يرى أورويل، في مقاله الذي كتبه عام 1946 بعنوان Politics and the English language، أنَّ ثمة ارتباطًا وثيقًا بين انحطاط اللغة وانحطاط الفكر. يشبه الأمر لجوء الإنسان الذي يشعر بالفشل إلى إدمان الخمر. الفشل سبب للإدمان، والإدمان سبب للمزيد من الفشل. علاقة تبادلية: سبب ونتيجة في آن. تصبح اللغة قبيحة ومهلهلة بسبب حماقة الأفكار التي تعبر عنها، لكنَّ هذه الرثاثة اللغوية تجعل من السهل على صاحبها أن يصل إلى أفكار حمقاء. تمتلئ اللغة الإنجليزية المعاصرة، بحسب أورويل، بالعديد من العادات الرديئة التي انتشرت بسبب التقليد، والتي يمكن تجنبها إذا توفرت الرغبة في ذلك. ويرى أنه إذا تخلص المتكلم، والكاتب، من هذه العادات فسوف يتمكن من التفكير بوضوح أكثر.

صفتان أساسيتان تميزان اللغة المعاصرة الرديئة: الصور الذهنية المبتذلة، والافتقار للدقة. إما أنَّ الكاتب لديه معنى معين في ذهنه، ولا يستطيع التعبير عنه، أو أنه يخطئ التعبير عن هذا المعنى، أو أنه لا يبالي أصلًا إن كان ثمة معنى لكلامه!

الاستعارات الميتة

تساعدنا الاستعارات والصور المجازية الجديدة على التفكير؛ لأنها تستدعي في الذهن صورًا بصرية، لكنَّ الاستعارة «الميتة» التي استنفدت وظيفتها تفقد قدرتها التحفيزية، ويكون السبب الوحيد لاستخدامها أنها توفر على مستخدمها عناء اختراع صور جديدة. الكثير من هذه الصور المجازية الميتة (التي ضرب لها مثلًا بـ: كعب أخيل، والصيد في المياه العكرة، والوقوف كتفًا إلى كتف… إلخ) تستخدم دون معرفة لمعناها، وعادة ما تستخدم هذه الصور بشكل غير متسق مع المعنى الذي كان مقصودًا بها في المقام الأول، في دلالة بليغة على الكسل العقلي لمستخدم هذه الصور المجازية، وأنه لم يفكر فيما قال، وإنما استخدمها بشكل لا واعٍ.

من الأمور التي ذكرها أورويل في استخدامات اللغة المعاصرة، استخدام كلمات لا معنى لها، خصوصًا في النقد الأدبي. من المعتاد أن تمر بقطع بأكملها منزوعة المعنى. إنَّ كلمات مثل: رومانسي، وبلاستيكي، وإنساني، وشعوري، وطبيعي، وحيوي… إلخ، تستخدم بكثرة في النقد الأدبي، لكنها بلا معنى، إذ لا تشير إلى شيء محدد، ولا يتوقع منها أن تفعل ذلك. مثل أن يكتب أحد النقاد: «إنَّ السمة الأبرز لكتابات السيد فلان تكمن في حيويتها».

أبرز الأمثلة على ذلك كلمة فاشية، التي صارت تعني الآن: الأمر السيئ غير المحبب، وكلمة ديمقراطية. يقول أورويل إنَّ الأمر لا يتوقف على عدم وجود تعريف متفق عليه للديمقراطية، لكنَّ محاولة التعريف ذاتها تواجه مقاومة من جميع الأطراف. الشعور السائد عالميًّا أننا إن وصفنا نظامًا بالديمقراطي فإنَّنا بذلك نمدحه. ومن ثم فكل المدافعين عن الأنظمة يصفونها بذلك، ويخشون من أن يحرموا من استخدام تلك الكلمة لو ربطت بمعنى واحد محدد. كلمات كهذه عادة ما تستخدم بسوء نية مقصودة: يكون للشخص المتكلم تعريفه الخاص لهذه الكلمة، لكنه يسمح للمتلقي أن يظن أنه يقصد شيئًا آخر.

استخدام الصور المجازية والتشبيهات والتعبيرات المبتذلة أمر شديد السهولة، إذ يوفر على مستخدمها المجهود العقلي، على حساب إضفاء الغموض على المعنى، للقارئ وللكاتب على حد سواء. إنَّ الفائدة الوحيدة للصور المجازية استدعاء صور ذهنية، ولكن عندما تتعارض هذه الصور المجازية مع الموقف المستخدمة فيه، فمن الممكن لنا أن نتأكد أنَّ الكاتب لم ير تلك الصورة في ذهنه. يعني بعبارة أخرى أنه لم يفكر أصلًا!

يحذر أورويل من خطورة هذا الأمر. إذ نتج عن استخدام هذه الصور المبتذلة افتراق المعنى عن الكلمات. لدى أولئك الذين يكتبون بتلك الطريقة الملأى بالصور المبتذلة معنى عاطفي ما ــيكرهون شيئًا ما ويريدون التعبير عن تضامنهم مع شيء آخرــ لكنهم ليسوا مهتمين بتفاصيل ما يقولونه. إنَّ الانطباع الذي يأتينا من قراءة هذه الجمل والتعبيرات الآلية المألوفة الشبيهة بقوالب الطوب (يندى لها الجبين، القبضة الحديدية، اليد الملطخة بالدماء، شعوب العالم الحر، التكاتف… إلخ) أنها صدرت من إحدى الماكينات أو آلات لتوليد الكلمات والجمل. ضوضاء تخرج من الحنجرة بمعزل عن المخ. وما كان الحال ليكون هكذا لو كان هذا المتكلم/ الكاتب ينتقي كلماته بنفسه. ولو اعتاد الشخص على أن يلقي الخطبة ذاتها مرارًا وتكرارًا، فإنه لا يصبح واعيًا بما يقول. وهذا النوع من الوعي المختزل شرط ضروري للإذعان السياسي.

يصف أورويل زمانه، بكلام ما يزال صالحًا لزماننا، إذ يقول إنَّ الخطاب والكتابة السياسيين صارا دفاعًا عما لا يمكن الدفاع عنه. إنَّ بشاعات مثل إلقاء القنبلة النووية على اليابان، وحملات التطهير والترحيل الروسية، وغير ذلك من الفظائع يمكن الدفاع عنها، لكن بحجج شديدة الوحشية بالنسبة لأكثر الناس، ولا تتوافق مع الأهداف المعلنة للأحزاب السياسية. ومن ثم تحتاج اللغة السياسية دائمًا إلى التحسينات اللفظية والغموض والإبهام. قصف القرى المسالمة وقتل المواشي وإحراق البيوت بالقنابل الحارقة يسمى سياسة تهدئة. حرمان ملايين الفلاحين من مزارعهم وتشريدهم يسمى نقلًا للسكان، أو تصحيحًا للحدود. سجن الناس لسنوات دون محاكمة، أو اغتيالهم، أو إرسالهم لمعسكرات الاعتقال يسمى تخلصًا من العناصر غير الموثوق بها… إلخ.

مثل هذه الصياغات مطلوبة لو أراد أحدهم أن يسمي أشياءً دون استدعاء صور ذهنية لها. لو أنَّ أستاذًا للغة الإنجليزية، مثلًا، أراد أن يدافع عن الحكم السلطوي الروسي، فلن يمكنه أن يقول صراحة: «إنني أؤمن بضرورة قتل الخصوم طالما سوف يترتب على هذا الفعل نتائج»، لكنه سوف يقول شيئًا على هذه الشاكلة: «مع الاعتراف بإظهار النظام السوفيتي بعض الملامح التي قد يكون المدافعون عن المذهب الإنساني ميالين لإظهار الأسى عليها، إلا أننا ينبغي لنا، بحسب ظني، أن نتفق على أنَّ بعض التقليص من الحق في الاعتراض السياسي هو أمر ملازم للفترات الانتقالية، ولا يمكن تجنبه، وأنَّ الأمور القاسية التي يطالب الشعب الروسي بتحملها مبررة بما يكفي من الأسباب في ضوء الإنجازات الملموسة».

إنَّ هذا الأسلوب المنتفخ نوع من التلطيف. تجميع للمصطلحات الضخمة التي تغطي الحقائق برفق، وتشوش الرؤية، وتغطي كل التفاصيل. إنَّ النفاق هو العدو الأكبر للغة الواضحة. عندما تكون هناك فجوة بين الأهداف الحقيقية والمعلنة لشخص ما، يلجأ المرء، فيما يشبه الغريزة، إلى الكلمات الطويلة، والتعبيرات المستنفدة. في هذا العصر الذي نعيشه لا معنى لعبارة «الابتعاد عن السياسة». كل المواضيع مواضيع سياسية، وهذه السياسة نفسها ليست سوى خليط من الأكاذيب، والمراوغات، والحماقة، والكراهية، وانفصام الشخصية. عندما يكون الجو العام سيئًا، لا بد أن تعاني اللغة. ويقول أورويل إنه يتوقع، دون أن يكون لديه دليل يكفي للتحقق من صحة هذا التوقع، أنَّ اللغات الألمانية والروسية والإيطالية قد تدهورت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة نتيجة للديكتاتورية.

كيف السبيل إلى التغلب على رداءة الكتابة؟

يقول أورويل إنَّ الكاتب ذا الضمير الحي ينبغي أن يسأل نفسه هذه الأسئلة مع كل جملة يكتبها: ما الذي أحاول قوله هنا؟ ما هي الكلمات التي تعبر عن هذا المعنى أحسن تعبير؟ أية صورة أو تعبير سوف يوضح هذا المعنى مزيدًا من الوضوح؟ هل هذه الصورة الذهنية جديدة وطازجة بما يكفي لتحدث هذا الأثر المنشود؟ هل من الممكن لي اختصار هذه الجملة دون إخلال بمعناها؟ هل قلت أي شيء قبيح، من الناحية الجمالية، بشكل يمكن تجنبه؟

إنَّ هذا الاجتياح لعقولنا من قبل العبارات المعدة سلفًا، يمكن منعه لو بذل الواحد منا جهدًا واعيًا، لحماية نفسه منها. إنَّ الكلمات والتعبيرات السخيفة عادة ما تختفي، لا بسبب أية عملية ثورية، ولكن بفضل أقلية من أصحاب الضمير الحي. ويقترح أورويل استخدام السخرية سلاحًا للتسفيه من هذه العبارات المبتذلة. لكنَّ النصيحة الأهم عند الكتابة أن يترك الكاتب للمعنى اختيار الكلمة، لا العكس. إذ إنَّ أسوأ ما يمكن ارتكابه في الكتابة النثرية الاستسلام للكلمات. وربما يكون من الأفضل أن يؤجل الكاتب مهمة اختيار الكلمات قدر الإمكان حتى يتضح المعنى في ذهنه تمام الاتضاح من خلال الصور والأحاسيس، ثم بعد ذلك يختار الكلمات والعبارات المعبرة عن هذه الصور والأحاسيس -لا مجرد أن يقبل هذه الكلمات والعبارات- والتي سوف تغطي المعنى المراد خير تغطية، ثم يفكر في أثر هذه الكلمات التي اختارها على القراء. هذا الجهد الأخير من العقل يؤدي إلى حذف كل الصور المبتذلة أو المرتبكة، وكل العبارات المعدة سلفًا، والتكرارات غير ذات الجدوى، والتعميمات الغامضة الفضفاضة والهراء.

اللغة وسيلة للتعبير عن المعنى لا إخفائه، ووسيلة مساعدة على التفكير لا على منعه. تفضح الكتابة البسيطة، غير المتقعرة، الأفكار الغبية، وتجعلها واضحة للقارئ والكاتب على حد سواء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد