نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا للكاتب فيفك وادوا، تناول فيه فرضية تخليق شخص ما لفيروس جديد باستخدام الهندسة الوراثية في معمل صغير مجهز بتكنولوجيا رخيصة ومتاحة على نطاق واسع.

تخليق الفيروسات سيصبح أكثر تهديدًا من الصواريخ النووية

استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى نظرية المؤامرة، مُذكرًا بما اقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19 إما أنه مُصمم عن قصد وإما ناجم عن حادث في مختبر تابع لمعهد ووهان لعلم الفيروسات في الصين. ومن المحتمل أن يكون انطلاق هذا الفيروس ناجم عن حادث، لكن العنصر المُسبب للمرض، كما يوضح تقرير بحثي في مجلة «نيتشر» الطبية على نحو قاطع، ليس مزيجًا من فيروسات معروفة يتوقعها المرء من شيء مصمم في مختبر. وكما قال الباحثون: «إذا كان شخص ما يسعى إلى هندسة فيروس كورونا الجديد بوصفه أحد مسببات الأمراض، لعَمِد إلى صنعه من العمود الفقري لفيروس معروف بأنه يسبب المرض».

ولكن إذا لم تكن الهندسة الوراثية وراء هذه الجائحة، فمن الممكن أن تكون السبب في إطلاق العنان لجائحة قادمة. وبعد أن أدَّى فيروس كورونا المُستجد إلى تركيع الاقتصادات الغربية وانهيارها، يدرك جميع (الحكام) الديكتاتوريين في العالم الآن أن مسببات الأمراض يمكن أن تكون مدمرة مثل الصواريخ النووية. والوضع الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا الأمر لم يعد يتطلب معملًا حكوميًّا مترامي الأطراف لهندسة الفيروس.

إذ إنه بفضل الثورة التكنولوجية الحادثة في مجال الهندسة الوراثية، أصبحت جميع الأدوات اللازمة لتخليق فيروس رخيصة جدًّا وبسيطة ومتاحة بسهولة، بحيث يمكن لأي عالم مارق أو هاكر (مُخترق/مُخرب) بيولوجي في سن طلبة الكلية استخدامها؛ مما يخلق تهديدًا أكبر. أما التجارب التي كان من الممكن إجراؤها لمرة واحدة فقط خلف الجدران المحمية لمختبرات الحكومات والشركات، أصبح من الممكن من الناحية العملية إجراؤها على طاولة المطبخ باستخدام معدات متوفرة على موقع أمازون. ومن ثم، يمكن أن نقول إن الهندسة الوراثية – بكل إمكاناتها لتحقيق الخير والشر – أصبحت متاحة وحقًّا للجميع.

صحة

منذ 3 سنوات
«نيويورك تايمز»: كيف ستصبح الأمراض الوراثية ماضيًا؟ تجربة جديدة ناجحة تشرح لك

تقنية الهندسة الوراثية في متناول الجميع

ينوِّه الكاتب إلى أن خطوة الباحث البيولوجي الأولى كي يصمم فيروسًا تتمثل في الحصول على المعلومات الجينية (الوراثية) لمسبب المرض الموجود – مثل أحد فيروسات كورونا التي تسبب نزلات البرد – والتي يمكن بعد ذلك تغييرها لتخليق شيء أكثر خطورة. وفي سبعينيات القرن الماضي، استغرق تتبع أول تسلسل جيني لما يسمَّى ببكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia coli)، أسابيعَ من الجهد وكلَّف ملايين الدولارات لتحديد حجم العناصر الزوجية لهذه البكتيريا أو اللبنات الأساسية للمعلومات الجينية الخاصة بها فحسب.

ماذا نعرف عن تطور مضادات الفيروسات؟

ولكن اليوم، أصبح من الممكن تتبع تسلسل عدد ثلاثة مليارات زوج (من دي إن إيه – DNA) والتي تشكل الجينوم (المكون الجيني) البشري، وتوضح كيفية بناء وبقاء الكائن البشري (الإنسان)، في غضون ساعات قليلة مقابل حوالي ألف دولار في الولايات المتحدة. أخبرني شون شو (Xun Xu)، الرئيس التنفيذي لشركة أبحاث الجينوم الصينية، مجموعة بيجي (BGI Group)، عبر البريد الإلكتروني أنه يتوقع تقديم (خدمة) تسلسل الجينوم البشري الكامل في محلات السوبر ماركت وعلى الإنترنت مقابل 290 دولارًا تقريبًا بحلول نهاية هذا العام.

تقنية كريسبر (CRISPR) لتعديل الجينات

يقول الكاتب إن الخطوة التالية في هندسة الفيروس تتمثل في تعديل جينوم مسبب المرض الحالي لتغيير آثاره. وتعمل إحدى التقنيات على وجه الخصوص على تسهيل هندسة أشكال الحياة تقريبًا لتصبح في سهولة تحرير المستندات. وتستخدم تقنية كريسبر (CRISPR) لتعديل الجينات (وتحويرها وتغييرها وتصحيحها وعلاجها)، التي طورت منذ بضع سنوات فقط، الآلية الطبيعية نفسها التي تستخدمها البكتيريا لقص أجزاء من المعلومات الجينية من جينوم واحد وإدخالها في جينوم آخر. وهذه الآلية، التي طورتها البكتيريا على مدى آلاف السنين للدفاع عن نفسها من الفيروسات، تحولت إلى طريقة رخيصة وبسيطة وسريعة لتعديل الحمض النووي لأي كائن حي في المختبر. وإذا كانت تجربة الحمض النووي تطلبت سنوات من الخبرة ومختبرات متطورة وإنفاق ملايين الدولارات، فإن تقنية كريسبر غيرت كل ذلك. ونظرًا إلى أن هذه التقنية رخيصة وسهلة الاستخدام، يستخدمها الآلاف من العلماء في جميع أنحاء العالم لإجراء تجارب على مشروعات تعديل الجينات. ولا تتقيد هذه الأبحاث باللوائح إلى حد كبير؛ لأن واضعي اللوائح والنظم لم يدركوا بعد ما أصبح فجأة ممكنًا.

الصين تتلاعب بالجينات البشرية

وألمح الكاتب إلى أن الصين حققت، بتركيزها على التقدم التكنولوجي دون مراعاة السلامة والأخلاق، أكثر الإنجازات المذهلة. وفي عام 2014م، أعلن العلماء الصينيون أنهم نجحوا في إنتاج القرود المُعدَّلة وراثيًّا في المرحلة الجنينية (داخل الرحم). وفي شهر أبريل (نيسان) عام 2015م، عرضت مجموعة أخرى من الباحثين في الصين تفاصيل أول محاولة على الإطلاق لتعديل جينات جنين بشري. ولما فشلت المحاولة، شعر العالم بالصدمة؛ إذ لم يكن من المفترض أن يحدث هذا على هذا النحو المتعجل.

الهندسة الوراثية - الجينات - الحمض النووي

وفي شهر أبريل عام 2016م، أفادت مجموعة أخرى من الباحثين الصينيين أنهم نجحوا في تعديل جينوم جنين بشري في محاولة لمنحه القدرة على مقاومة عدوى فيروس نقص المناعة البشرية، على الرغم من عدم اكتمال الجنين. ولكن بعد ذلك، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2018م، أعلن الباحث الصيني هي جيانكوي أنه خلَّق أول «أطفال بتقنية كريسبر» – أطفال أصحاء ذوو جين مُعدَّل قبل ولادتهم. وتحدثت صحيفة «بيبولز ديلي» بحماسة عن «الاختراق التاريخي»، ولكن بعد حدوث ضجة عالمية، ألقت السلطات الصينية – التي يزعم أنها دعمت جهوده – القبض عليه وحكمت عليه لاحقًا بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة ارتكاب سلوك غير أخلاقي.

ومن المؤكد أن مجموعة العلماء المارقة في الصين تثير القلق. لكن تكنولوجيا تعديل الجينات أصبحت متاحة للغاية لدرجة رؤية مراهقين يجرون تجارب بالفيروسات. وفي الولايات المتحدة، يمكن لأي شخص يريد البدء في تعديل الجينوم في المرآب الخاص به أن يطلب عبر الإنترنت مجموعة تقنية كريسبر مقابل 169 دولارًا ليتولى بنفسه فعل ما يريد. ويأتي الطلب مصحوبًا بعبارة «كل ما تحتاجه لإجراء تعديلات دقيقة على الجينوم في البكتيريا في المنزل». وفي مقابل 349 دولارًا، تقدم الشركة نفسها أيضًا مجموعة الهندسة البشرية، التي تأتي مع خلايا الكلى الجنينية من زراعة الأنسجة المأخوذة في الأصل من جنين بشري نتيجة إجهاض. وأُعلن أن الشحنة لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، وليس هناك ما يستدعي شحنًا خاصًا أو أكياس ثلج.

تجارب خطيرة دون رادع ودعوة للتوقف

من ناحية أخرى، مكَّنت عينات الحمض النووي التي طلبها فريق في جامعة ألبرتا عبر البريد في عام 2017م من إحياء أحد فيروسات الجدري المنقرضة. ومن غير المعروف إن كان هذا الفيروس المنقرض (جدري الخيل) يؤذي البشر أم لا، لكن الخبراء حذروا من أن العلماء يمكن أن يستخدموا الطريقة نفسها دون معرفة متخصصة تُذكر لإعادة تخليق الجدري – وهو فيروس مروع قُضي عليه أخيرًا في عام 1980 – في غضون ستة أشهر بتكلفة حوالي 100 ألف دولار. ولو استخدم العلماء الكنديون تقنية كريسبر، لكانت تكلفة عملية جدري الخيل انخفضت للغاية.

يقول الكاتب: في كتابي «The Driver in the Driverless Car أو سائق في سيارة بلا سائق»، الذي نُشر قبل إعادة إحياء (جدري الخيل) الكندي والأطفال الصينيين الذين عُدِّلوا جينيًّا، حذرت من مخاطر تعديل الجينات، وتوقعت أنه سيتعين علينا اتخاذ خيارات صعبة بشأن تقييد تقنيات البيولوجيا التركيبية (التخليقية). فهذه التقنيات، عند استخدامها لأغراض جيدة، يمكن أن تساعد في حل مشكلات البشرية – من خلال إيجاد علاج سريع للأمراض، على سبيل المثال. ولكن عندما تستخدم لأغراض شريرة، فإنها يمكن أن تنشر الفساد عالميًّا من النوع الذي نحاربه الآن. وهذا هو السبب في أن كثيرًا من الناس، بمن فيهم أنا، دعوا إلى وقف تعديل الجينات البشرية.

الجني خرج من القمقم

وينبه الكاتب إلى أن الوقف لا ينبغي أن يكون مجرد أمر مؤقت: إذ ينبغي أن تكون هناك معاهدات دولية لمنع استخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات في البشر أو الحيوانات. كان من المفترض أن تمنع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الشركات من بيع مجموعات أدوات تعديل الجينات. ويجب أن تضع الحكومات قيودًا على المعامل مثل تلك الخاصة بجامعة ألبرتا. ونظرًا إلى أنه لم يحدث أي من هذه الشروط، ولم يكن هناك أي ضوابط أو توازنات، فقد فات الآن أوان وقف الانتشار العالمي لهذه التقنيات، وخرج الجني من القمقم.

والآن، الحل الوحيد هو تسريع الجانب الجيد من هذه التقنيات أثناء بناء دفاعاتنا. وكما نشهد مع تطوير لقاحات لمرض كوفيد-19، بات هذا الأمر ممكنًا. وفي الماضي، كان التوصُّل إلى لقاحات للأمراض يستغرق عقودًا. أما الآن، فنحن على الطريق الصحيح للحصول عليها في غضون أشهر، بفضل التقدم في الهندسة الوراثية. واستغرق تطوير لقاحات شركات مودرينا للعقاقير الطبية، وفيزر/ بيوتك، التي وصلت الآن إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، أسابيع فقط لتطويرها. ومن المتصور إمكانية تقليل هذه الأسابيع إلى ساعات بمجرد تطوير التقنيات.

جائحة فيروس كورونا المُستجد بروفة كاملة لما سيأتي

ويضيف الكاتب: يمكننا أيضًا تسريع عملية اختبار اللقاحات والعلاجات، والتي أصبحت أبطأ جزء في دورة التطوير. ولكي تختبر أعدادًا أكبر من عقاقير السرطان المحتملة بسرعة أكبر، على سبيل المثال، تعمل المختبرات في جميع أنحاء العالم على إنشاء مزارع خلوية ثلاثية الأبعاد تسمى «عضويات مشتقة من المريض» من عينات الورم. ونجحت شركة (SEngine Precision Medicine) الرائدة في هذا المجال، في اختبار أكثر من 100 دواء على هذه العضويات، مما أبطل الحاجة إلى استخدام البشر مثل خنازير التجارب الغينية. وأعلن باحثون في معهد ويس (Wyss) التابع لجامعة هارفارد في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2020م أنهم طوروا أول نموذج بشري «لعضو الرئة على شريحة» تشبه بدقة أنسجة العضو البشري المريض ووظائفه.

هل يشهد العالم خروج الهندسة الوراثية عن السيطرة؟

ويعمل المهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على تطوير منصة ميكروفلويديك التي تربط الأنسجة المُهندَسة لأكثر من 10 أعضاء، بما يسمح بتكرار تفاعلات الأعضاء البشرية لأسابيع في كل مرة من أجل قياس تأثيرات الأدوية في أجزاء مختلفة من الجسم. كما طوروا عديدًا من هذه الأنظمة التي يمكن أن تسرِّع الاختبار والعلاج. وكل هذه التقنيات ستقوي دفاعنا البيولوجي على نحو كبير.

ويختم الكاتب قائلًا: ليس هناك حقًّا عودة إلى الوراء لتصحيح أخطاء الماضي، فالجني لا يمكن إعادته إلى القمقم. ويجب أن نتعامل مع جائحة فيروس كورونا المُستجد بوصفها بروفة كاملة لما سيأتي، لسوء الحظ، لا يشمل ذلك الفيروسات التي تأتي من الطبيعة فحسب، بل تشمل أيضًا تلك التي سيُهندسها البشر عن عمد. ويجب أن نتعلم سريعًا بناء أنواع الدفاعات نفسها التي تمتلكها أجهزة الكمبيوتر ضد من يهاجمها. والخير الذي ربما يأتي في النهاية من هذا سيمثل العلاج لجميع الأمراض. أما الشر فمروِّع للغاية لدرجة لا تحتمل التفكير فيه.

علوم

منذ 6 سنوات
7 أسئلة عن الهندسة الوراثية يجب أن تعرف إجاباتها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد