القطاع  الفلسطيني كان بالفعل في حالة يُرثى لها. وزادت الهجمات الإسرائيلية الأمور سوءًا، وألحقت أضرارًا بالمرافق الصحية ونظام الصرف الصحي، وأدَّت إلى إغلاق المدارس وتشريد عشرات الآلاف.

أعدَّ إياد أبو حويلة، وآدم راسجون، وإيزابيل كيرشنر، ومارك سانتورا تقريرًا نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بشأن الأوضاع في غزة، مُسلطين الضوء على المآسي التي خلقها القصف الإسرائيلي بالطائرات، والذي لم ينجُ منه المدنيون ولا البنية التحتية المدنية التي طالها الدمار، بما فيها المستشفيات والمرافق الصحية، ومرافق الصرف الصحي، والمئات من الوحدات السكنية التي جعلها القصف غير صالحة للسكن.

ويبدأ التقرير بوصف الأوضاع الحالية في غزة حيث دمرت المعركة المستمرة منذ تسعة أيام بين مقاتلي حماس والجيش الإسرائيلي 17 مستشفى وعيادة في غزة، ودمرت مختبر غزة الوحيد لاختبار فيروس كورونا، ودفعت بمياه الصرف الصحي الكريهة الرائحة إلى الشوارع، وحطمت أنابيب المياه التي تخدم 800 ألف شخص على الأقل، مما أدَّى إلى نشوء أزمة إنسانية تمس كل مدني تقريبًا في ذلك الجيب المزدحم الذي يقطنه مليونا شخص تقريبًا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
«المونيتور»: لماذا تلتزم إسرائيل الصمت بشأن مبادرات الوساطة الدولية؟

لقد دُمِّر نظام الصرف الصحي داخل غزة، وتوقفت عن العمل محطة تحلية المياه التي ساعدت في توفير المياه العذبة لـ250 ألف شخص في المنطقة، وتضررت عشرات المدارس أو أغلقت، مما أجبر حوالي 600 ألف طالب على التغيب عن الدراسة. واضطر حوالي 72 ألفًا من سكان غزة إلى الفرار من منازلهم. وقُتِل ما لا يقل عن 213 فلسطينيًّا، من بينهم عشرات الأطفال.

وسلَّط مستوى الدمار والخسائر في الأرواح في غزة الضوءَ على التحدي الإنساني في القطاع، الذي كان يعاني بالفعل من وطأة حصار لا نهاية له من جانب إسرائيل ومصر حتى قبل اندلاع الصراع الأخير.

ومع تفاقم الأزمة، كانت هناك مطالب دولية متزايدة بوقف إطلاق النار يوم الثلاثاء.

ويشير التقرير إلى أن الرئيس بايدن، الذي أيَّد علنًا حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، حذَّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على نحو خاص من أنه لا يستطيع مقاومة الضغوط المتزايدة من المجتمع الدولي والساسة الأمريكيين لمدة أطول، وفقًا لشخصين مطلعين على المكالمة. وألمحت الرسالة الخاصة إلى حد زمني لقدرة بايدن على توفير غطاء دبلوماسي للأعمال التي ترتكبها إسرائيل.

الاتحاد الأوروبي يطالب بوقف إطلاق النار

وألمح التقرير إلى دعوة جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي، باستثناء دولة واحدة هي المجر، إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار في اجتماع طارئ يوم الثلاثاء. لقد أيدوا بيانًا يدين الهجمات الصاروخية من جانب حماس ويدعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، لكنهم حذَّروا أيضًا من أنه «يجب أن يتم ذلك بطريقة متناسبة ومع احترام للقانون الإنساني الدولي»، وفقًا لكبير مسؤولي السياسة الخارجية في الكتلة الأوروبية، جوزيب بوريل فونتيليس.

Embed from Getty Images

وانخرطت إسرائيل وحماس في مفاوضات لوقف إطلاق النار بوساطة من مصر وقطر والأمم المتحدة، لكن لم يُعلن عن أي تقدم يوم الثلاثاء؛ إذ واصلت الطائرات الإسرائيلية قصف غزة بالصواريخ، وأطلقت حماس وبعض الجماعات التابعة لها صواريخ على إسرائيل.

وقُتل ما لا يقل عن 12 مواطنًا إسرائيليًّا في الصراع. وقالت الشرطة الإسرائيلية إن آخر الضحايا كانوا مواطنين تايلانديين اثنين أصيبا بصاروخ بعد ظهر الثلاثاء سقط على موقع لتعبئة المواد الغذائية.

أكبر الاحتجاجات الجماعية في الذاكرة الحية

ويمضي التقرير إلى أنه داخل إسرائيل والأراضي المحتلة، نظم الفلسطينيون واحدة من أكبر الاحتجاجات الجماعية في الذاكرة الحية. وشارك مئات الآلاف من الفلسطينيين في إضراب عام في غزة والضفة الغربية وداخل إسرائيل، احتجاجًا على حرب غزة والاحتلال الإسرائيلي والتمييز والعنف ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وطرد الفلسطينيين من منازلهم في القدس.

وبدأت المظاهرات سلمية لكنها أدَّت إلى اشتباكات في بعض الأماكن في الضفة الغربية. وقال مسؤولون إن مجموعة من الفلسطينيين، كانوا قد تجمعوا على نحو منفصل عن المتظاهرين، خارج رام الله أشعلت حرائق في طريق رئيس ثم تبادلوا إطلاق النار مع جنود إسرائيليين، لينتهي الأمر بمقتل ثلاثة فلسطينيين.

وألحقت نيران الصواريخ من المقاتلين الفلسطينيين أضرارًا بالبنية التحتية الإسرائيلية، كما ألحقت أضرارًا بأنابيب الغاز، وأوقفت العمليات في منصة حفر للغاز ومطارين إسرائيليين رئيسين.

لكن الضرر الذي لحق بإسرائيل لا يضاهى بالضرر الذي لحق بغزة.

حتى المرافق الصحية لم تنجُ من القصف

وأفاد التقرير أنه حتى مساء الاثنين، كانت عيادة الرمال في وسط مدينة غزة تضم المختبر الوحيد لفحص فيروس كورونا في غزة. وكان الأطباء والممرضات هناك يقدمون مئات اللقاحات والوصفات الطبية والفحوصات يوميًّا لأكثر من ثلاثة آلاف مريض.

لكن عندما أقبل ليل الاثنين، ضربت غارة جوية إسرائيلية الشارع في الخارج، وطارت شظايا إلى العيادة لتحطم النوافذ والأبواب والأثاث وأجهزة الكمبيوتر، وتحول الغرف إلى أنقاض، وتدمر مختبر الفيروسات.

وأُلغيت التطعيمات وأُرجِئت مواعيد الأطباء. وأغلقت الصيدلية وتوقفت عمليات تسليم الأدوية. وأصيب أكثر من ألف شخص من سكان غزة في الهجوم الإسرائيلي، لذا فإن الأضرار التي لحقت بالمستشفيات والعيادات كانت خطيرة على نحو خاص.

Embed from Getty Images

يقول محمد أبو سمعان، أحد كبار الإداريين في العيادة، يوم الثلاثاء: «في أوقات الحرب يحتاج الناس إلى علاج أكثر من المعتاد. والآن لا يمكننا إعطاء الدواء للناس».

وكان الوضع الإنساني في غزة مزريًا بالفعل قبل الحرب. وتراوح معدل البطالة حول 50%. وتتحكَّم الحكومتان الإسرائيلية والمصرية في ما يدخل إلى القطاع وما يخرج منه، بالإضافة إلى معظم الكهرباء والوقود. وتسيطر إسرائيل أيضًا على سجل المواليد في غزة، والمجال الجوي، والدخول من البحر، والبيانات الخلوية، وتقيد وصول الفلسطينيين إلى الأراضي الزراعية المجاورة للقطاع.

ولم ينكر متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، اللفتنانت كولونيل جوناثان كونريكوس، أن الغارات الجوية الإسرائيلية تسبَّبت في إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية، لكنه قال إن القادة العسكريين الإسرائيليين بذلوا قصارى جهدهم لتجنب ذلك.

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: موظفون في «جوجل» يطالبون الشركة بدعم الفلسطينيين وحماية مناهضة الصهيونية

وقال: «نعم من الواضح أن مرافق الرعاية الصحية، والمساجد والمدارس، ومرافق المياه وما شابهها كلها محددة في نظامنا على أنها بنية تحتية حسَّاسة يجب ألا تُستهدَف وألا تتأثر بنيراننا. ومن الواضح أننا نتخذ الاحتياطات».

ويوضح التقرير أن ارتفاع عدد القتلى المدنيين والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية أثار تساؤلات بشأن مدى التزام إسرائيل بقوانين الحرب الدولية، التي تحظر استهداف المواقع المدنية البحتة وتُحِد من الأضرار الجانبية المقبولة بما يتناسب مع أي ميزة عسكرية.

غزة.. أزمة تتفاقم

ولكن ويليام شاباس، أستاذ القانون الدولي والرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة التي حققت في مزاعم جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة في عام 2014، يقول إن: «التناسب مفهوم شخصي».

ويعمل مقاتلو حماس من خلال شبكة واسعة من الأنفاق تحت غزة. وبينما تُلقي الطائرات الحربية الإسرائيلية القنابل بهدف تدمير تلك الشبكة من الأنفاق، فإن الأشخاص المحاصرين بين الطرفين هم الذين يعانون من أفدح الخسائر.

يقول خبراء قانونيون إن حماس، التي أطلقت أكثر من 3 آلاف صاروخ على مدن وبلدات إسرائيلية، ترتكب ما وصفه التقرير بأنه جرائم حرب، على الرغم من أن أسلحتها أقل فاعلية بكثير، والخسائر التي تُحدِثها أقل بكثير.

وفي جنوب إسرائيل، أغلقت المدارس الواقعة في مرمى صواريخ حماس، وغادر عديد من العائلات المناطق الحدودية. وأضحى دوي صفارات الإنذار، التي تحذر من إطلاق صواريخ قادمة، يتخلل الحياة اليومية في إسرائيل، لا سيما في الجنوب، مما يدفع الإسرائيليين إلى التزام الملاجئ مرارًا وتكرارًا.

لكن  يبدو – بحسب وصف الجريدة الأمريكية – أن هجمات حماس تُسهِم أيضًا في تفاقم الأزمة الإنسانية داخل غزة.

Embed from Getty Images

وفي يوم الثلاثاء، عندما حاولت قافلة مؤلفة من 24 شاحنة تحمل مساعدات دولية تشتد الحاجة إلى دخولها من إسرائيل إلى غزة، تعرضت لقذائف هاون أطلقها مسلحون فلسطينيون، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين ومسؤولين في الأمم المتحدة. ومرت خمس شاحنات فقط من المعبر قبل أن تعود البقية.

وقال مسؤولون إسرائيليون إن الشاحنات كانت تحتوي على معدات طبية وأعلاف للحيوانات وخزانات وقود للاستخدام من قبل المنظمات الدولية في غزة. ومنذ عام 2007، خاضت حماس ثلاثة صراعات رئيسة مع إسرائيل وعدة مناوشات صغيرة. وبعد كل اندلاع لأعمال العنف، تُركت البنية التحتية في غزة في حالة من الدمار.

وتركت الحروب والحصار، وفقًا لتقرير صدر العام الماضي عن الأمم المتحدة، غزة وبها «أعلى معدل بطالة في العالم» وأكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر.

مبان سكنية لم تعد صالحة للسكن

وبحلول يوم الاثنين، دمرت القنابل الإسرائيلية 132 مبنًى سكنيًّا وحوَّلت 316 وحدة سكنية إلى أماكن غير صالحة للسكن، وفقًا لوزارة الإسكان في غزة. وقالت وزارة الصحة إن إحدى الضربات الجوية دمرت بالأساس مركز هالة الشوا الطبي في شمال غزة، والذي يقدم أيضًا خدمات الرعاية الصحية الأولية واللقاحات، بينما دمَّرت ضربة أخرى أربع سيارات إسعاف قريبة.

يقول عبد السلام صباح، مدير مستشفيات الوزارة، إن الانفجار الناجم عن غارة جوية ثالثة حطم نوافذ غرف العمليات، مما أجبر العيادة على نقل مرضى الجراحة إلى مستشفيات أخرى. وأضاف أن غارة جوية منفصلة تسببت في بعض الأضرار الهيكلية للمستشفى الإندونيسي القريب. وتطايرت شظية إلى غرفة الطوارئ في مستشفى العيون بغزة، مما أدَّى إلى إصابة ممرضة، على حد قوله.

هجوم بربري

وقال الدكتور مجدي ضاهر، مدير قسم الطب الوقائي في الوزارة، إن الغارة على عيادة الرمال في مدينة غزة ألحقت أضرارًا بالمكاتب الإدارية لوزارة الصحة التي تديرها حماس.

وقال ضاهر في مقابلة هاتفية يوم الثلاثاء إن أحد موظفي الوزارة نقل إلى المستشفى وهو في حالة خطيرة بعد أن أصابته شظية في رأسه.

واختتم المراسلون تقريرهم بقول ضاهر: «كان هذا الهجوم بربريًّا. وليس هناك ما يبرر ذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد