مرة أخرى، ألحقت الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على غزة أضرارًا جسيمة بالآثار الفلسطينية ومواقع التراث الثقافي؛ ما يمثل انتهاكًا للقانون الدولي.

غزة من أقدم مدن العالم، أسسها العرب الكنعانيون قرابة الألف الثالثة قبل الميلاد، وهي تضم باقة من المواقع التاريخية الأثرية والدينية، التي لا يزال بعضها يُكتَشَف تباعًا حتى الآن، بحسب مركز المعلومات الوطني–الفلسطيني (وفا).

بيد أن الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على غزة ألحقت أضرارًا جسيمة بهذه الآثار ومواقع التراث الثقافي في القطاع؛ ما يمثل انتهاكًا للقانون الدولي، حسبما يخلص تقرير نشره موقع «المونيتور».

إسرائيل لا تفرق بين مسلم ومسيحي.. الجميع في خطر

يقول يوسف أسعد، القس المساعد في كنيسة العائلة المقدسة في غزة، لموقع «المونيتور»: «أثناء العدوان الأخير على قطاع غزة، توافد أبناء رعيتنا على الكنائس بحثًا عن ملجأ. حوَّلنا كنائسنا إلى ملاجئ. في كنيسة العائلة المقدسة الرومانية الكاثوليكية اللاتينية، كنا نصلي إلى الله كل يوم خلال العدوان لينعم علينا بالحماية والأمان».

وأضاف: «كان الجميع في غزة مستهدفًا أثناء العدوان. لا تفرق إسرائيل بين المسلمين والمسيحيين. كنا جميعًا في خطر. حتى أماكن العبادة لم تسلم من العدوان. استهدفت تلك المباني، أو لحق بها الضرر، بسبب قصف المناطق المحيطة بها، على الرغم من أنها تُعَدُّ جزءًا من التراث التاريخي لغزة، وتتمتع بقيمة ثقافية.

وتابع قائلًا: «كانت كثافة الضربات تعرقل انعقاد الصلوات وإقامة الطقوس. كان المصلون يخافون الذهاب إلى الكنيسة. انتقلنا إلى منشآت أخرى تابعة للكنيسة، مثل مدرسة راهبات الوردية أو حتى منازل رعايانا لأداء الصلاة».

تضرُّر مدرسة راهبات الوردية وكنيسة العائلة المقدسة

ذكر أسعد أن مدرسة راهبات الوردية كانت الأكثر تضررًا؛ إذ تعرض مبنى المدرسة لتصدعات كبيرة قد تحتم هدم جزء منه. كما دمرت قاعة المناسبات، ومختبر الصوت، وأجهزة الكمبيوتر، ووحدة الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى تصدعات في كنيسة العائلة المقدسة»، بحسب التقرير الذي أعدته الصحافية المستقلة، هديل الغرباوي، من غزة.

وأشار أسعد إلى أن الكنيسة تعمل باستمرار على تقديم الدعم والمساعدة للعائلات المتضررة والفقيرة في المنطقة. وأردف قائلًا: «تهدف الكنيسة اللاتينية إلى خدمة الفقراء والمحتاجين بغض النظر عن دينهم. بعد الحرب، بدأنا برنامجًا ترفيهيًّا لأبناء الرعية، خاصة الأطفال، لمساعدتهم في التغلب على الخوف وجعلهم يشعرون بالأمان مرة أخرى.

Embed from Getty Images

تضمن البرنامج صلوات وجلسات ألعاب، وأنشطة ترويح نفسي، وزيارات للمواقع السياحية. ومن المقرر أن يزور بطريرك اللاتين في القدس، بييرباتيستا بيتسابالا، (غزة) في الفترة من 14 إلى 17 يونيو (حزيران)، وهذا من شأنه رفع معنويات أبناء الرعية».

وفقًا للبطريركية اللاتينية في القدس، يبلغ تعداد رعية الكنيسة اللاتينية 130 فردًا في قطاع غزة بأكمله، من أصل حوالي 1130 مسيحيًّا.

ومع أن العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تحمي التراث الثقافي الفلسطيني، منها اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، فإن إسرائيل تجاهلت مرارًا وتكرارًا القانون الدولي، ولطالما اتُّهمت أكثر من مرة بالعمل على طمس سمات الهوية والتراث الفلسطيني.

المسجد العمري الكبير يتحدى العدوان الإسرائيلي

في مكان لا يبعد كثيرًا عن الكنيسة اللاتينية في مدينة غزة، يقع المسجد العمري الكبير (المعروف أيضًا باسم المسجد الكبير في غزة)، وهو أقدم مسجد في قطاع غزة، وثاني أقدم مسجد في فلسطين. يقول نبيل برزك، الإمام الذي يؤم المصلين في صلاتي الظهر والعصر هناك: إن أبواب المسجد ظلت مفتوحة أثناء المعركة الأخيرة، لكن عدد المصلين انخفض انخفاضًا كبيرًا.

دولي

منذ 4 شهور
«واشنطن بوست»: هل نشهد تغييرًا في النهج الأمريكي التقليدي تجاه القضية الفلسطينية؟

قال برزك لموقع «المونيتور» إن المصلين في المسجد العمري الكبير، كما هو الحال في المساجد الأخرى في قطاع غزة، كانوا يجمعون بين صلاتي المغرب والعشاء؛ حتى يتسنى للمصلين البقاء في منازلهم بعد المغرب لحمايتهم من الضربات الجوية الإسرائيلية.

وأضاف بيرزيك: «حرصنا على رفع الأذان والإقامة لنبعث برسالة إلى إسرائيل مفادها أن (عدوانها) لم يمنعنا من أداء شعائرنا الدينية. حتى إننا أقمنا صلاتي جمعة أثناء العدوان، لكن الخطبة كانت قصيرة وعدد الحاضرين كان محدودًا. كما أقيمت عدة مراسم جنازة في المسجد لضحايا ارتقوا أثناء جولة القتال، من بينهم 19 شخصًا من عائلة كاولاك».

وأوضح أن «الجامع العمري الكبير، الواقع في قلب مدينة غزة القديمة، شُيِّد قبل ألفي عام معبدًا وثنيًّا، لكنه تحول إلى كنيسة عام 406م. وفي القرن السابع الميلادي، حوله المسلمون إلى مسجد بعد فتح المدينة. وهو ثاني أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى المبارك في القدس».

الكنيسة البيزنطية تحت القصف الإسرائيلي

كانت الكنيسة البيزنطية، التي اكتشفت عام 1998 بالقرب من بلدة جباليا شمال قطاع غزة، من المواقع التراثية التي قصفتها المدفعية الإسرائيلية مؤخرًا. أصيبت الكنيسة بأضرار جزئية أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 2003، وتضررت بشدة خلال حرب 2014.

Embed from Getty Images

بدأت منظمة «إميرجنسي فيرست» الدولية غير الهادفة للربح في ترميم الكنيسة في عام 2018 تحت إشراف وزارة الثقافة والآثار الفلسطينية، لكن الضربات الإسرائيلية قوضت جهودها.

استنكر مدير عام الآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة بغزة، جمال أبو ريد، استهداف إسرائيل المباشر وغير المباشر للآثار. ووصف هذه الهجمات بأنها جزء من خطة إسرائيل لطمس هوية الأرض الفلسطينية، لتبرير فكرة أن فلسطين أرض بلا شعب وشعب بلا أرض.

قال أبو ريدة لموقع «المونيتور» إن مبنى الكنيسة البيزنطية تضرر تضررًا كبيرًا، قائلًا: «هذا يدل على مدى قوة الغارة الجوية، ونية إسرائيل بإلحاق أضرار جسيمة بالموقع الأثري. ويخضع الموقع للترميم والصيانة والحفر منذ عام 2018، وهي أعمال تكلفت حتى الآن مليوني دولار من التمويل الخارجي».

تضرر مسجد كتاب الولاية وكنيسة القديس بورفيريوس

وأوضح أن القصف ضرب الجدار الفاصل بين مسجد كتاب الولاية وكنيسة القديس بورفيريوس، وألحق أضرارًا بالمسجد والكنيسة. يجري العمل الآن لإعادة بناء الجدار.

كنيسة القديس بورفيريوس، إحدى أقدم الكنائس في غزة، مبنية على عمودين ضخمين من الرخام. سميت الكنيسة على اسم القديس بورفيريوس الذي دفن فيها.

بُنِي مسجد كاتب الولاية في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 1432م، على ما كان في السابق مكاتب إدارية تابعة لكنيسة القديس بورفيريوس الأرثوذكسية، مما أعطى تلك المساحة للمسلمين لبناء مسجد مجاور للكنيسة في إشارة إلى التعايش والتسامح.

خسائر فادحة لتجار سوق الزاوية

تعد سوق الزاوية من أقدم الأسواق في قطاع غزة. بنيت في العصر المملوكي، وهي شاهدة على مختلف الحضارات الماضية التي كانت موجودة في غزة على مر العصور.

تجتذب متاجرها حشودًا كبيرة من الزوار، خاصة في المناسبات والأعياد، لما تحويها من مجموعة متنوعة من المنتجات، مثل: السلع الجلدية، والعطور، والمواد الغذائية، والحلويات، والمجوهرات الذهبية. غالبًا ما يستشهد الاقتصاديون بالنشاط التجاري في السوق مؤشرًا لقياس حالة الاقتصاد.

يزور السكان من جميع أنحاء قطاع غزة السوق لمشاهدة معالمها التاريخية العتيقة، والتي تشمل القباب والأقواس التي تعود إلى الحقب الإسلامية في العصور الوسطى.

Embed from Getty Images

في منتصف شهر رمضان، خفف قطاع غزة من قيود فيروس كورونا المفروضة على الأسواق. خزن التجار والبائعون البضائع استعدادًا لعيد الفطر، بيد أن احتفالات العيد توقفت بسبب الهجوم الإسرائيلي. ومُنِيَ التجار في النهاية بخسائر فادحة لأن المتاجر اضطرت إلى إغلاق أبوابها.

السياسة الإسرائيلية تجاه الآثار الفلسطينية: السيطرة أو التدمير

قالت هيام بيطار، الباحثة في وزارة السياحة والآثار في غزة، لموقع «المونيتور»: «تحاول إسرائيل تدمير كل المواقع القديمة التي لا تستطيع السيطرة عليها. في كل عدوان على غزة، تستهدف المواقع الأثرية بعنف. تضرر عدد كبير من الآثار والمواقع المعمارية التي لم تكن دُمِّرَت بسبب القصف الإسرائيلي في السنوات الماضية، مثل مسجدي المحكمة والظفر دمري.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 5 شهور
«الإندبندنت»: هذه المعدات العسكرية البريطانية التي استخدمتها إسرائيل في قصف غزة

هذا بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنازل الأثرية في حي الزيتون، وموقع البلاخية الأثري، والجامع العمري الكبير، وموقع تل السكن الأثري، وتل أم عامر، الذي يحتوي على أنقاض دير القديس هيلاريون، وغيرها. وفي الآونة الأخيرة، استهدفت إسرائيل الكنيسة البيزنطية في شمال قطاع غزة».

استطردت هيام بيطار: «نتيجة للهجوم، هُجِرَت المواقع الأثرية هُجرانًا شبه تام، مع توقف توافد البعثات والزيارات العامة»، مشيرةً إلى أن الآثار في غزة تعاني أيضًا من الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، والذي يمنع الكثير من أعمال التنقيب والترميم والصيانة.

تختم الصحافية الفلسطينية، هديل الغرباوي، تقريرها المنشور على موقع «المونيتور» قائلة: «بقصف قطاع غزة، تجاهلت إسرائيل مرة أخرى تجاهلًا تامًّا الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحمي الآثار والمواقع التراثية الفلسطينية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد