يحاول العلماء والمختصون النفسيون في غزة مساعدة الأطفال الذين عانوا من الصدمات، ودعم الأمهات اللائي فقدن أطفالهن في الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

انتهت الحرب التي استمرت 11 يومًا على قطاع غزة في 21 مايو (أيار)، لكن العدوان الإسرائيلي تسبب في صدمة نفسية عميقة، وتغيرات سلوكية للأطفال في غزة؛ من جرَّاء ما شهدوه من قصفٍ وتدمير للأبراج الشاهقة وقتل عائلات بأكملها، حسبما تستعرض الصحفية الفلسطينية، انتصار أبو جهل، في تقرير نشره موقع «المونيتور».

عربي

منذ 3 شهور
«جيروزاليم بوست»: هل تُخطط مصر لاستعادة السيطرة على قطاع غزة؟

لا غروَ، فقد قُتل ما يقرب من 65 طفلًا، وأصيب 540 شخصًا. وتقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عدد الأطفال الذين قد يحتاجون إلى دعم نفسي بحوالي 500 ألف طفل. وتشير إحصاءات ما قبل الحرب إلى أن طفلًا من بين كل ثلاثة أطفال في غزة يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي، بحسب المنظمة الأممية.

رُعبٌ ليليٌّ وتبوُّل لا إراديٌّ

يحكي التقرير عن أم أحمد، البالغة من العمر 38 عامًا، التي فَرَّت من منزلها في حي الشجاعية بعد يوم واحد من بدء الحرب مع أطفالها الخمسة، الذين يبلغ أكبرهم من العمر 12 عامًا وأصغرهم ثلاثة أعوام. لجأت إلى منزل أقاربها؛ خشية تعرض منزلها للقصف والتدمير مثلما حدث في حرب 2014.

قالت أم أحمد لموقع «المونيتور»: «لم أخف على نفسي، لكنني كنت خائفة من فقدان أطفالي، خاصة وأن زوجي عضو في أحد الأجنحة العسكرية للمقاومة، ولم نتمكن من رؤيته أثناء الحرب».

ذكرَت أم أحمد أن الخوف من كثافة القصف كان رفيق أطفالها أثناء الليل. إذ كانت ابنتها الصغيرة تختلق قصصًا مخيفة عن قصف الطائرات للمنزل وقتل والدها، وكانت لا تفتأ تسأل عنه. ليس هذا كل شيء، بل يعاني اثنان من أطفالها الآن من التبول اللاإرادي أثناء الليل.

لاحظت أم أحمد زيادة معدل العنف في سلوك أطفالها، وانخراطهم في نوبات صراخ، ولذلك طلبت استشارة عن بُعد من طبيب نفسي.

اغتيال الطفلة ديما عسلية.. وصدمة الأم النفسية

ينتقل التقرير إلى والدة الطفلة ديما عسلية، البالغة من العمر 11 عامًا، ليحكي كيف قُتِلَت الصغيرة إثر قفصٍ من الطائرات الحربية الإسرائيلية في 19 مايو في مخيم جباليا للاجئين، بينما كانت في طريقها إلى منزل أختها الذي يبعُد 70 مترًا فقط من منزلهم، لتجلب لوالدتها فرنًا كهربائيًّا صغيرًا لطهي الخبز في المنزل.

Embed from Getty Images

قالت أم ديما لموقع «المونيتور»: «لقد كانت خائفة، وأرادت الهروب من منزلها إلى مدارس الأونروا منذ بداية التصعيد، لكننا قلنا إن منزلنا آمن، ولسنا بحاجة للذهاب. بيدَ أنني أتمنى الآن لو كنا قد ذهبنا».

تضيف الأم: «قبل وفاة ابنتي بثلاث ساعات، طلبت مني الذهاب، فجهزتُ كل أغراضها؛ من لعب الأطفال وحقيبة المدرسة وزجاجات المياه. قالت لي: إذا حدث لي شيء؛ فلن أسامحك. أنا خائفة، وأريد الهرب».

تتابع الأم: «بعد دقائق قليلة من مغادرتها المنزل لإحضار الفرن، سمعتُ دوي قصفٍ قوي هزَّ أركان المنزل. صرختُ. هرعتُ بسرعة إلى الشارع لأجدها».

قصفت إسرائيل قطعة أرض خالية تفصل منزل ديما عن منزل شقيقتها. تتابع الأم: «لم أكن أتوقع أنها ستكون الهدف. لم يكن هناك أي شخص آخر في الشارع».

تكمل الأم: «قُتِلَت على الفور. أردتُ أن أعانقها وأودعها، لكن الرعب ألجمني من هول ما أحدثه القصف في جسدها».

قالت الأم إنها تتواصل مع طبيب نفسي، ومع جمعية للصحة العقلية للمرأة. وهي تعاني من رجفان وإرهاق شديد؛ لأنها تلوم نفسها وتعتقد أنها كانت سبب وفاة ابنتها. لكن الأنشطة النفسية التي تنخرط فيها تساعدها على تخفيف آثار الصدمة التي تعرضت لها، كما أنها تشعر بتحسن عندما تتحدث عن ابنتها التي تصفها بأنها ملاك.

مستقبل أطفال غزة مُهَدَّد

قال صبحي فرحات، الاختصاصي النفسي والاجتماعي في الإدارة العامة للصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية، لموقع «المونيتور»: «تساعد البرامج النفسية الأطفال في التغلب على الصدمات النفسية التي عانوا منها أثناء الحرب».

يوضح فرحات أنهم يستخدمون طرق علاج عديدة، منها: جلسات مواجهة المخاوف، والعلاج باللعب والرسم، ورواية القصص والدراما النفسية، مشيرًا إلى أن الحرب الأخيرة كانت مختلفة؛ لأن إسرائيل كانت تستهدف تجمعات سكنية وتقتل عائلات بأكملها.

يرى فرحات أن تلك المشاهد تورِّث الكراهية للأطفال، وتغرس العنف في سلوكهم، مما يعني أن مستقبل أطفال غزة مهدد بالسلوكيات العنيفة والعدوانية غير الصحية.

وذكر أن إدارة الصحة النفسية التي يعمل فيها تواجه صعوبات في تقديم الخدمات النفسية؛ بسبب نقص بعض الألعاب والاختبارات النفسية، فضلًا عن نقص عقاقير العلاج النفسي. وقال إنه منذ توقف القتال، كانوا ينظمون ورشتي عمل أسبوعيًّا للأمهات لتثقيفهن بشأن كيفية التعامل مع أطفالهن بعد الحرب.

Embed from Getty Images

تابع فرحات قائلًا: «نحن نعتمد على الأمهات كثيرًا لتحسين سلوك أطفالهن وتصحيحه». وذكر أنهم عقدوا أيضًا ما يقرب من 70 ورشة عمل للتنفيس عن الأطفال عاطفيًّا في الحدائق العامة في مناطق مختلفة من قطاع غزة، مع مراعاة الإجراءات الوقائية؛ إذ استضافت كل ورشة 25 طفلًا فقط.

الصدمات النفسية تلاحق ثلثي أطفال غزة

ينتقل التقرير إلى الطبيب النفسي والمحاضر في جامعة القدس المفتوحة، يوسف عوض الله، الذي قال لموقع «المونيتور»: إن الأثر النفسي للحرب لا يزال عالقًا في أذهان الأطفال، وسيؤثر بعمق في أرواحهم لسنوات قادمة. وذكر أن طفلين من كل ثلاثة أطفال في غزة تعرضوا لصدمة نفسية نتيجة التصعيد الأخير.

معظم المشكلات النفسية التي يعاني منها الأطفال بسبب الحرب يتمحور حول: الكوابيس، والتبول اللاإرادي، والسلوك العدواني، وقلة التحصيل الدراسي، وتغيرات  الشهية، والعزلة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 شهور
«المونيتور»: أنقاض بيوت الله.. ماذا فعل القصف الإسرائيلي في تراث غزة الإسلامي والمسيحي؟

وأوضح أن «الندوب النفسية قد لا تكون مرئية، لكنها تؤثر بشدة في صحة الإنسان».

تابع عوض الله: «يتأثر الأطفال بالحرب أكثر من غيرهم؛ بسبب افتقارهم إلى الخبرة الحياتية، وعجزهم عن تفسير الأحداث كما لو كانوا بالغين».

يتوقع أن يلاحظ المعلمون انخفاضًا في التحصيل الدراسي، وزيادة في تشتت الطلاب، ونموًّا في مشاعر العزلة، فضلًا عن زيادة حالات العنف والسلوك العدواني، ويشير إلى أن الفئات العمرية الأكثر تضررًا هي ما بين 6 و12 عامًا.

يتابع فرحات: «لا تزال فكرة الذهاب إلى طبيب نفسي وصمة عار في المجتمع الفلسطيني، ولذلك يتردد كثيرون في طلب مساعدة طبيب نفسي خوفًا من أن يعتقد الناس أنهم مجانين».

مخاوف من انتكاس الأطفال بعد العلاج النفسي

قدَّم عوض الله خدماته النفسية عن بُعْد أثناء الحرب وبعدها لجميع سكان غزة مجانًا. يقول عن ذلك: «كنت أقدم حوالي 80 استشارة نفسية كل يوم».

لكنه يستدرك قائلًا: إن الاستشارات عن بُعْد ليست فعالة مثل الجلسات النفسية التي يقابل فيها الشخص وجهًا لوجه، لأن المعالج لا يستطيع قراءة تعابير وجه المريض ولغة جسده حين يقدم له الاستشارة عن بُعْد.

دعا عوض الله الآباء إلى تفهُّم السلوكيات الجديدة التي ستظهر على أبنائهم، موضحًا أن مثل هذه السلوكيات ناتجة من ضغوط نفسية شديدة.

وأشار عوض الله إلى أن الأطباء النفسيين يواجهون صعوبات بسبب نقص الكادر المهني، وقلة الموارد المالية، وندرة البرامج التي تعنى بالصحة النفسية للأطفال والكبار، خاصة وأن علاج هذه الصدمات يتطلب برامج طويلة الأمد تستمر من خمس إلى ثماني سنوات.

وختم التقرير بقول عوض الله: «الحرب على غزة لا تنتهي أبدًا؛ لذا لا يوجد ضمان بأن الطفل لن ينتكس بعد العلاج».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد