ما يصل إلى 8 آلاف شخص الآن بلا مأوى على نحو دائم في غزة بسبب القصف الإسرائيلي. وفيما يخص كثيرين، مثل مثقال، هذه ليست المرة الأولى.

نشرت صحيفة «الإندبندنت» تقريرًا لـ بل ترو، مراسلة الصحيفة البريطانية في الشرق الأوسط والتي تُقِيم في العاصمة اللبنانية بيروت، سلطت فيه الضوء على محنة أبناء غزة الذين دمَّرت الغارات الجوية الإسرائيلية منازلهم، للمرة الرابعة بالنسبة للبعض، والمعاناة التي يتعرضون لها وهم يقيمون في مدارس الأونروا في انتظار مساعدات مالية لاستئجار سكن إلى أن يجدوا مكان إقامة دائم.

وتستهل الكاتبة تقريرها بتسليط الضوء على قصة أحد سكان غزة قائلة إن الشيء الوحيد الذي بقي لهذا الأب الفلسطيني من منزله في غزة هو مفتاح المنزل.

يجلس مثقال السرساوي، البالغ من العمر 40 عامًا، بصورة غير مريحة على كرسي طفل في فصل دراسي، حيث يعيش الآن مع أسرته، ويوضح أن منزله قد سُوُّي بالأرض للمرة الرابعة الأسبوع الماضي. ونظرًا لقربه من السياج الحدودي مع إسرائيل، دُمِّر منزله في غارات جوية إسرائيلية خلال حروب 2008 و2012 و2014، كما دُمِّر آخر مرة خلال الحرب الأخيرة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوعين
«واشنطن بوست»: قد تستغرق قرنًا من الزمان! كل ما تريد معرفته عن إعادة إعمار غزة

وفي كل مرة يحدث هذا، تهرب عائلته إلى المدارس التي تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والتي تتحول في أوقات الحرب إلى ملاجئ مؤقتة. وفي ذلك الأسبوع، وفي مدرسة للبنين في مخيم الشاطئ بالقرب من شاطئ غزة، رتَّبت العائلة غرفة نوم من مكاتب مدرسية مقلوبة وبطانيات، وأعدَّت غرفة أشبه ما تكون بحصن لعب للأطفال.

وتنقل الكاتبة عن السرساوي قوله مازحًا بنبرة يأس: «لأن منزلي تعرض للقصف مرات عديدة، فأنا أعرف الأونروا جيدًا حتى أنني أحفظ أرقام هواتفهم عن ظهر قلب. والآن أصبحت بلا مأوى مرةً أخرى، ولا يوجد مَنْ يساعدني بتوفير الطعام أو الماء. إنه أمر مهين. ما جدوى ذلك!».

تكلفة البناء باهظة

وينقل التقرير عن السرساوي قوله إنه منذ عام 2008، كلفته إعادة البناء المتكررة لمنزله ما يقرب من 100 ألف دولار، وعلى الرغم من أنه تلقى بعض المساعدات الدولية، إلا أن هذا مبلغ ضخم ليتحمَّله أب لطفلين يكسب حوالي 7 آلاف دولار في السنة من عمله في طحن التوابل وبيعها.

Embed from Getty Images

ويتابع السرساوي قائلًا: «وبعد حرب 2012، أعدتُ بناء منزلي، ولكنني لم أتمكن من الاستمتاع به إلا لمدة ستة أشهر قبل هدمه مرةً أخرى. واستغرق الأمر مني ثلاث سنوات لإعادة بناء منزلي بعد حرب 2014. والآن، في عام 2021، ماذا عساي أن أفعل»؟

ووفقًا لما تورده الأمم المتحدة، نزح أكثر من 72 ألف شخص في غزة بسبب القصف الإسرائيلي بعد اندلاع قتال عنيف في 10 مايو (أيار) بين المسلحين في غزة والجيش الإسرائيلي. وأفاد التقرير أنه في حين تمكن كثيرون من العودة إلى ديارهم منذ وقف إطلاق النار، قال مسؤولو الأمم المتحدة لصحيفة الإندبندنت أن ما يصل إلى 8 آلاف شخص، مثل مثقال، تُركوا بلا مأوى على نحو دائم لأن منازلهم دُمِّرت.

الإقامة في مدارس الأونروا

وألمح التقرير إلى أنه يجري نقل الأشخاص الأشد فقرًا إلى مخيمات في الفصول الدراسية التابعة للأونروا إلى أن يتمكنوا من تأمين المساعدة المالية لاستئجار الشقق قبل إعادة بناء منازلهم في نهاية المطاف. لكن هذه العملية يمكن أن تستغرق سنوات.

ويعاني قطاع غزة من حصار خانق مصري-إسرائيلي طويل مستمر منذ 13 عامًا، والذي فُرِض بعد أن استولت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على القطاع بالعنف، مما يجعل جلب الإمدادات مثل مواد البناء أمرًا صعبًا.

وينقل التقرير عن تمارا الرفاعي، المتحدثة باسم الأونروا، قولها للإندبندنت أن وكالة الأمم المتحدة لا تزال تحاول تقديم المساعدة للعائلات التي نزحت خلال حرب 2014 وتعيش في مأوى مؤقت. والآن، بعد سبع سنوات، سينضم إليهم آلاف آخرون ممن أصبحوا بلا مأوى.

وتابعت تمارا لصحيفة الإندبندنت: «لهذا السبب تسعى الأونروا للحصول على مساعدة نقدية طارئة للأشخاص الذين دُمِّرت منازلهم أو تضررت بشدة، لمساعدتهم على استئجار منازل إلى أن يتمكنوا من إصلاح منازلهم»، في إشارة إلى نداء بملايين الدولارات أطلقته الوكالة.

فرص إعادة البناء ضئيلة

وتضيف تمارا: «بالنظر إلى الاقتصاد المتداعي ومعدلات البطالة المرتفعة، تُعد فرص قيام اللاجئين الفلسطينيين، الذين يعانون من الفقر المدقع إلى حد كبير بإعادة البناء، فرصًا ضئيلة».

وأشار التقرير إلى أنه مع اندلاع القتال، شنَّت إسرائيل مئات الغارات الجوية على أهداف في غزة، بينما أطلقت حماس ومسلحون آخرون من المقاومة الفلسطينية أكثر من 4 آلاف صاروخ باتجاه إسرائيل. وتقول وزارة الصحة في غزة إن 248 فلسطينيًّا استشهدوا بينهم 66 طفلًا و39 امرأة. وفي إسرائيل قُتل 12 شخصًا، بينهم طفلان وجندي.

Embed from Getty Images

وترى مُعدَّة التقرير أنه على الرغم من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه مصر والمطبَّق حاليًا، لا تزال التوترات شديدة في وسط غزة. وفي نهاية الأسبوع الماضي، خرج مقاتلون من حماس، ملثمين وكانوا يلوحون ببنادقهم الآلية، في عرض عسكري في المدينة الرئيسة، وظهر زعيم الجماعة يحيى السنوار لأول مرة علانيةً. وجاء استعراض القوة في الوقت الذي يُجري فيه الوسطاء المصريون محادثات لتأكيد الهدنة والتوصل إلى تفاصيل صعبة.

النازحون يخشون تجدد القتال

وأشار التقرير إلى أن عديدًا من النازحين يخشون من احتمال اندلاع القتال مرة أخرى رغم جهود الوسطاء. ويتضح هذا الخوف بشدة في مدرسة البنين التي يعيش فيها مثقال مع حوالي 200 آخرين، حيث تعيش أسرة واحدة في فصل دراسي واحد. وفي هذه الفصول الدراسية، تجد رضعيًا يزحف على بطانيات متناثرة على أرضية الفصل، بينما يلعب أطفال يرتدون ملابس مُتَّسِخة على السبورة وباستخدام مواد التدريس.

وصمَّم الآباء مطابخ مؤقتة عن طريق تقسيم زوايا الفصول الدراسية بالبطانيات. ويحاولون طهي الطعام باستخدام الغلايات. ولكن النوم على الأرض أسفل المكاتب المدرسية ليس حلًا طويل الأمد، وكل أسرة في المدرسة تطلب مساعدة مالية لاستئجار منزل إلى أن يتمكنوا من العثور على منزل دائم.

يقول حرب سكر، البالغ من العمر 30 عامًا، وقد جلس أكبر أطفاله الأربعة على ركبته: «فقدتُ مزرعتي في عام 2012، ثم منزلي في عام 2014، وفقدته مرةً ​​أخرى الأسبوع الماضي بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية».

Embed from Getty Images

وأخرج النجار، الذي يعيش بالقرب من الشجاعية شرقي غزة، أطفاله الأربعة من الجحيم عندما تعرض منزله لما وصفه بأنه إصابة مباشرة في الأيام الأولى من القصف. وفروا إلى وسط غزة، الذي اعتقدوا أنه سيكون أكثر أمانًا، حيث خيَّموا في مبنى مشيد جزئيًّا في شارع الوحدة، الطريق الرئيس في مدينة غزة، ويُعد منطقة مدنيَّة مكتظة بالسكان.

وفي ختام التقرير، أوضحت المراسلة أنه في 16 مايو (أيار)، أصابت الغارات الجوية ذلك الشارع، مما أسفر عن مقتل العشرات، بمن فيهم عديد من الأطفال، مما دفع الأسرة إلى الهروب إلى مدرسة الأونروا. يقول سكر برعشة خفيفة تظهر في صوته: «ليس لدي أي فكرة عما أفعله في حياتي. أنا بلا مأوى ومصاب بصدمة ولا أعرف إلى أين آخذ أطفالي». ويتابع: «أظل أسأل نفسي ما الخطأ الذي ارتكبه أطفالي حتى يستحقوا كل هذا؟!».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد