ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية

لفهم المعجزة الألمانية أو المعجزة الاقتصادية لجمهورية ألمانيا الاتحادية كما تشتهر في العالم أجمع التي جعلت ألمانيا تنهض بعد الحرب العالمية الثانية نهوض العنقاء من الرماد لسنا بحاجة إلى اللجوء أو الاعتماد على قوة خارقة للطبيعة. توليفة معينة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية المواتية خلقت بيئة مناسبة في بدايات الحرب الباردة هي التي كانت شرارة البدء لمحرك النمو والتقدم الاقتصادي لبناء ألمانيا الحديثة. يمثل هذه المعجزة شخص واحد فقط وهو لودفيج إيرهات الذي عرض سياسته الاقتصادية التي مهدت الطريق للنهضة الاقتصادية المعجزة في جمهورية ألمانيا الاتحادية.

لودفيغ إيرهارت 1957 ماسكا كتابه "الرخاء للجميع"

لودفيغ إيرهارت 1957 ماسكا كتابه “الرخاء للجميع”

الرجل المناسب والاستراتيجية المناسبة في المكان المناسب والوقت المناسب

لا يمكن الحديث عن المعجزة الاقتصادية في ألمانيا بدون التركيز على مصطلح موضوعي يفرض نفسه ألا وهو اقتصاد السوق الاشتراكي أو الاجتماعي. ظهر هذا المصطلح عندما بدأت الأحزاب الألمانية المؤسسة حديثا بعد الحرب في تكوين وتنسيق مبادئها. مثل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحى بجناحه النقابي القوي الذي وضع الاشتراكية المسيحية نصب عينيه كهدفه الأوحد، والذي وضع مفهوم مصطلح اقتصاد السوق الاشتراكي هو كونراد أدينهاور الذي كان عبارة عن رفض كل الأشكال السابقة للخطط الاقتصادية. كان الهدف هو الوصول لأعلى مستوى من الفوائد الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، يتم تنفيذه من خلال شعب قادر وحر يعمل معا تحت إطار الدولة، وكانت هناك نقطة معينة ربما تكون سببا للفشل وهي سياسة تفكيك مصادر قوة الاقتصاد الألماني التي كانت تنتهجها الدول المحتلة لألمانيا في ذلك الوقت.

لفهم هذه النقطة نأخذ هذا المثال؛ بحلول صيف 1945 كان السوفيت قد هدموا في برلين وحدها منشآت صناعية ومصانع تصل قيمتها ما بين 3.5 إلى 4 مليار مارك ألماني، وهذا يعني سياسة ممنهجة لتدمير وتلف الاقتصاد في ألمانيا الشرقية ولهذا فإن اتحاد النقابات العمالية الألمانية داخل الجزء الواقع تحت الاحتلال السوفيتي لم يهدأ أبدا، حتى في الغرب من ألمانيا جاء رد الفعل هناك على تفكيك الاقتصاد على شكل احتجاجات غاضبة من النقابات والعمال حيث قاطعوا تماما هدم وتفكيك المصانع.

رد الفعل هذا إذا ما نظرنا إليه اليوم يبدو مشهدًا جانبيًا له تأثيراته النفسية والاجتماعية على الشعب في ذلك الحين حيث ساهم في خلق الأساس والقاعدة التي يمكن أن يجتمع حولها رجال الأعمال والعمال والنقابات لسنوات عديدة على الرغم من كل الخلافات والتضارب بين المصالح المشتركة التي يمكن أن تحدث في مثل هذا الموقف، فلم يكن المرء يتخيل أن يرى بعينيه أحيانا سجناء ومعتقلين سابقين في معسكرات الاعتقال كيه زد يجلسون مع أعضاء سابقين في الوحدة الوقائية للنازي إس إس وكان هذا مخالفا للطبيعي المتوقع بعد ما حدث من قبل، وهذا المثال يوضح حقيقة أخرى أن تفجيرات الحلفاء قد تسببت بالفعل في دمار كبير وكانت القدرة والأداء الصناعي على الإنتاج أقل مما يبدو. بتعبير أوضح لم تعد هناك مساكن وبيوت ومصانع، ولكن أساس الإنتاج الصناعي وهو (الإنسان) مازال موجودًا بالفعل.

الخنفساء

السيارة الخنفساء

كانت سيارة الخنفساء علامة مميزة لإعادة البناء الذي حصل في ألمانيا الغربية. السيارة في الصورة صنعت لمرة واحدة احتفالاً بصناعة مليون سيارة خنفساء.

اتخذ لودفيج إيرهارت هذا القرار التاريخي مباشرة قبل البدء في تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية، وذلك من منصبه وزيرًا للاقتصاد مسئولًا عن اقتصاد المنطقة الاتحادية في ألمانيا والتي تشمل المناطق الثلاث المحتلة من قبل الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين بعد تقسيم ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية إلى أربعة أقاليم. أصدر لودفيج إيرهارت في 24 يونيو 1948 القانون الذي يحكم سياسة إدارة وتسعير الإصلاح النقدي، وقد بدأت عملية إصلاح قيمة العملة الألمانية في 20 يونيو، حيث يحصل كل مواطن من سكان الجزء الغربي في ألمانيا على 40 ماركًا ألمانيًا مقابل 40 من مارك الرايخ الذي صدر في عهد هتلر، كان يتم تبديل الوادائع المدخرة رسميا بنسبة عشرة إلى واحد، في الواقع كانت 100 من مارك الرايخ تعادل 6.50 مارك ألماني. وقد أثار هذا استياء الحكومة الأمريكية العسكرية التي قامت بإلغاء 4000 مادة من هذا القانون وتقنينها. وقد أدى هذا إلى شح المواد الغذائية في المتاجر. وفوق ذلك ارتفعت الأسعار جدا لدرجة أن الطبقات المتوسطة الدخل لم تستطع الاستفادة من قانون حرية المستهلك. في نوفمبر 1948 دعت النقابات إلى إضراب عام في كل البلاد.

كانت الأمور تتقدم ببطء في بداية المعجزة الاقتصادية. حيث بلغ معدل البطالة في عام 1950 نسبة 11.4. أدت الحرب الكورية إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وكان ميزان المدفوعات في حالة عجز كبيرة، ولكن إيرهارت والأحزاب الحكومية واصلوا اتباع الخطة الموضوعة والحفاظ على مسارها، في بداية 1951 بدأت تظهر بوادر النجاح حيث كان هناك فائض من التصدير، وفي 1952 ساهم الطلب القوي المتزايد من الخارج للبضائع الألمانية إلى حدوث فائض كبير في الميزان التجاري.

ولا يزال هناك إنجازات أخرى لهذه المعجزة الاقتصادية، لم تكن الجمهورية الاتحادية حتى عام 1955 في حاجة إلى جيش، كما أن الإمبراطورية الاستعمارية السابقة الألمانية كان من المقرر تصفيتها وهذا أدى بالتالي إلى أن الجمهورية الاتحادية عندها الآن عدد كبير من القوى العاملة المتحفزة المؤهلة والمدربة تدريبا عاليا. عندما تم إعادة بناء محطات الإنتاج المدمرة تم ذلك على أحدث التقنيات وأعلى مستويات النمو. وأخيرًا أدت التطورات التي حدثت على الساحة العالمية إلى أن جمهورية ألمانيا الاتحادية أصبحت أولا شريكًا للقوى المنتصرة بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب العالمية الثانية ثم صارت حليفًا مهمًا لهم. استفادت ألمانيا في إعادة بنائها من خطة مارشال الأمريكية، ولم يساهم إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب فقط في وضع أساس الاتحاد الأوروبي اليوم، ولكن ساهم أيضًا استمرار القيود المفروضة على الإنتاج واختفاء الأوضاع  السياسية غير المستقرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد