1,162

نشرت «الجارديان» البريطانية مقالًا كتبه «فينتان أوتول» محرر مساعد في «تايم» الأيرلندية، وحائز على جائزة أورويل للصحافة عام 2017. يحاول «فينتان» تفنيد الأوضاع التي أدت لمثل حريق برج جرينفيل المشين، لكنه لا يفند الأسباب الاقتصادية أو الخلل في البناء، إنما يفند ما كشفه الحادث من خللِ التفاخر الفارغ بالقومية الإنجليزية؛ فكما وصفها هي قومية وقعت الآن في فراغ التعريف السالِب لنفسِها ولهويتِها، قومية وقعت في فخ الفخر فالتفاخر ثم الخزي. ويتساءل هل تعود إنجلترا الآن إلى إنجلترا أورويل في رواية «الطريق إلى ويجان بير»، أم تستفيد من أصالة فكرة أورويل عن الطابع الإنجليزي فتُنقذ نفسها وهويتها. وفيما يلي الترجمة الكاملة لمقال أوتول:

«أن تفوز بجائزةٍ صحافية تحمل اسم الأديب «جورج أورويل» فَخرٌ لأي صحفي. لكن كان من المستحيل أن أتسلم تلك الجائزة في مدينةٍ تناضل من أجل أن تتكيف مع ما عايشته من أهوال حادث برج جرينفيل، دون أن أُجبَر على التفكير في العلاقة بين الفخر والخزي.

أيضًا، اضطرني ذلك للتدبر في الطابع الإنجليزي الذي دافع عنه أورويل وسانده، والحاجة الملحة لاستعادته الآن. فإن أعماله ما تزال تبرز وفوق كل شيء أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الفخر القومي والتفاخر القومي الفارغ. إن كان بريكست أحد لحظات التفاخر القومي الإنجليزي الفارغ، فلطالما عَرِف أورويل أن فخر الأمة الإنجليزية مجبول على أن يبدأ بالشعور بالخزي أولًا، أن يبدأ بغضبٍ عارمٍ من عار المجتمع الذي تعامل مع حياة بعض الناس كما لو كانت بلا قيمة، لمجرد عدم امتلاكهم المال الكافي لتكون حياتهم ذات أهمية.

«إن أمةً سمحت بوجود بناء مثل برج جرينفيل، هي أمة فقدت أدنى إحساس بالخزي، والذي بدونه يتلاشى أي فخر قومي أصلي»

ولعل أصداء اسم أورويل تتردد حول العالم لأنه يبدو إنجليزيًّا بشكل عميق وأصيل ورائع ومتميز، أو على الأقل هو كذلك في نظر الغرباء مثلي. فهو يُمَثِّل العرف والتقاليد الإنجليزية بكل سماتها المتشككة، والقائمة على المساواة والعقلية المستقلة، فضلاً عن غرابتها الخلابة؛ فهو عرفٌ جديرٌ بفخر أي أمة. إن إنجلترا في أمس الحاجة له الآن وكذلك القارة الأوروبية برمتها.

إلا أن الحس الوطني لجورج أورويل لم يكن متجذرًا من قبيل «التفاخر، والتلويح بالأعلام، وتسييد بريطانيا» الذي حقَّره، ولم يكن لحسه الوطني علاقة بالتفكير الرغبوي في العظمة والكمال القومي. لو كان أورويل حاضرًا الآن، لكان بمقدوره معرفة كم الأموال التي تم توفيرها جراء استخدام بلاط عازل رخيص قابل للاشتعال في طوابق المبنى؛ فقد أخبرنا مباشرة في كتابه بعنوان «الطريق إلى ويجان بير» لماذا لم يتم تركيب أنظمة المياه الساخنة في بيوت عمال المناجم: «فإن البَنَّاء ربما يكون قد وفر عشرة جنيهات مقابل كل منزل بناه بتلك الطريقة». لكان كتب عن برج جرينفيل بدقة ووضوح متقد حارق، بل وببرودٍ لا يحاول حتى إخفاء السخط الوحشي المتقد تحته.

إن أمةً سمحت بوجود بناء مثل برج جرينفيل، هي أمة فقدت أدنى إحساس بالخزي، والذي بدونه يتلاشى أي فخر قومي أصلي، وهي نفسها الأمة التي تمهد السبيل للتفاخر الخاوي للبيركست. إن أحد أعظم الأمور التي تبطن حمى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هي عودة تصاعد القومية الإنجليزية –بالطبع هناك مؤيدين لبيركست من ويلز وأيرلندا الشمالية، لكنهم على الهامش غير مؤثرين.

اقرأ أيضًا: عبقري أيرلندا.. حين قاد رجلٌ واحد ثورةً هزمت احتلالًا كاملًا

ليست المشكلة مع القومية الإنجليزية أنها موجودة؛ البريطانيون لديهم الحق في الشعور بقوميتهم كأي أمة أخرى، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أنهم لا يعرفون تحديدًا ما الذي ينبغي أن يكون مدعاة فخرهم. فقد طُمِرت القومية الإنجليزية في مفاهيم أخرى كالإمبراطورية، والمملكة المتحدة، والطابع البريطاني.

عندما لا تستطيع تعريف هويتك بادعاءات موجَبَة انطلاقًا من مقوماتها هي، فإن أسهل طريقة لتعريف هويتك هي الادعاءات السالبة أي بوضع نفسك موقع السلب الكامل لكل ما يمثله الآخر، متمثلة في أن «ما يميزنا هو أننا لسنا الآخرين»، لتصبح مجرد نقيض للآخر على صعيد الرؤى والمواقف والأدوار التي تصورها الآخر لنفسه.

يعد الخروج من الاتحاد الأوروبي -في أغلبه- تعبيرًا عن فكرة الهوية السالبة: الإنجليز ليسوا المهاجرين، وليسوا الأوروبيين كما أنهم ليسوا المخربين أو الأعداء داخل بريطانيا نفسها. فما محصلة ذلك إذًا؟

صورة لا تختلف كثيرًا عن الصورة الكاريكاتورية لجون بول  John Bull -المشهور بتجسيد القومية الإنجليزية- واقفًا على حافة منحدرات دوفر ملوحًا بقبضته تجاه القارِيين -نسبة للقارة الأوروبية- الدمويين. فإن ذلك الفراغ الناتج عن الهوية السالبة ممتلئ بأوهام ما بعد الإمبريالية، وأوهام العظمة ممزوجة بالعدوانية والوقاحة.

لكن إنجلترا أفضل من ذلك، وكذلك الطابع الإنجليزي. ولعل التقدميين كانوا مترددين في التحدث كثيرًا عن الطابع الإنجليزي الأصلي -ربما لأسباب نبيلة، إذ أن فعل ذلك فيه مخاطرة بالوقوع في أوهام البريطانيين البيض الأصليين، والتي بدورها تستبعد كل من لم ينحدر أصله من ألبيون -تسمية أخرى لجزيرة بريطانيا بأكملها والتي وردت في كتابات أرسطو قديمًا ومعناها الجزيرة البيضاء.

لعل جوني روتن –المغني الأيرلندي الإنجليزي- ضرب وترًا حساسًا عندما قام بغناء «لا يوجد مستقبل في حلم إنجلترا»، لكن ربما ينبغي أن يكون هناك مستقبل، بل وأن يكون هناك واقع حاضر للحلم الإنجليزي القاسي والصارم لجورج أورويل، فضلًا عن إنجلترا مغايرة واقعية -على الأقل- بنفس واقعية الصورة الكاريكاتورية البغيضة الآخذة في الصعود الآن.

إن العرف الإنجليزي الجاد –خلاف الهراء- الذي استوطن أورويل، يجمع بين وضوح
الفكرة وصياغتها مصحوبًا بفهم أنه إذا تم التعتيم على بعض الأمور، فذلك
لأن أمرًا مخزيًا يجري. كما أنه عرفٌ يستخدم فكرة الفخر القومي، لا لتعزيز
الغرور الفارغ وخداع الذات، بل لإثارة السخط على ما كل ما هو مخزٍ.

ربما يكون تحقيق ذلك ضربًا من الاختراع، مثله كمثل كل الهويات الجماعية. بل ربما يكون نفسه إلى حد ما تشويه مبالغ فيه، وربما يكون إعادة قولبة صورة نمطية. إذا طلبت من أحد الأجانب –وحتى الكثير من البريطانيين أنفسهم- أن يلخص السلوك الإنجليزي في عبارة واحدة، على الأغلب ستكون «جاد» أو «اللاهراء» . إن أحد الصور النمطية تتمثل العلو في الأرض: فهو شامخ جاهل متغطرس في حالة حرب مع تعقيدات وغموض والتباسات الحقائق المعاصرة. لكن توجد هناك نسخة أفضل مما سبق، تتمثل في التساؤل: ماذا يكون أورويل إن لم يكن العدو الأكبر للهُراء؟ فقد علَّمَنا أن الهراء هو عباءة السلطة، والعنف والاستعباد.

اقرأ أيضًا: «نيويورك تايمز»: عندما أنقذ العالم الإسلامي إنجلترا

جون بول الكاهن يشجع المتمردين بطرح أفكار مشككة

تعد كتاباته النثرية من أشد المناجل حدةً، شُحِذَت كي تستأصل الرياء والأكاذيب التي تُبقي السلطة مُتركِزة في أيدي القِلة، ولا سيما استئصال التعتيم والتشويش الذي يحجب العواقب عن الكثيرين. إلا أنه صاغ ذلك المنجل من مواد إنجليزية أصلية للغاية: عرف من الفكر والتعبير الراديكالي يعود بنا إلى قرون بعيدةً، وصولاً لثورة الفلاحين حين تساءل جون بول John Ball –الكاهن الذي كان له دور مميز في ثورة الفلاحين- العظيم المتشكك «عندما حَفر آدم وعَبرت حواء، من كان السيد النبيل حينها؟!».

إن العرف الإنجليزي الجاد –خلاف الهراء- الذي استوطن أورويل، يجمع بين وضوح الفكرة وصياغتها مصحوبًا بفهم أنه إذا تم التعتيم على بعض الأمور، فذلك لأن أمرًا مخزيًا يجرى. كما أنه عرفٌ يستخدم فكرة الفخر القومي، لا لتعزيز الغرور الفارغ وخداع الذات، بل لإثارة السخط على ما كل ما هو مخزٍ. فإن نثر أورويل يقولها ببساطة: نحن الإنجليزيين أفضلُ من وضع كهذا.

حتى في تلك الأوقات المُخزية، من الضروري أن أقولها باعتباري غريبًا –وذلك باعتباري أيرلنديًا- بوضوح: نعم أنتم كذلك. إن إنجلترا أفضل من أن يتقلص ميدانها العام من الرعاية المتبادلة كما هو الحال الآن، والذي أدي لمأساة برج جرينفيل. إنجلترا أفضل من لعبة طائشة تلعبها طبقة حاكمة بهلوانية، والتي أدت بدورها إلى سياسات المبادرات المضرة بالذات مثل بيركست. إنجلترا أفضل من ذلك الاستعراض الذي تؤديه على الساحة الدولية، ذلك الاستعراض المسرحي المأساوي في هزليته عن أمةٍ لا يملك أحد فيها أي سلطة لمناقشة مستقبلها.

ففي نهاية المطاف، إنجلترا هي البلد حيث نبع أورويل من صميم العرف الإنجليزي، حيث كانت أعراف الصدق والشجاعة والمساواة، والتشكك ما تزال مفعمة بالحياة، بغض النظر عن مظاهرها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك