تُوفِّي الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب أمس الجمعة 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 عن عُمرٍ يُناهز 94 عامًا في مدينة هيوستن، حسبما أفاد المتحدث الرسمي باسمه. وعقب خبر الوفاة، نشر موقع «سي.إن.إن» الأمريكي تقريرًا عن أبرز ملامح حياة الرئيس الراحل.

ذكر التقرير أنَّ بوش الأب وُلد في عائلةٍ من نخبة الأمريكيين معتادة على تولي الوظائف العامة، إذ كان نجل عُضوٍ في مجلس الشيوخ، وشارك باعتباره طيارًا حربيًّا في الحرب العالمية الثانية، وكان ينافس في البطولات الرياضية أثناء دراسته الجامعية، وعمل بصناعة النفط في تكساس، وفاز بأحد مقاعد الكونجرس نيابةً عن الحزب الجمهوري، وكان دبلوماسيًا رائدًا، وتولى إدارة وكالة المخابرات المركزية. وبعد فشل حملته في انتخابات الرئاسة عام 1980، شغل منصب نائب الرئيس رونالد ريجان لفترتين متتاليتين، قبل أن يصل إلى قمة السلطة السياسية بفوزه في الانتخابات الرئاسية عام 1988، إثر تغلُّبه على الديمقراطي مايكل دوكاكيس.

وبعد خروجه من البيت الأبيض عام 1992، أصبح بوش الأب سياسيًا مُخضرمًا يحظى باحترام الجميع، ويقفز من الطائرات ليُؤرِّخ إنجازات عيد ميلاده. وللتأكيد على كرم روحه، أقام صداقةً حميمةً -وغير متوقعة- مع الديمقراطي بيل كلينتون، الرجل الذي أنهى مسيرته الرئاسية. وحين أسكته مرض باركنسون عن المشاركة في الحياة العامة، عبَّر بوش الأب عن حس فكاهته بارتداء جواربَ مُخطَّطة مُلوَّنة.

كان بوش الأب متزوجًا من باربرا بوش لثلاثة وسبعين عامًا، لكنَّها رحلت في السابع عشر من أبريل (نيسان) عن عُمرٍ يناهز 92 عامًا. ويشير التقرير إلى أنَّه قبل جنازتها التُقطت صورةٌ لبوش الأب جالسًا على كرسي مُتحرِّكٍ وهو يتأمَّل نعش زوجته المُغطَّى بالزهور، في لحظةٍ لخَّصت علاقتهما الغرامية التي استمرت مدى الحياة.

Embed from Getty Images

كان جورج بوش الأب أول نائب رئيس يُنتخب للرئاسة منذ عام 1836، فضلًا عن كونه ثاني شخصٍ يرى نجله يسير على خطاه ويتولى الرئاسة في تاريخ الولايات المتحدة، حين انتُخِبَ جورج بوش الابن للرئاسة عام 2000.

بالإضافة إلى بوش الابن، الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة، ترك بوش الأب عائلةً كبيرة تتضمن ابنه جيب بوش، مُحافظ فلوريدا السابق ومرشح الانتخابات الرئاسية عام 2016، ونجليه نيل ومارفين، ونجلته دوروثي، علاوةً على 17 من الأحفاد. وتُوفِّيت نجلته روبين في طفولتها بسبب اللوكيميا، وهي المأساة التي أثَّرت في بوش الأب كثيرًا حتى المراحل الأخيرة من حياته. وسيُدفن إلى جوارها هي والسيدة الأولى السابقة داخل مكتبته الرئاسية في مدينة كوليج ستيشن بولاية تكساس.

وأوضح التقرير أنَّ ترتيبات الجنازة ستُعلَن في وقتٍ لاحق، وفقًا لتصريحٍ أدلى به جيم ماكجراث، المُتحدِّث الرسمي باسم بوش الأب.

حين رحل بوش الأب عن منصبه عام 1993، أصبح واحدًا من الرؤساء الذين رفض الناخبون استمرارهم بعد فترةٍ رئاسيةٍ واحدة، لتُكتب النهاية سريعًا لرئاسته التي كانت تعده لها الوظائف العليا التي تولاها طوال حياته المهنية.

خسر بوش الأب أمام كلينتون إثر فشله في تغيير الصورة الذهنية التي ارتسمت في صورة المواطنين عنه، وهي أنَّه شخصٌ أمريكي جامد من الولايات الشمالية لا يدري شيئًا عن معاناة الأمريكيين القاطنين في وسط البلاد خلال فترة التراجع الاقتصادي.

ولكن بمرور الوقت، عُرِفتَ فترته الرئاسية بفطنته في السياسية الخارجية، إذ ترك وراءه إرثًا من الإدارة الحكيمة والموثوقة للشؤون العالمية.

«حرب الخليج»

Embed from Getty Images

بوش الأب وديك تشيني في الذكرى العشرين للحرب.

وفقًا لتقرير «سي. إن. إن»، أدار بوش الأب إلى جانب مستشار الأمن القومي برنت سكوكروفت ووزير الخارجية جيمس بيكر عملية خروجٍ آمنٍ من الحرب الباردة إثر تَفَكُّكِ الإمبراطورية السوفييتية وتوحيد ألمانيا ثم ازدهارها، رغم التشكُّك في تاريخها ودوافعها على نطاقٍ واسعٍ في ذلك الوقت.

وفي اختبارٍ خطيرٍ آخر للسياسة الخارجية، قرر بوش الأب عام 1990 تشكِّيل تحالفٍ دوليٍ مُتنوِّع يضم أكثر من 400 ألف جنديٍ أمريكي لطرد القوات العراقية من الكويت.

وتعهَّد بوش الأب قبل أن يبدأ العمل بخطته الناجحة التي وحَّدت حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين والشرق أوسطيين في حربٍ خاطفة قائلًا: «هذا الأمر لن يستمر. هذا العدوان بحق الكويت لن يستمر».

وحين هُزِمَت القوات العراقية في وقتٍ لاحق، يقول التقرير إنَّ بوش الأب قرَّر ألَّا يتقدَّم في اتجاه بغداد لإطاحة صدام حسين. وبرهنت تلك الغريزة في ما بعد على بصيرتها، بالنظر إلى كم الدماء والموارد التي تكبَّدتها الولايات المتحدة خلال الحرب التي شنَّها نجله ضد العراق.

وتُعَدُّ حرب الخليج في التسعينيات المرة الأولى التي يشهد فيها العالم الطفرات الهائلة في الأسلحة الدقيقة التي تستخدمها القوات الأمريكية، وبدأت بعدها حقبةٌ وجيزة من الهيمنة الأمريكية دون منازع بعد تراجع ثقة العالم في الجيش الأمريكي عقب حرب فيتنام.

وقُبيل ذلك، أصدر بوش الأب أيضًا أوامره للجنود الأمريكيين باجتياح بنما إثر مقتل أحد أفراد القوات البحرية خارج خدمته على يد القوات الموالية للديكتاتور مانويل نورييجا. وسرعان ما تغلَّبت القوة الأمريكية على رجال نورييجا، وأُطيح من الحُكم في أربعة أيامٍ فقط، قبل أن يُحكم عليه بالسجن 40 عامًا داخل سجنٍ فيدرالي أمريكيٍ في وقتٍ لاحق بتهمٍ تتعلَّق بالمخدرات.

واتسم بوش الأب أيضًا بالحرص الشديد فيما يتعلَّق بالصين، إذ فرض عليها عقوباتٍ في أعقاب حملةٍ قمعية شنتها الحكومة عام 1989 لوقف مظاهرات ساحة تيانانمن في بكين، لكنَّه سعى أيضًا إلى الحيلولة دون حدوث شرخٍ دائمٍ في العلاقات. وخلال ولايته أيضًا، تبنَّت واشنطن أولى المساعي الدبلوماسية بين إسرائيل والفلسطينيين، والتي أدَّت بدورها إلى توقيع اتفاقيات أوسلو في عهد كلينتون.

الانطباع السائد بانعزاله عن شعبه

لكن يوضح التقرير أنَّ نجاح بوش الأب في القضايا الخارجية تحوَّل إلى عبءٍ يُثقل كاهله في الداخل. إذ تَوَلَّد انطباعٌ لدى الناخبين بأنَّه يهتم بالتبختر على المسرح العالمي أكثر من معاناتهم الاقتصادية.

ويتلخَّص فشله في التواصل مع شعبه في واقعةٍ أثارت السخرية على نطاقٍ واسع، حين انبهر بآلة مسحٍ ضوئيٍ داخل أحد المتاجر خلال حملة إعادة انتخابه عام 1992.

وحتى يومنا هذا، يرى المُساعدون السابقون لبوش الأب أنَّ سمعته تضررت بسبب تقريرٍ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن الواقعة، ويقولون إنَّ ذلك التقرير كان نتيجةً لسوء تفسيرٍ لتقريرٍ صحفي مشترك.

وذكر تقرير «سي. إن. إن» واقعةً أخرى فاقم بوش الأب فيها فكرة انعزاله عن شعبه، حين سألته امرأةٌ عن تأثير الوضع الاقتصادي المتدهور عليه في نقاشٍ مع المواطنين، وكانت إجابته أن نظر إلى ساعته ثم أجاب إجابةً طويلة غير واضحة.

وتعرَّض بوش الأب لانتقاداتٍ واسعةٍ بسبب افتقاره لفلسفةٍ سياسيةٍ شاملة، وهي التهمة التي شجبها كثيرًا، وكان يشعر بالحنق تجاهها كما اتضح في حديثه مع أحد أصدقائه حين كانا يتناقشان بشأن عدم امتلاكه «رؤيةً» شاملة، حسبما ورد في تقريرٍ بمجلة «تايم» الأمريكية نُشِر عام 1987.

«اقرؤوا شفتاي»

أحد الأسباب الأخرى التي ذكرها التقرير لفشل بوش الأب في تولي الرئاسة لفترةٍ ثانية هو تدهور علاقته بمحافظي الحزب الجمهوري حين لم يتمكن من تحقيق وعده الشهير في مؤتمر الحزب الجمهوري عام 1988: «اقرؤوا شفتاي: لا ضرائب جديدة».

وفي يوم الانتخابات، تشتَّتت أصوات اليمين المُعتدل بسبب المرشح المستقل ورجل الأعمال الملياردير روس بيروت، وفاز بوش الأب بأصوات 18 ولايةً فقط ونحو 37% من إجمالي الأصوات.

من عدة نواحٍ، دفع بوش الأب ثمن تدنِّي مهاراته في تقديم نفسه. وحتى قبل حملته الرئاسية عام 1988، طُرِحَت تساؤلاتٌ عديدة بشأن جلده السياسي. إذ نشرت مجلة «نيوزويك»، التي كانت تمتلك نفوذًا واسعًا في التأثير على خطاب وسائل الإعلام السياسية قُبيل ظهور الشبكات الاجتماعية، مقالةً ظهرت على غلافها تتساءل عما إذا كان الرئيس مُطوَّقًا نتيجة «عامل الجُبن».

وفي الخطاب الرئيسي الذي ألقته آن ريتشاردز، أمينة خزانة ولاية تكساس حينها، خلال مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1988، سخرت من نشأة بوش الأب وأسلوبه السياسي معقود اللسان، مُتهكِّمةً بأنه «وُلِد بقدمٍ من فضةٍ في فمه».

وتحوَّلت وقائع أخرى في رئاسة بوش الأب إلى جزءٍ من الثقافة الشعبية. يذكر التقرير أنَّه في إحدى المناسبات أثار الذعر لفترةٍ وجيزة حين انهار أثناء حفل عشاءٍ رسميٍ في اليابان. وعزا السبب في ذلك الحرج إلى مرضٍ معوي. وفي عام 1990، حظر البروكلي على الطائرة الرئاسية، قائلًا إنَّه يكرهه منذ طفولته.

حافظ على صمته العلني بوصفه رجل دولة مُخضرم

يذكر التقرير أنَّ بوش الأب اختفى عن الأنظار خلال سنوات كلينتون، لكنَّه عاد إلى الأضواء مرةً أخرى حين ترشَّح نجله للرئاسة عام 2000، وتحوَّل إلى موضوعٍ للعديد من التحليلات النفسية التي يجريها الهواة.

Embed from Getty Images

بوش الأبن وهو يلقي خطاب تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة وبجواره والده بوش الأب الرئيس السابق.

 

وبوصول نجله إلى السلطة، أُصيب أولئك الذين يتوقعون عودة أساليب بوش الأب بخيبة الأمل. إذ استجاب الرئيس الجديد لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) برفض النزعة الأُمَمِيَّة التي انتهجها والده واعتناق عقيدة الحرب الاستباقية التي ينتهجها المُحافظون الجُدد.

وانتشرت تكهُّناتٌ عديدةٌ حول رأي بوش الأب بشأن تصرفات نجله في العراق، وخاصةً إثر توجيه مساعديه في السياسة الخارجية انتقاداتٍ علنيةٍ لسياسة الولايات المتحدة في ذلك الوقت.

لكنَّ بوش الأب حافظ على صمته العلني وفقًا للتقرير، رغم ثورة غضبه حين وصف الديمقراطيون جورج بوش الابن بالـ«كاذب» خلال حملة إعادة انتخابه عام 2004.

وشعر بآلامٍ شخصية عميقة بعد الهجوم على نجله الآخر جيب، الذي خاض معركةً طاحنةً في الانتخابات التمهيدية عام 2016 ضد دونالد ترامب، المرشح النهائي للحزب الجمهوري في الانتخابات ذلك العام والرئيس الحالي للولايات المتحدة. وأفادت المصادر أنَّ بوش الأب صوَّت لصالح هيلاري كلينتون، منافسة ترامب الديمقراطية.

وبحسب التقرير إنَّ الرئيسين السابقين الأب والابن اتصلا لتهنئة ترامب بمجرد فوز رجل الأعمال النيويوركي على كلينتون. وفي واحدةٍ من أواخر أفعاله السياسية، كتب بوش الأب خطاب اعتذارٍ إلى ترامب على عدم قدرته على حضور حفل تنصيب الأخير بسبب سوء حالته الصحية.

ومن مُختلف النواحي، مثَّلت الانتخابات شديدة الانقسام وحادة اللهجة عام 2016 نهايةً موجعةً للسياسات اللطيفة وقديمة الطراز التي انتهجها جورج بوش الأب، الذي اعتاد حتى مرحلةٍ مُتأخرةٍ من حياتها على ترك مُلاحظاتٍ بخط يده لأصدقائه وحلفائه السياسيين وأعدائه السابقين، فضلًا عن المراسلين الذين غَطَّوا فترة رئاسته. وكانت تربطه علاقة صداقة بعددٍ من الديمقراطيين، ما يجعل وفاته تَذْكِرَةً بحقبةٍ سياسية اتسمت بقدرٍ أكبر من الكياسة في واشنطن.

بطلٌ من الحرب العالمية الثانية يتحوَّلُ إلى مُنقِّبٍ عن النفط في تكساس

وُلِدَ جورج بوش الأب في 12 يونيو (حزيران) 1924 بولاية ماساتشوستس للزوجين دوروثي وبريسكوت بوش، المصرفي الثري في وول ستريت الذي أصبح في ما بعد عضوًا بمجلس الشيوخ.

أصبح بوش الأب أصغر طيَّارٍ بحريٍ في سن الثامنة عشر في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربور، وحلَّق في مهماتٍ قتاليةٍ انطلقت من حاملة الطائرات يو إس إس سان جاسينتو. وبوصفه طيارًا في حرب المحيط الهادئ، شارك بوش الأب في 58 مهمة قتالية، ونال وسام صليب الطيران الفخري وفقًا لوكالة «سي إن إن».

Embed from Getty Images

جورج بوش الأب وسط طاقم حاملة الطائرات يو إس إس سان جاسينتو.

ويذكر التقرير أنَّه كاد أن يفقد حياته خلال إحدى المهمات في سبتمبر عام 1944. حيث هاجم الجناح الجوي لبوش الأب محطةً إذاعيةً على جزيرة شيشي جيما الصغيرة التي يُسيطر عليها اليابانيون. وأثناء الغارة، أُصيبت طائرة بوش الأب واشتعلت ألسنة اللهب في قمرة القيادة، فأمر الطاقم بالتخلِّي عن الطائرة. ولم يُعثر على جثث أفراد طاقمه تيد وايت وجون ديلاني. أما بوش الأب، الذي جَدَّف داخل طوف الإنقاذ بيأسٍ مُبتعدًا عن الشاطئ والقوارب اليابانية التي أُرسلت لأسره، فقد أنقذته غواصةٌ أمريكيةٌ بأُعجوبة.

واستغرق عقودًا حتى تمكَّن من الحديث علنًا عن تجاربه في الحرب.

وقال بوش الأب في تصريحٍ لشبكة «سي. إن. إن» عام 2003: «كان الأمر جزءًا من واجبي. يقول الناس إنَّني (بطل حرب). كيف يُعتبر الرجل الذي أُسقِطَت طائرته بطلًا، ولا يعد الآخر الذي كان جيدًا بما فيه الكفاية ليحمي طائرته من الأبطال؟».

وفي أيامه الأخيرة، أطلقت البحرية اسمه على حاملة طائراتٍ من طراز نيمتز عرفانًا ببطولته.

ويتابع التقرير أنَّه بعد عودته من المحيط الهادئ، التحق بوش الأب بجامعة ييل، حيثُ كان رياضيًا بارزًا، قبل أن ينتقل إلى الغرب مع زوجته الجديدة باربرا بيرس، ليصبح واحدًا من أوائل المُنقِّبين عن النفط في تكساس.

وبحلول منتصف الستينيات، نادته السياسة، ولبَّى بوش الأب النداء بالترشُّح لمقعدٍ في مجلس الشيوخ الأمريكي، لكنَّه خسر الانتخابات. وفي عام 1966، بدأ مسيرته السياسية إثر فوزه بمقعدٍ في مجلس النواب.

واختاره الرئيس ريتشارد نيكسون ليشغل منصب مبعوثٍ للأمم المتحدة، قبل أن يُصبح رئيس اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري أثناء فضيحة ووترجيت.

ويذكر التقرير أنَّه أصبح بعدها واحدًا من أبرز الغربيين القلائل الذين دخلوا الصين، والتي كانت مُغلقةً في وجه الغرباء لعقودٍ طويلة. حيثُ ترأَّس مكتب التواصل مع الولايات المتحدة في بكين، الذي سبق افتتاح السفارة الأمريكية. وسرد تفاصيل تجربته التي شملت رحلاتٍ إلى الريف الصيني بالدراجات لاحقًا في مُذكِّراته التي نُشرت عام 2008.

Embed from Getty Images

بوش الأب في زيارةٍ إلى الصين بعد توليه الرئاسة.

وفي عام 1976، عُيِّن بوش الأب رئيسًا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. ورغم أنَّه لم يستمر في منصبه لأكثر من عام، لكنَّه ترك أثرًا طيبًا في الوكالة لدرجة أنَّهم أطلقوا اسمه على مقرها في لانجلي بولاية فيرجينيا بعد ذلك، وصرَّح لاحقًا بأنَّ تلك الوظيفة كانت وظيفته المفضلة.

وفي عام 1980، ترشَّح بوش الأب لرئاسة الولايات المتحدة منافسًا حاكم ولاية كاليفورنيا السابق رونالد ريجان في الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري، ومُهاجمًا ما وصفه بـ«سياسة اقتصاد الفودو» التي ينتهجها مُنافسه.

وإثر حملةٍ انتخابية اتسمت بالضغينة في كثيرٍ من الأحيان، فاز ريجان. وبعد أن فكَّر لفترةٍ وجيزةٍ في تعيين الرئيس السابق جيرالد فورد نائبًا له، سلَّم ريجان منصب نائب الرئيس لبوش الأب.

«لا أتصنَّع حُبِّي لبلادي»

ومع استعداد ريجان لترك منصبه عام 1989 وشعبيته في أعلى مستوياتها، كان بوش الأب في وضعٍ مثاليٍ للفوز بالترشيح والرئاسة.

وقال في خطابه الذي ألقاه عام 1988 أمام مؤتمر الحزب الجمهوري: «ربما لا أكون شخصًا بليغًا، لكنَّني تعلَّمتُ في وقتٍ مبكرٍ من حياتي أن البلاغة لن تُخرِج النفط من باطن الأرض. ربما أكون غريبًا بعض الشيء، لكنِّي لا أتصنَّع حبي لبلادي. أنا رجل هادئ، لكنَّني أسمع الرجال الهادئين الذين لا يسمعهم أحدٌ غيري».

وتعهَّد بالقتال من أجل «أمريكا أفضل، ومن أجل حُلِمٍ دائمٍ بلا نهاية، ومن أجل ألف نقطة ضوء».

ويرى التقرير أنَّه من المثير للسخرية أنَّ كثيرًا من الأمريكيين لم يبدأوا إدراك بعض سماته الشخصية التي ربما كانت ستساعده على الفوز برئاسةٍ ثانية إلا بعد أن أصبح في مرحلةٍ مُتقدمةٍ من التقاعد.

وفي رفضٍ واضحٍ للتسلِّيم بتقدُّمِه في العمر، احتفل بوش الأب بعيد ميلاده الخامس والسبعين والثمانين والتسعين بالقفز بالمظلة من الطائرة، وذهب ريع تلك الأحداث إلى الأعمال الخيرية. وشملت القضايا الرئيسية التي تبنَّاها: الجهل وأبحاث السرطان والتطوُّع، وجمع مع زوجته باربرا بوش تبرعاتٍ للأعمال الخيرية تتخطى مليار دولار أمريكي في السنوات التي تلت عمله داخل البيت الأبيض.

Embed from Getty Images

جورج بوش الأب في احتفاله بعيد ميلاده الثمانين.

وأصبح صديقًا مُقربًا لكلينتون إثر عملهما معًا في أعقاب «كارثة تسونامي الآسيوية» عام 2004 وإعصار كاترينا في العام التالي وفقًا لوكالة «سي إن إن».

وقال كلينتون عام 2011 عن عملهما معًا: «لقد كانت تجربةً رائعة. أصبحتُ حرفيًا أحب ذلك الرجل، الذي أُعجبت به واحترمته دومًا وترشَّحت ضده».

وقرَّر الرئيس باراك أوباما منح بوش الأب وسام الحرية الرئاسي في العام نفسه.

لم يبتعد عن السياسة تمامًا

يتابع التقرير أنَّه رغم حياته الحافلة، أبقت نوبات المرض وتَقدُّم العمر على بوش الأب بعيدًا عن دائرة الضوء في السنوات الأخيرة، ونادرًا ما كان يُدلي بتصريحاتٍ علنية.

لكنَّه، في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، كان من بين الحضور على كرسيٍ مُتحركٍ أثناء إصدار جورج بوش الابن لسيرته الذاتية التي تحمل عنوان «41: A Portrait of My Father».

وقال بوش الابن في تأثُّر: «أردتُ أن يكون أبي على قيد الحياة» حين يصدر الكتاب.

Embed from Getty Images

بوش الأب يلوح للجمهور في أثناء حديث ابنه عن الكتاب.

يذكر التقرير أن في عام 2017، اتهمن العديد من النساء بوش الأب بلمسهن بطريقة غير لائقةٍ أثناء جلسات التصوير، وهو ما دفع المتحدث باسمه إلى إصدار تصريحٍ قال فيه إنَّه «في بعض الأحيان، اعتاد بوش على التربيت على مؤخرات النساء بطريقةٍ انتوى أن تكون ودية» واعتذر «لأي شخصٍ أساءت له تلك التصرفات».

ويختتم التقرير بالحديث عن حالته الصحية في السنوات الأخيرة. ويذكر التقرير أنَّ بوش الأب كشف قبل عدَّة سنواتٍ عن إصابته بمرض باركنسون، وجعله المرض غير قادرٍ على المشي. وبدأ في استخدام كرسيٍ متحركٍ أو دراجة بخارية. وعانى العديد من المشاكل الصحية في حياته. إذ نُقل إلى المستشفى في ديسمبر (كانون الأول) عام 2014 في ما وصفه مساعدوه بأنَّه إجراءٌ احترازي في أعقاب معاناته من ضيقٍ في التنفس. وفي يوليو (تموز) التالي، سقط مغشيًا عليه داخل منزلٍ في بلدة كينبونكبورت بولاية مين، وتسببت السقطة في كسر الفقرة العنقية الثانية (C2) من عموده الفقري. لكنَّ المتحدِّث باسمه نفى في ذلك الوقت أن تكون الإصابة قد أسفرت عن أي مشاكلَ عصبية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!