نشر موقع «جلوبال ريسيرش» الكندي تقريرًا موجزًا أعده الكاتب مايك ويتني، تناول فيه تطورات الأوضاع في ليبيا، والصراع القائم بين تركيا ودول أخرى، والذي قد يتزايد بعد تحالف أنقرة مع الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا، لتدعم سيطرتها على منطقة شرق البحر المتوسط، مما أدى إلى تخوف إسرائيل، التي تسعى لتأمين مشروع أنابيب غاز شرق المتوسط، وهو ما يهدده النفوذ التركي في المنطقة.

استهل ويتني تقريره بالإشارة إلى أن التحالف غير المتوقع بين تركيا وليبيا يُعد زلزالًا جغرافيًا سياسيًا يغير توازن القوة في شرق المتوسط، وفي كل أنحاء الشرق الأوسط. وخطوة تركيا الجريئة أغضبت خصومها في المنطقة ومهَّدت الطريق أمام تصعيد بالغ في الحرب الأهلية الليبية التي استمرت تسع سنوات. وأجبرت أيضًا القادة في أوروبا وواشنطن على البت في كيفية مواجهة خطة تركيا للدفاع عن حكومة الوفاق الوطني المُعتَرف بها من الأمم المتحدة، ومد حدودها البحرية من أوروبا إلى أفريقيا، ما يخلق بالأساس «طريقًا ملاحيًّا عبر منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط الذي يربط سواحل تركيا وليبيا».

دولي

منذ 9 شهور
البُعد الغائب في الصراع على كعكة ليبيا.. النفط أهم من الأرواح

ويعتقد القادة في أنقرة أن الاتفاقية تُعد «انقلابًا رئيسيًا في جيوسياسات الطاقة» التي تساعد في الدفاع عن «حقوق تركيا السيادية ضد المتحكمين في الوضع الراهن الإقليمي». لكنَّ خصوم تركيا يعارضون ذلك بقوة. ويرون أن الاتفاق اغتصاب علني للسلطة يقوض قدرتهم على نقل الغاز الطبيعي من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا دون عبور المياه التركية.

يتابع الكاتب: على أي حال، الاتفاقية التركية الليبية هيأت الساحة لصراع أوسع نطاقًا ستشترك فيه حتمًا مصر وإسرائيل والإمارات والسعودية وأوروبا وروسيا والولايات المتحدة. ويبدو أن كافة الأطراف قد تخلت عن القنوات الدبلوماسية تمامًا، وتستعد، بدلًا عن ذلك، للحرب.

مذكرة تفاهم تركية ليبية ومخاوف إسرائيلية

وفي 27 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقَّعت تركيا وليبيا مذكرة تفاهم تُلزم تركيا بتقديم مساعدة عسكرية إلى حكومة الوفاق الوطني في ليبيا. كما تعيد مذكرة التفاهم رسم حدود تركيا البحرية، على نحوٍ يؤثر تأثيرًا كبيرًا على نقل الغاز من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا.

Embed from Getty Images

وتخشى إسرائيل بوجه خاص من أن يقوض هذا الاتفاق خططها لإنشاء خط أنابيب شرق المتوسط، يبلغ طوله 1900 كيلومتر ويربط حقل ليفياثان للغاز، قبالة ساحل إسرائيل، بالاتحاد الأوروبي. وصحيفة «يديعوت أحرونوت» لخصت مخاوف إسرائيل في مقال يحمل عنوانه نذر الشؤم: «مناورة تركيا يمكن أن تحول دون وصول إسرائيل إلى البحر».

وفيما يلي مقتطفات من المقال:

«حربان خاضتهما إسرائيل (حملة سيناء عام 1956 وحرب الأيام الستة عام 1967) نشبتا بسبب حقوق الملاحة. ويجب أن تحتاط إسرائيل من واقع جديد يستشري في البحر المتوسط. ويجب أن تنظر إلى تصرفات تركيا على أنها تهديد استراتيجي محدق وتنظر فيما ينبغي أن تفعله ردًا عليه…

هذا الترسيم للمناطق الاقتصادية الخالصة قسَّم منطقة شرق المتوسط الغنية بالطاقة تقسيمًا جوهريًا بين تركيا وليبيا، ما أثار موجة إدانات دولية، أولًا وقبل كل شيء، من اليونان ومصر وقبرص، الذين ربما يتأثرون تأثرًا مباشرًا أو غير مباشر… بتجاهل تركيا لمياه اليونان وقبرص ومصر الاقتصادية.

أنقرة تضم في الواقع تلك المناطق المطعون فيها أمام محاكم دولية، والتي يمكن أن يستغرق حلها سنوات طويلة. وعمليًا، أنشأت تركيا حدودًا بحرية لعرض البحر المتوسط برمته».

ولفت ويتني إلى أن تحليل مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية لم يقلّ تشاؤمًا (عن مقال يديعوت أحرونوت). إذ يقول:

«تركيا تربط بين مشكلتين اثنتين من مشاكل البحر المتوسط في محاولة بائسة لإعادة تشكيل المنطقة لصالحها، مع تداعيات سيئة مُحتَمَلة على كلٍ من الحرب الأهلية المستمرة في ليبيا وتطور الطاقة المستقبلي في شرق البحر المتوسط.

خلال هذا الشهر، تمخَّض تواصل تركيا غير العادي مع الحكومة الليبية المُعتَرَف بها دوليًا عن اتفاقية رسمية من أجل تقديم أنقرة دعمًا عسكريًا، بما في ذلك توفير أسلحة وربما قوات، في محاولة لصد هجوم من متمردين مدعومين من روسيا في الجزء الشرقي من البلاد. وهذه الاتفاقية العسكرية لم تبرم إلا بعد أسبوعين من وصول تركيا وحكومة الوفاق الوطني ذاتها لاتفاقية غير عادية لتقسيم الكثير من منطقة شرق البحر المتوسط تقسيمًا جوهريًا بينهما؛ ما يهدد بإخراج اليونان وقبرص من الرغد القادم…».
(بحسب مقال نشرته فورين بوليسي بعنوان «تركيا العدوانية الجديدة تقيم تحالفًا مع ليبيا»)

موقع ليبيا الاستراتيجي يجعلها مطمعًا لدول العالم

وألمح الكاتب إلى أنه على الرغم من أن هذه التطورات الجديدة يُحتمل أن تزيد من ضراوة القتال على الأرض في ليبيا، إلا أنها تنذر بتعميق الانقسامات داخل المنطقة ذاتها، حيث تُشكَّل تحالفات جديدة وتُرسَم خطوط القتال.

في ناحية، يقف المحور التركي الليبي، بينما تقف الناحية الأخرى اليونان والإمارات والسعودية ومصر وإسرائيل وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وربما الولايات المتحدة على الرغم من أن إدارة ترامب لم توضح موقفها بعد.

Embed from Getty Images

ويتابع الكاتب: «على أي حال، الحرب بين الحكومة المُعتَرَف بها دوليًا في ليبيا والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر مجرد جزء صغير من صراع أكبر بكثير على مواد هيدروكربونية حيوية في منطقة تحتل موقعًا استراتيجيًا في البحر المتوسط».

وفيما يلي جزء من مقال نشره موقع «War On The Rocks» يساعد في إبراز المخاطر التي تنطوي عليها الأوضاع:

«اكتشاف مخزونات كبيرة من الغاز الطبيعي في منطقة الشرق المتوسط بدءًا من عام 2009 كان يعد تغييرًا في مسار اللعبة التي قلبت الجيوسياسات الإقليمية؛ إذ حفَّزت تحالفات جديدة وغير مسبوقة بين إسرائيل واليونان وقبرص ومصر لزيادة فرصتهم في الاكتفاء الذاتي للطاقة. ويقع الجزء الأكبر من الغاز في حقل ظهر في مصر وحقلي ليفياثان وتمر في المياه الإقليمية الإسرائيلية وحقل أفروديت بالقرب من جزيرة قبرص. ومع أن احتياطات الغاز الطبيعي القابلة للاستخراج في المنطقة قُدِّرَت بما يفوق 120 ترليون قدم مكعب، لا يمكن أن تكون الآثار الاستراتيجية أكبر من ذلك. وهذا هو المقدار ذاته للغاز المؤكَّد في كامل العراق، التي تشغل المرتبة الثانية عشرة في قائمة أكبر احتياطي في العالم… ويُقدَّر مخزون ليفياثان (حقل الغاز الإسرائيلي) بـ 22 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج، ومن المحتَمَل نصف مليون برميل نفط».
(بحسب مقال «دبلوماسية المواد الهيدروكربونية: مناورة تركيا قد تدفع ثمن ثمار السلام»، الذي نشره موقع warontherocks.com).

مناورة تركيا الطموحة تزيد من احتمالية زيادة دعم خصومها لأمير الحرب الليبي، حفتر، الذي يُعد، وفقًا لأغلب الروايات، عميلًا لوكالة الاستخبارات المركزية، والذي أُرسِل إلى ليبيا عام 2014 للإطاحة بالحكومة في طرابلس وتوحيد البلد تحت قيادة دُمية أمريكية. وتسيطر قوات حفتر حاليًا على أكثر من 70% من الأراضي الليبية، بينما يخضع 60% من السكان إلى سيطرة حكومة الوفاق الوطني بقيادة رئيس الوزراء فايز السرَّاج. وبحسب موقع إخباري تركي: «فإن ما يزيد عن نصف قوات حفتر عبارة عن مُرتَزَقة من روسيا والسودان، ودُفِع لهم من دول الخليج».

تحالف عالمي ضد تركيا

وأضاف الكاتب: «في أبريل (نيسان) 2019، شن حفتر هجومًا على الحكومة في طرابلس ولكن تم التصدي له بسهولة. وفي الأيام الماضية، مع ذلك، استأنف حفتر هجماته على مدينة مصراتة وعلى مطار طرابلس في انتهاك صارخ لاتفاقية برلين لوقف إطلاق النار. وتلقى أيضًا شحنات أسلحة من الإمارات على الرغم من حظر الأسلحة الذي ووفِق عليه بالإجماع منذ أسبوعين في مؤتمر برلين ذاته. نحن نتوقع استمرار زيادة دعم حفتر في الأشهر المقبلة، إذ وضعت برلين وباريس وواشنطن على وجه الخصوص خطة لتعزيز الوكلاء لاستمرار الحرب البرية وكبح استعراض القوة التركية في البحر المتوسط».

تُعد الاتفاقية التركية الليبية محاولة خرقاء لفرض الحدود البحرية التي تحبذها تركيا على بلدان أخرى مُطلَّة على البحر المتوسط. ومن الطبيعي، أن واشنطن لن تسمح بتأكيد القوة أحادية الجانب هذه دون رادع.

وبينما لم يُعلَن بعد عن استراتيجية واشنطن، فقط يشير ذلك إلى أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية تفاجأت على حين غرَّة بإعلان تركيا في 27 نوفمبر (تشرين الثاني). وهذا لا يعني أن واشنطن ستقبل بالوضع القائم. على العكس، يضع مخططو الحرب الأمريكيين بلا شك اللمسات الأخيرة على استراتيجية جديدة تهدف إلى تحقيق أهدافهم في ليبيا، وفي الوقت نفسه يوجهون ضربة قاصمة إلى حليف الناتو، الذي أصبح وثيق الصلة بروسيا، وتسبب في مشكلات لا نهاية لها في سوريا، والآن يعرقل خطط واشنطن للتحكم في موارد حيوية في شرق البحر المتوسط.

اختتم الكاتب تقريره بالقول: «واشنطن ترى سياسة تركيا العدوانية على أنها علامة «عصيان» تتطلب رد فعل قاسٍ. لكنَّ أي هجوم على تركيا أو المصالح التركية فقط سيزيد من الشحناء بين أنقرة وواشنطن، ولن يؤدي سوى إلى مزيد من الضغط على حلف الناتو المهترئ، وسيدفع الرئيس التركي أردوغان فقط إلى جانب موسكو أكثر. في الواقع، ينبغي أن يدرك فريق ترامب أن رد فعل مبالغ فيه من جانبهم يمكن أن يؤدي إلى عملية إعادة مواءمة مصيرية يمكن أن تعيد تشكيل المنطقة وتعجِّل ظهور نظام جديد».

عربي

منذ 8 شهور
خليفة حفتر الذي لا نعرفه.. أسير «حرب تشاد» المهووس بتجربة القذافي

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد