عرضت اليونان استسلامًا غير مشروط تقريبًا لخطة الإنقاذ الأوروبية، لكن يبدو أن ألمانيا ليست عازمة على القبول بصفقة أقل من «سلام قرطاجي»، بعبارة أخرى صفقة لا تجبر اليونان على الخضوع فحسب، بل تهينها أيضًا.

الدراما التي يمارسها وزراء المالية المجتمعون في بروكسل لمناقشة ما إذا كان عليهم الموافقة على حزمة الإنقاذ الجديدة لليونان أم رفضها، تبدو سخيفة لدرجة يصعب معها تصديق أن هؤلاء الناس هم من يحددون مستقبل أوروبا. ربما لن تعرف هذا من عناوين الأخبار، لكن الحقيقة هي أن اليونان وأوروبا كانوا على مرمى حجر من إتمام الصفقة. اتفق الجانبان على مقدار التقشف الذي على اليونان الالتزام به، ولكنهما اختلفا – على الأقل حتى الخميس الماضي – على الطريقة التي على اليونان أن تطبقه بها ذلك التقشف. العرض الذي أتت به اليونان ليس فقط مطابقًا تقريبًا لما طلبته أوروبا، ولكنه أيضًا مطابق لما رفضه شعبها في الاستفتاء. الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، والذي ساعدت حكومته في وضع العرض، وصفه بأنه جاد ومعتبر. على أقل تقدير، كان يبدو كأساس جيد للمفاوضات الجديدة.

لكن ربما لا. المشكلة هي أن اقتصاد اليونان في وضع أسوأ كثيرًا ممّا كان عليه حتى منذ أسابيع، بحيث أن زيادة الضرائب وخفض الإنفاق اللذين كان من شأنهما توفير فائض في الميزانية بنسبة 1% سابقًا، لن يكون بمقدارهما توفير هذا الفائض اليوم. هذا ما يحدث عندما يسحب البنك المركزي الأوروبي ما يكفي لإغلاق بنوك اليونان مؤقتًا، وذلك لتجنب إغلاقها نهائيًا. لا يمكن للشركات أيضًا الحصول على الائتمان الذي يحتاجونه.

بعبارة أخرى، الاقتصاد بأكمله ينهار. وهذا هو السبب الذي يجعل أوروبا تقدر أن اليونان ستحتاج في الواقع حزمة مساعدات قيمتها 82 مليار يورو، 25% فقط من تلك المساعدات تذهب إلى بنوك اليونان بدلًا من الـ 53.3 مليار التي تطلبها أثينا. إذًا على اليونان أن تمارس تقشفًا يزيد عمّا طلبته أوروبا سابقًا، لتحصل على دعم أكبر من ذاك الذي كانت أوروبا تقترح توفيره فيما مضى.

إذا لم يحدث هذا فربما لن تمنح أوروبا أي أموال لليونان بعد الآن. القصة ببساطة هي أن ألمانيا والدول المعاندة الأخرى لا يثقون في أن حزب «سيريزا» المناهض للتقشف سوف ينفذ بالفعل خططًا تقشفية. لهذا بدلًا من دفع حزمة مالية أخرى تبلغ 60 أو 70 أو 80 مليار يورو، يبدو أنهم يريدون هذه المرة دفع اليونان خارج منطقة العملة الموحدة، على الأقل طبقًا للخطة التي تسربت يوم السبت وهي الآن جزء من الخطة الفعلية التي تناقش يوم الأحد. في الواقع تم تضمين هذه الخطة مبدئيًا في أحدث بيان مشترك لوزراء المالية الاوروبيين. هذا ليس فقط ما تريده ألمانيا، ولكن هو أيضًا ما تحاول إقناع باقي الأوروبيين به.

طبقًا للخطة فإن الطريقة الوحيدة لأن تسمح ألمانيا ببقاء اليونان ضمن منطقة اليورو هي أن تبيع اليونان ما قيمة 50 مليار دولار من الأصول اليونانية القيمة للغاية، وأن تسمح لمراقبين دوليين بالإشراف على خطة الإنقاذ، وأن تلتزم بخفض تلقائي للنفقات في حال تخطت عجز الميزانية المسموح به. عدا ذلك، تريد ألمانيا لليونان أن تبقى لـ 5 سنوات خارج منطقة اليورو، خلال تلك الفترة، يمكنها إعادة هيكلة ديونها وقد تتلقى أيضًا مساعدات إنسانية. الاقتراح بأكمله كان أقل من صفحة واحدة.

في حال أن ثمة من لديه شكوك، فإن هذا عرض لا يمكن لليونان أن تقبله أبدًا. بالتأكيد بيع الأصول قد يؤدي إلى خفض ديون اليونان اليوم، لكنه من شأنه أن يجعل ما تبقى من ديون اليونان صعبًا للغاية في تسديده غدًا. هذه الديون التي طبقًا لصندوق النقد الدولي فإنها غير قابلة للسداد بالفعل. تعرض هكذا خطة عندما تريد لليونان ببساطة أن تقول لا.

لكن هل يعني هذا أن ألمانيا تريد بالفعل التخلص من اليونان؟ أم أن هذه مجرد حيلة للحصول على تنازلات أكثر منها؟ المشكلة هي أنه يصعب تحديد ما تريده المستشارة أنجيلا ميركل حقًا. حتى الآن كانت على استعداد للإبقاء على اليونان داخل اليورو، لكن وزير ماليتها فولفاجنج شويبله يحاول حثها على إخراجها مؤقتًا.

خطة شويبله – وهي خطته هو بالتأكيد – والتي تقضي بإخراج اليونان مؤقتًا من اليورو يبدو أنها تتمتع بدعم ميركل؛ بل توجد شائعات أنها تحظى بدعم فنلندا، وهولندا، وإستونيا، وليتوانيا، وسلوفاكيا وسلوفينا كذلك.

إذا تركت اليونان منطقة اليورو، سيكون هذا مؤقتًا بنفس درجة أن الحياة نفسها مؤقتة. إعادة عملة اليونان – الدراخما – مرة أخرى سيكون إما نعمة كبيرة لاقتصادها لدرجة أنها لن ترغب في العودة لليورو أبدًا، أو أنه سيكون كارثيًا لدرجة أن أوروبا لن تدعوها لليورو مجددًا. في كلا الحالتين، فإن الانفصال المؤقت لليونان وأوروبا سيتحول إلى طلاق بالتأكيد. قد يكون هذا جيدًا لليونان الآن باعتبار أنها بالفعل خضعت لجزء كبير من الألم المصاحب لعملية انتزاع اليورو، لكنه قد يكون كارثيًا على أوروبا. إذ لا يظهر هذا فقط أن الدول يمكن أن تترك اليورو، ولكن ربما يظهر أيضًا أن الدول يجب أن تترك اليورو لتتعافى. لهذا، في المرة القادمة التي يفوز فيها حزب مناهض للتقشف بالسلطة، فإنه قد يقرر أن يفعل الشيء نفسه، عندها ستصبح منطقة اليورو مجرد منطقة يورو شمالية؛ خصوصًا إذا قررت فرنسا أن اليورو لا يستحق المحافظة عليه بعد الآن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد