، وصار يقدر مساهماتها وإضافاتها.

يساعد اللعب المشترك في تعلُّم الكثير مما يقوي العلاقات، وتحيل الكاتبة إلى نصيحة معالجة العلاقات الزوجية تشاريس كوك التي تؤكد إيجابية اللعب للأزواج: «نحن البشر تنافسيون بطبيعتنا. وقد يُنتج ترابطًا أكبر بخوض تجربة لعب يتنافس بها الأزواج ضد بعضهم، أو ينضمون إلى فريقٍ يتنافسون فيه ضد آخرين. الهرمونات التي تطلق في الدماغ وتُعطي الشعور الجيد أثناء اللعب هي في الحقيقة عبارة عن مكونات كيمائية توقظ الدوافع الأكثر بدائيةً فينا المتعلقة بالقرب والترابط والبهجة»، وتنصح الكاتبة الأزواج بتجربة اللعب المشترك؛ لأن العودة إلى وضعٍ يسود به اللعب والتنافسية والتباري قد يشعل أو يوقظ شرارة الحب والانجذاب بين الشركاء.

فنون

منذ 5 سنوات
10 حقائق مُثيرة عن صناعة ألعاب الفيديو

وتعتقد الكاتبة بصحّة كلام المعالجة، لأن تجربتها الشخصية تتسق مع هذا الرأي: لا بدَّ أن اللعب يثمر في حالتنا، لأني وجيثرو الآن قد نتخلى عن ليلة موعدنا الغرامية المعتادة في الخارج مقابل أن نبقى على الأريكة ونتشارك في لعبة من الألعاب متعددة اللاعبين، أو لننهي مهامًا سوية في لعبة ما، أو أيًّا من النشاطات المتعلقة التي صارت تقرِّبنا لبعض أكثر من أيِّ وقت مضى، وتُعلِّمنا عن بعضنا ما يجعلنا أقوى غدًا لتجاوز أي محنات أو عقبات قد ترميها الحياة بوجهنا مجددًا.

وتختتم الكاتبة بتعبيرها المطلق عن الامتنان لهذه التجربة: لم أكن أظنُّ أبدًا أني سأقول هذا في يوم من الأيام، لكني ممتنة للألعاب الإلكترونية التي جعلت زواجي أقوى وأكثر صلابة من أيّ وقت آخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد