محاولة إسرائيل تصوير وقف إطلاق النار على أنه أحادي الجانب لن يؤدي إلا إلى إلحاق الضرر بها في مفاوضات إعادة المواطنين وجثث الجنود المحتجزين في القطاع.

كتب زفي برئيل وهو محلل لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تحليلًا نشرته الصحيفة حول الأوضاع الحالية بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة والدور الذي لعبته مصر في هذا الصدد، وكيف ستكون عملية إعادة الإعمار وما تنطوي عليه من عقبات. وتناول أيضًا مساعي بايدن من أجل استقرار الأوضاع في المنطقة حتى تتفرغ إدارته للقضايا الأخرى مثل الصين وإيران.

ويستهل برئيل تحليله بالقول: إن المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي كان لديها رد مفاجئ – وإن لم يكن غريبًا – على هذا السؤال من قبل كريستين ويلكر مراسلة «إن بي سي» يوم الخميس الماضي: «هل كان من الممكن للرئيس أن يحاول المضي قدمًا في وقف إطلاق النار في وقت سابق إذا كان قد بدأ في التواصل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والشركاء الآخرين في المنطقة قبل عدة أيام؟».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 أسابيع
«واشنطن بوست»: حماس استطاعت اختراق «فقاعة» تل أبيب ووضعها على خط المواجهة

ويشير الكاتب إلى أن المحادثة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأمريكي جو بايدن مع السيسي يوم الخميس كانت هي الأولى بين الزعيمين منذ أن أدى بايدن اليمين في يناير (كانون الثاني). ولولا القتال في قطاع غزة، لكان قد مر وقت طويل قبل أن يكلف بايدن نفسه عناء التقاط الهاتف والتحدث إليه – بحسب الكاتب. ردت ساكي بأن ذلك كان اليوم العاشر أو الحادي عشر فقط من القتال، وأشارت إلى عام 2014 عندما استمر القتال بين إسرائيل وحماس لمدة 51 يومًا. وقالت ساكي: إن الإدارة ستواصل ممارسة الضغط وراء الكواليس من خلال الدبلوماسية الهادئة المكثفة من أجل إنهاء الصراع.

بايدن ليس من معجبي السيسي

وتساءل الكاتب: إذًا ما الذي دفع بايدن إلى عدم الاتصال بالسيسي إلا بعد 11 يومًا من بدء الأعمال العسكرية، وعدم الانتظار لمدة شهر؟ ولماذا أخّر الحديث مع السيسي خمسة أشهر؟ هل كان يفكر في أنه سيعطي إسرائيل مزيدًا من الوقت، لكن منعته الانتقادات من كبار أعضاء حزبه؟ إن إجابة ساكي تشهد، أكثر من أي شيء آخر، على المعضلة التي تواجهها سياسة بايدن في الشرق الأوسط بشكل عام والصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل خاص.

وأضاف الكاتب أن بايدن ليس من المعجبين بالسيسي، وشارك الرئيس باراك أوباما في اعتراضه على الطريقة العدوانية التي استولى بها السيسي على السلطة في صيف 2013، واعتبرها انقلابًا عسكريًا، بحسب المقال. مر أسبوعان قبل أن تعترف الإدارة الأمريكية بحكومة السيسي. ثم أصبح السيسي لاحقًا صديقًا مقربًا للرئيس دونالد ترامب، الذي وصفه «ديكتاتوري المفضل».

وفي حملته الرئاسية تعهد بايدن بتغيير سياسات ترامب ووضع حقوق الإنسان على رأس جدول أعماله، وعندما تم انتخابه بدأ بتنفيذ هذه الوعود. وأصبح التجاهل الذي تعامل به مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس المصري من السمات المميزة لسياسته. لكن عندما انجر عن غير قصد إلى صراع بين إسرائيل وحماس، أدرك أن جدول أعماله الأساسي يتعين إرجاءه، وأن وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه مصر، ووافقت عليه، بين إسرائيل وحماس كان مجرد خط البداية.

Embed from Getty Images

الصين وروسيا وإيران هي أولويات أمريكا

يواصل الكاتب: السؤال الآن هو: كيف ينوي بايدن الاستمرار؟ ومن المتوقع أن يقوم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن يوم الأربعاء بزيارة تستغرق يومين لإسرائيل ومصر، كما سيلتقي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس. ولم يزل هذا لا يُعرَّف بأنه دبلوماسية مكوكية تهدف إلى بعث حياة جديدة في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، ولكن لكي يتمكن بلينكن من العودة إلى النقاط المحورية في سياسته الخارجية – الصين وروسيا وإيران – فإنه يرغب في التأكد من أن وقف إطلاق النار لن يكون قصير الأجل، وهذا يعني الإطلاق السريع للمساعدات وإعادة إعمار قطاع غزة.

وأعلنت مصر بالفعل أنها ستقدم نصف مليار دولار لهذا الغرض، مع أنه من غير الواضح من أين ستأتي الأموال في موازنة مصر المضغوطة بشدة، وما إذا كانت الأموال ستأتي بالفعل من مصر أو السعودية والإمارات – بحسب الكاتب. لكن الولايات المتحدة ستكون مطالبة بتقديم الجزء الخاص بها من المساعدات على ما يبدو من خلال الأمم المتحدة.

أسئلة تنتظر الإجابة

ويوضح الكاتب أن العثور على الأموال ليس سوى جزء من المشكلة. ففي المرحلة الأولى سيتعيّن على بايدن التغلب على معارضة إسرائيل، التي وضعت شرطًا أساسيًا يقضي بعدم تقديم مساعدات لغزة ما لم يتم إعادة المدنيين الإسرائيليين، وجثث الجنود الإسرائيليين المحتجزين هناك.

ولكن حتى لو وافقت إسرائيل من حيث المبدأ، فسيتعين على الطرفين أن يقررا كيف ستصل الأموال إلى القطاع. هل سيكون ذلك عبر السلطة الفلسطينية أم مباشرة إلى غزة؟ وهل ستكون هناك رقابة دولية لمنع استخدام الأموال في أغراض عسكرية من قبل حماس؟ وما الهيئة التي ستقوم بدور المراقبة؟ وسيتعيّن على السيسي أيضًا الإجابة عن هذه الأسئلة؛ إذ لم يشترط السيسي وصول المبلغ الذي تعرضه مصر، وهو نصف مليار دولار، عبر السلطة الفلسطينية، ولم يوضح ما إذا كان هذا المبلغ يهدف إلى الحلول محل المساعدة التي تقدمها قطر، وما هي الأجهزة التي ستراقب استخدام الأموال ولأي أغراض سوف تستخدم.

Embed from Getty Images

وستحتدم هذه الأسئلة هذا الأسبوع، لكن هناك قضية واحدة ليست محل نزاع: وهي أن السيسي هو المستفيد الرئيس من هذه الجولة من العنف – على حد تعبير الكاتب. لقد أكد مرة أخرى المبدأ القائل بأن مصر هي المرساة الوحيدة التي يمكن أن تضمن نوعًا من الاستقرار في المعركة بين إسرائيل وحماس، إلى الدرجة التي تجعل بايدن حتى ينظر إليه على أنه شريك أساسي، وليس فقط بسبب صلاته بحماس وسيطرته على معبر رفح الحدودي.

تأثير السيسي على نتنياهو

ويمضي برئيل إلى أن السيسي هو الزعيم العربي الوحيد الذي لم يزل بإمكانه التأثير على سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. يضيف الكاتب: مع كل الاحترام للإمارات، والأردن، والبحرين، فإن مصر تضع يدها على المفتاح الرئيس الذي يمكن أن يوقف اشتعال الحدود في الجنوب. ويمكن لمصر أيضًا أن تكون بمثابة قناة لتقديم المساعدات إلى غزة إذا أصرت إسرائيل على منع المساعدات أو فرضت شروطًا مستحيلة. في هذا السياق يجب أن نضع في اعتبارنا أيضًا أن مصر فتحت في فبراير (شباط) معبر رفح دون إشراف دولي أو مراقبين للسلطة الفلسطينية، على عكس الاتفاقات التي تم التوصل إليها بعد حرب غزة 2014. وحتى الآن لم ترفع إسرائيل صوتها اعتراضًا على الخطوة.

وتقدم إسرائيل وقف إطلاق النار على أنه تحرك أحادي الجانب لا يتطلب اتفاقًا مع حماس أو أية دولة أخرى. وهذا تصريح لا يمكن إلا أن يقنع زائرًا من المريخ – بحسب تعبير الكاتب، لأن هذا قرار متعدد الأطراف تشارك فيه أيضًا الولايات المتحدة ومصر وحماس. الموقف التفاوضي الذي حققته حماس لا يعتمد فحسب على قدرتها على خرق وقف إطلاق النار، وهو مدعوم الآن من مصر والولايات المتحدة، وهما البلدان اللذان سيتوجّب عليهما أن يكونا ضامنين لوقف إطلاق النار كما يتعين عليهما خلق شروطً للاستقرار طويل الأمد لكل من إسرائيل وحماس.

قضايا شائكة تنتظر حلًّا

يزور الآن وفد مصري برئاسة أحمد عبد الخالق، الذي يتولى مسؤولية الملف الفلسطيني بالمخابرات المصرية، إلى جانب ممثل خاص من مكتب السيسي، إسرائيل وغزة. وهدف الوفد هو صياغة مبادئ جهاز المراقبة وتنظيم تنفيذها. ظاهريًا، وبصفتها الكيان الذي توقف عن إطلاق النار، وغير ملزم بأي اتفاقيات مع حماس، يمكن لإسرائيل أن تدعي أن الترتيبات بين مصر وحماس، سواء كانت مدعومة من الولايات المتحدة أم لا، ليست من اختصاصها.

Embed from Getty Images

غير أن مثل هذا الموقف من شأنه أن يبطل فرص إجراء محادثات غير مباشرة لإعادة الأسرى المدنيين وجثث الجنود. كما أنه سيلغي قدرة إسرائيل على وضع شروط، أو منع الأمم المتحدة، أو مصر، من تحويل الأموال إلى غزة عبر مصر دون موافقتها، وسيمنح حماس حق النقض. ويتساءل الكاتب في نهاية تحليله: هل ستعطي إسرائيل لبلينكن هذا الرد إذا كان مطلوبًا منها السماح بمرور البضائع والمواد لإعادة تأهيل غزة؟ لننتظر حتى الحدث التالي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد