تكَشَّفت بعض الادعاءات عن استخدام الحرب الإلكترونية في الحروب الأخيرة، لكن البعض الآخر أخفق في ذلك.

 نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا للكاتب جيسون كرابتري، الرئيس التنفيذي لشركة «كومبلكس»، وهي شركة تجارية للأمن السيبراني وتحليل المخاطر، تناول فيه الدروس المستفادة من حربي غزة وناغورنو كاراباخ عن مستقبل المعارك في قادم الأيام.

وأشار الكاتب في مستهل مقاله إلى أن الحرب التي دارت رحاها في القوقاز عام 2020، غير المرئية لمعظم الأمريكيين، تسببت في مقتل حوالي 6 آلاف شخص، وإصابة عشرات الآلاف، وتشريد كثيرين آخرين.

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: لماذا سيكون الاتحاد الأوروبي الخاسر الأكبر في حرب أرمينيا وأذربيجان؟

ومن سبتمبر (أيلول) إلى نوفمبر (تشرين الثاني)، اندلعت سلسلة من المعارك العنيفة بين القوات الأذربيجانية المُهاجِمة وأرمينيا، في جبال منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها منذ أمد طويل، الأمر الذي استدعى مشاركة طائرات مقاتلة من تركيا وأنظمة دفاع صاروخية من روسيا في هذه المعارك.

كذلك اقترب القتال على نحو خطير من خط أنابيب النفط الجديد الحيوي بين روسيا وأوروبا. وعندما وضعت الحرب أوزارها، أوُكِلت مهمة الحفاظ على هدنة معقدة إلى عدة آلاف من القوات الروسية، وبدأت الحكومات في مختلف أنحاء العالم في تعلم الدروس الصعبة.

وفي مايو (أيار) من هذا العام، انخرطت إسرائيل وحماس في حرب عنيفة جذبت الأنظار على نطاق واسع واستغرقت 11 يومًا. وأطلقت حماس آلاف الصواريخ على إسرائيل، فأخضعت منظومة الدفاع الصاروخية القبة الحديدية لاختبار ضغط شديد، في حين استخدمت إسرائيل الضربات الجوية الدقيقة، مسترشدة، على حد تعبير الجيش الإسرائيلي، بالتقدم الكبير في علم البيانات والصور والاستخبارات الجغرافية، وجمع المعلومات التقنية.

دروس عن مستقبل الصراعات

ويرى الكاتب أن هذه الصراعات القصيرة تقدم بعض الدروس المؤقتة بشأن مستقبل الحروب، وخاصة في استخدام القوة الجوية، مقاتلات «إف-16» التي أعارَتها تركيا إلى أذربيجان، وأسطول جديد من الطائرات المسيَّرة ضد الجيش الأرميني، ومزاعم إسرائيل أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي لتوجيه الضربات المستهدفة.

ومن المحتمل أن يكون اعتماد أرمينيا على الصواريخ الباليستية الروسية وقاذفات الصواريخ وأنظمة الدفاع ومنصات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع على رأس اهتمامات حلف شمال الأطلسي (الناتو) بسبب ما يعنيه ذلك للاستخدام الروسي في أي صراع مستقبلي مع أوروبا.

ويجدر بالذكر أنه على الرغم من أن كلا الجانبين استثمرَا بكثافة في العمليات المتصلة بالمعلومات، وكانت هناك بعض الدلائل على استخدام الحرب الإلكترونية، فإن الحرب كانت من الطراز القديم كما هو الحال في هذه الأيام، ولا يوجد دليل عام (حتى الآن) على أن الهجمات الإلكترونية أو العمليات المتصلة بالمعلوماتية أحدثت أي فارق كبير في تحديد النتيجة.

Embed from Getty Images

وأضاف الكاتب أن إسرائيل لجأت إلى المدرسة التقليدية: عكست أكبر عملياتها تأثيرًا بصمتها على الفور؛ فقد أعلنت قوات الجيش الإسرائيلي على موقع «تويتر»، أو يبدو أنها أعلنت، أنها تستعد لبدء عملية غزو بري لقطاع غزة. فخرج الضباط العسكريون التابعون لحماس من مخابئهم، وانتقلوا إلى مخابئ أخرى، وكلهم أعين شاخصة وآذان صاغية للإشارات ومنصات الاستطلاع الإسرائيلية.

ومن ثم شرعت إسرائيل في توجيه ضربة قاسية إلى الأهداف المتحركة التي حدَّدتها على هذا النحو. وقد تضرر نظام الأنفاق الذي بنته حماس تحت الأرض، رغم أنه من السابق لأوانه تقييم مدى مرونة البنية الدفاعية لحماس.

دور الطائرات المسيَّرة

وتابع الكاتب قائلًا: منذ الأحداث الأخيرة على طول الخط الحدودي المتنازع عليه في عام 2016، حصَّنت أرمينيا وجودها العسكري تحصينًا كبيرًا. ولكن الإستراتيجية العسكرية لأذربيجان قلَّلت إلى حد كبير من انتشار النيران الأرمينية ونطاقها. ويبدو أن حرب الطائرات المسيَّرة لعبت دورًا كبيرًا من خلال تقليص الميزة الكمية لأرمينيا.

وأرسلت أذربيجان أسرابًا من الطائرات المسيَّرة غير المكلفة إلى حد ما قبل شن الهجمات لجذب الانتباه وتحديد مواقع إطلاق النيران المضادة للطائرات. ولم تستخدم أرمينيا نظامًا متقدمًا مضادًا للطائرات المسيَّرة، الأمر الذي سمح لأذربيجان بعد ذلك بتحديد موقع مدفعية الدفاع الجوي الأرمينية المخفية.

ويقدِّر أحد المحللين، باستخدام الصور المفتوحة المصدر، أن ما يصل إلى 175 قطعة من المعدات العسكرية، معظمها من قاذفات الصواريخ الروسية المتوسطة المدى، قد فقدتها أرمينيا لأن أسراب الطائرات المسيَّرة حددت مواقعها.

وبالقدر نفسه من الأهمية، استخدمت أذربيجان نوعًا مختلفًا من الطائرات المسيَّرة التركية «بيرقدار تي بي2» للكشف عن منظومات الصواريخ الأرض-جو التي انتشرت في جميع أنحاء المناطق الجبلية، ثم تلتها طائرات مسيَّرة إسرائيلية الصنع لتدمير تلك الأهداف، مما حقق الهدف المنشود من كبح الدفاعات الجوية للعدو في وقت مبكر. ولم يسبق أن استخدمت هذه المناورة المزدوجة للبحث والتدمير بالطائرات المسيَّرة في حروب سابقة بهذه الطريقة الناجحة.

ولن يركز حلف الناتو كثيرًا على هذا الدرس، لأن إستراتيجية الدفاع الجوي لأرمينيا وافتقارها إلى هيكل مشترك للدفاع الجوي جعل مهمة أذربيجان سهلة نسبيًّا. وسيكون تحقيق كبح الدفاعات الجوية للعدو في الأراضي الروسية أقل أهمية بكثير.

Embed from Getty Images

ولكن تايوان، من بين بلدان أخرى، سوف تدرس حرب الطائرات المسيَّرة في سياق الدفاع عن الجزيرة ضد غزو ساحلي من الصين، وعلى وجه الخصوص، منع الصين من إنشاء مربط ساحلي فعلي. ولكن الصين أيضًا لن تَعدَم مبررًا لتعزيز استثماراتها في تطبيقات الطائرات المسيَّرة المضادة، وتضمينها في قواتها البحرية والساحلية.

استدعاء القوات الجوية

وألمح الكاتب إلى أن الطائرات المسيَّرة شكَّلت ساحة المعركة في حرب ناغورنو كاراباخ، ولكن بعض المشاة الآلية والخفيفة أعقبت استخدام المسيَّرات. ويفيد عدة محللين بأن أذربيجان استخدمت بالفعل مفارز صغيرة من نوع القوات الخاصة، وكانت تستدعي القوة الجوية بسرعة عند الضرورة. وقد كان هذا تكتيكًا مستعارًا من الغزو الأمريكي المبكر لأفغانستان، عندما كان نجاح اشتباك معين يعتمد على قدرة وحدات التحكم الجوية القتالية باستدعاء قوة النيران الجوية على نحو شبه فوري.

وقد أحرزت أذربيجان تقدمًا على طول خط الصراع باستخدام غارات مستهدفة؛ كانت غالبًا غارات ليلية. وعندما تصبح تقنيات القمع الجوي الأرمنية مرهقة للغاية، تستدعي القوات الأذربيجانية الضربات من صواريخها الباليستية من طراز لورا الإسرائيلية الصنع، المحمية بأمان في الأراضي الأذربيجانية ولكنها دقيقة في حدود 120 قدمًا من هدفها على بعد مئات الأميال.

لكن أرمينيا، التي استعدَّت لحرب استنزاف وصراع موسَّع على غرار حرب التسعينيات من القرن الماضي، لم تكن مستعدة لهجوم متكامل متعدد النطاقات، وقد صممت دفاعاتها لدرء غزو واسع النطاق. وبدلًا من ذلك، أبطلت أذربيجان حجم القوة، وسيطرت على المجال الجوي، وتحركت على نحو دقيق للغاية لاستعادة الإقليم.

غياب الحرب الإلكترونية

ولفت الكاتب إلى أن كل هذا افتقد إلى أي محاولة حقيقية لتلك الكلمة الطنانة الدائمة: الحرب الإلكترونية. وفي خضم الصراع، تبين أن أبرز محاولة للاستغلال السيبراني تمثلت في اختراق أرميني للبريد الإلكتروني للمسؤولين السياسيين الأذربيجانيين. ولم يكن لذلك الاختراق سوى تأثير ضئيل، إن وجد، على القتال ولم يخدم أي غرض رادع. (ردَّت أذربيجان على ذلك الاختراق بإغلاق بعض مواقع الإنترنت الأرمينية).

والأهم من ذلك؛ ولأن أذربيجان خططت لبدء الصراع، فقد قيَّدت الوصول إلى شبكة الإنترنت في المناطق القريبة من منطقة الصراع في كلا الجانبين، مما حرم المدنيين من الحصول على المعلومات الحاسمة، مع إسكات أي عمليات أرمينية عقابية أو سريعة تتصل بالمعلومات.

التوقيت المناسب

ونوَّه الكاتب إلى أن الأرمن في الشتات ينشطون على نحو كبير على وسائل التواصل الاجتماعي وينظمون احتجاجات عالمية ضد الغزو. لكن لم يكن لنشاطهم تأثير يُذكر على الأرجح بالنظر إلى انشغال العالم بجائحة فيروس كورونا المستجد والانتخابات الأمريكية كذلك.

Embed from Getty Images

وقد استخدم كلا الجانبين حساب «تويتر» الحكومي الرسمي لاتهام الطرف الآخر بارتكاب جرائم حرب أو استهداف المدنيين. ومرةً أخرى، أدَّى عدم وجود تركيز إعلامي عالمي على الصراع إلى صعوبة فصل الحقيقة عن الادِّعاءات، أو حتى لفت الانتباه.

وأشارت «بي بي سي» إلى عدة مزاعم مضللة ومبالغ فيها من كلا الجانبين. وانتشرت لقطات أكثر دراماتيكية، عادةً لضربات صاروخية أو من طائرات مسيَّرة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي التقليدية، بل عبر تطبيق «تيك توك» أيضًا.

وفشلت روسيا في تزويد – أو في الحصول على – معلومات استخباراتية بشأن احتضان أذربيجان للحرب الهجينة، على الرغم من أن الكثير من هذا التطور العقائدي لم يكن خفيًّا. وقد يكون من الصعب للغاية التحكم في رواية الحرب عندما تبلغ قدرة الكيانات الجيوسياسية القوية على التركيز حدها الأقصى، وهذا أحد الأسباب التي جعلت الأذربيجانيين قادرين على ادِّعاء النصر دون أن تجد أرمينيا ما يكفي لمواجهة هذا الادِّعاء.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
صواريخ إسرائيل لا تقتل فقط.. أطفال غزة يعانون اضطرابات نفسية وعقلية حادة

وفي إسرائيل، ازداد الوضع السياسي تعقيدًا منذ وقف إطلاق النار، دون أن يكون هناك شعور واضح بوجود رابح أو خاسر، ومن الصعب تقييم المزاعم المتعلقة بالخسائر والأضرار والأهداف المكتملة تقييمًا مستقلًا. ومع ذلك، روَّجت وسائل الإعلام الحكومية المتطورة في إسرائيل لمزاعم استخدامها علم البيانات لمحاولة تقليل الخسائر إلى أدنى حد وتعظيم الآثار.

ومرت الخوارزميات من مركز تنسيق تحت الأرض عبر حِزَم من جميع مصادر المعلومات الاستخبارية التي جمعت على المواقع المستهدفة، حيث حددت أنماطًا غير عادية من السلوك للمراقبين القتاليين، الذين ينقلون بدورهم تلك الأنماط الشاذة إلى الطيارين المقاتلين. (الوحدة 8200 التابعة للجيش الإسرائيلي هي النسخة الإسرائيلية من وكالة الأمن القومي الأمريكية).

وتقول إسرائيل أيضًا إن عمليات تقييم الأضرار والتعقب الآني المتطور للأهداف المتحركة لمواقع إطلاق الصواريخ يجري تغذيته في منظومة القبة الحديدية؛ مما منح إسرائيل دقائق ثمينة لتوجيه نظامها لاعتراض الصواريخ التي أطلقتها حماس.

وتقول إسرائيل أيضًا إنها اكتشفت، من خلال الاستخبارات، أن حماس كانت تستخدم برجًا إداريًّا لمحاولة التشويش على القبة الحديدية، دون نجاح. وبطبيعة الحال، ستُراجَع هذه الادعاءات وتُدقَّق كلما توفرت المزيد من المعلومات عن الصراع. (أثارت الأعمال الاستباقية التي تنفذها إسرائيل، والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، الانتقادات لانتهاكها حقوق الخصوصية للفلسطينيين الأبرياء).

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن بعض الدروس، رغم ذلك، تبدو واضحة. ولم يكن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي المزهُو بنفسه يتوقع كمية الذخائر التي تمكنت حماس من تهريبها أو صنعها في السنوات السبع منذ الصراع الأخير. لكن القبة الحديدية، رغم أنها ليست مثالية، أثبتت فعاليتها على نحو مذهل في حماية السكان الإسرائيليين من مدفعية حماس. وكذلك أثبت النظام الدفاعي الصاروخي القصير المدى، مدى جدواه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد