نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري تقريرًا أعدَّه مالك بشير، الكاتب في الموقع الذي يتخذ من لندن مقرًا له، تناول فيه الحديث عن التوترات التي تصاعدت مؤخرًا بين ألمانيا والمغرب. وخلُص الكاتب إلى أن تعليق التواصل بين الرباط والسفارة الألمانية في المغرب يرجع إلى تراكمات من الضغائن، منها موقف ألمانيا من الصحراء الغربية وإقصاء المغرب من المفاوضات بشأن ليبيا وتدخلات المنظمات الألمانية في الشؤون الداخلية للمغرب.

استهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى الضجة التي أثارها خطاب دبلوماسي تسرَّب إلى وسائل الإعلام المغربية في البلاد. وفي يوم الأحد، أرسل وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة خطابًا إلى رئيس الوزراء سعد الدين العثماني يبلغه فيه بقرار الرباط بشأن «تعليق كل الاتصالات» مع السفارة الألمانية في المغرب على إثر «سوء فهم عميق» مع برلين حول عدة قضايا، بما فيها مصير الصحراء الغربية المُتنازَع عليها.

اقتصاد الناس

منذ 4 شهور
عبودية الأجر.. كيف تدهور الوضع العمالي في المغرب؟

ونصَّ الخطاب الرسمي على مطالبة جميع الإدارات الوزارية بوقف جميع الاتصالات والتفاعلات والأعمال مع كلٍ من السفارة الألمانية في المغرب ووكالات التعاون والمؤسسات السياسية المرتبطة بها.

وأفاد الخطاب أن «وزير الخارجية اتَّخذ أيضًا قرارًا بتعليق جميع الاتصالات والأنشطة مع السفارة»، مشيرًا إلى وجود «سوء فهم عميق» حول «قضايا أساسية تَهُم للمغرب».

وأبرز الكاتب ما قاله عضو بارز في وزارة الخارجية لوكالة فرانس برس الفرنسية مساء يوم الاثنين؛ إذ أوضح أن «المغرب يريد أن يحافظ على علاقته مع ألمانيا، ولكن هذا بمثابة تنبيه يُظهر انزعاج الرباط بشأن عدة مسائل». وشدَّد على أنه «لن يكون هناك تواصل لحين وجود إجابات عن كثير من الأسئلة المطروحة».

ما هي نقاط الخلاف بين المغرب وألمانيا؟

يرى الكاتب أن هناك عدة أمور أسهمت بقوة في ارتفاع حدة التوترات بين الرباط وبرلين، منها ما يلي:

موقف ألمانيا من قضية الصحراء الغربية

وفقًا لمسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية، يحتل موقف ألمانيا من الصحراء الغربية مكانة في صُلْب هذه التوترات.

وبحسب موقع «يابلادي.كوم (Yabiladi)» المغربي، لم تُخفِ برلين، التي كانت «تختبئ خلف شعارات مبتذلة دبلوماسية تدعو إلى البحث عن «حل سياسي عادل ودائم لكلا الطرفين تحت رعاية الأمم المتحدة»، عدم موافقتها على قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي يقضي بالاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، في مقابل إعادة إقامة علاقات دبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.

Embed from Getty Images

وأبرز الكاتب ما قاله السفير الألماني لدى الأمم المتحدة، كريستوف هوسجن، في 24 ديسمبر «إن أخذ زمام المبادرة بشأن (القرارات المتعلقة بالصحراء الغربية) يصاحبها التحلي بالمسؤولية؛ ذلك أنها تقترن بالتزام قوي بحل المشكلة». وأضاف: «يجب أن تكون عادلًا، ويجب أن تكون حياديًّا، ويجب أن تضع في حسبانك المصالح المشروعة لكل الأطراف وأن تتصرف دائمًا في إطار القانون الدولي». وتابع قائلًا: «ينبغي أن نبحث عن الحل النهائي لهذه المشكلة تحت رعاية الأمم المتحدة، مع الالتزام بالقرارات الدولية».

ويمضي الكاتب قائلًا: ومع أنه لا يخفى على أحد في الدوائر الدبلوماسية أن برلين تتخذ موقفًا صارمًا في هذه القضية، إلا أن الموقع المغربي لوديسك (LeDesk) ذكر قصة أخرى لا يمكن أن تفيد سوى «استياء الرباط استياءً شديدًا».

وفي 27 يناير (كانون الثاني)، رُفِع علم جبهة البوليساريو أمام البرلمان في الجمعية الإقليمية الألمانية في مدينة بريمن لعدة ساعات، بعد أن دعا الرئيس النمساوي الجديد للمجموعة البرلمانية المشتركة للصحراء الغربية في البرلمان الأوروبي، أندريس شيدر، الاتحاد الأوروبي واللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى اتخاذ إجراء ضد «انتهاكات» المغرب.

الإقصاء من مباحثات ليبيا

وقبل ذلك لم تكن الرباط – على غرار تونس – سعيدة بشأن إقصائها من المشاركة في مؤتمر برلين حول ليبيا المنعقد في يناير 2020. وأعربت المغرب رسميًّا في ذلك الوقت عن «استغرابها الشديد» في بيان صحافي صدر عن وزارة خارجية المملكة.

وينص البيان على أن «المملكة المغربية كانت دائمًا في طليعة الجهود الدولية الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية. ولا تفهم المملكة المعايير ولا الدوافع التي أمْلَت اختيار البلدان المشاركة في هذا الاجتماع»، مشيرًا إلى أن ألمانيا بوصفها «البلد المستضيف، البعيد عن المنطقة وعن تشعبات الأزمة الليبية، لا ينبغي أن يحوِّل الاجتماع إلى أداة لتعزيز مصالِحه الوطنية».

ويستدرك الكاتب قائلًا: ومع ذلك رفض بوريطة دعوة وجهها له نظيره الألماني في أكتوبر (تشرين الأول) للمشاركة في مؤتمر جديد مرتبط بالجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة. وذكر موقع (Le360) أن «هذه الدعوة بمثابة تدخُّل قسري يتزامن مع بدء جولة جديدة من الحوار بين الليبيين في مدينة بوزنيقة» الذي طرحته المغرب في سبتمبر (أيلول).

Embed from Getty Images

وفي مطلع ديسمبر، علَّق بوريطة في بيان صحافي على «التعاون الثنائي الممتاز بين البلدين» بعد أن عقد اجتماعًا هاتفيًّا مع جيرد مولر، وزير التعاون الاقتصادي والتنمية الألماني.

وبعد ذلك قدمت برلين لتوِّها دعمًا ماليًّا يُقدَّر بـ1.38 مليار يورو (1.66 مليار دولار)، وجاء 202.6 مليون يوريو منه (2.44 مليون دولار) في هيئة مِنَح، وجاء بقي التمويل في هيئة قروض مدعومة لإصلاح النظام المالي المغربي وتقديم مساعدات عاجلة لاتخاذ تدابير مضادة لتفشِّي كوفيد-19.

تدخلات المؤسسات الألمانية

ويؤكد الكاتب أن المؤسسات السياسية الألمانية كانت مصدرًا آخر من مصادر تقويض العلاقات بين البلدين طوال عدة سنوات.

وفي ديسمبر 2019 كشف خطاب سري نشره موقع الاستخبارات الأفريقية (وهو موقع متخصص في مراقبة التطورات السياسية والاقتصادية في أفريقيا) أن تصاعد التوترات بين الرباط وبرلين تكمن في (تدخلات) مؤسسات كونراد أديانور (مؤسسة موالية للحزب المسيحي الديمقراطي وتأسست في عام 1964) وفريدريش إيبرت (تأسست في عام 1925 وتحمل اسم أول رئيس مُنتخَب ديمقراطيًّا في ألمانيا) وفريدريش ناومان (تأسست في عام 1958 وتهتم بالسياسات الليبرالية) ومؤسسة هانز شيدل (تأسست عام 1966 وتهتم بإجراء أبحاث سياسية يمولها دافعي الضرائب)، مشيرًا إلى تعليق «المفاوضات بشأن الشراكة التي تهدف إلى إجراء إصلاحات في قطاعات متعددة».

وأوضح الخطاب أن «هذا البرنامج الذي يحظى بتمويل جيد، يُقدَّر بـ71 مليون يورو (68 مليون دولار) خلال المدة من 2020 إلى 2022، كان الهدف منه وضْعِ مذكرة تفاهم وُقِّع عليها في برلين في 29 نوفمبر. وتمثلت أطراف هذه المناقشة في المؤسسات التي طلبت مكانة خاصة في المغرب، حيث توصف ببساطة بأنها (مجرد) جمعيات.

وينوِّه الكاتب إلى أن هذا الادِّعاء، الذي أثاره سفير ألمانيا لدى الرباط، جوتس شميت بريم، رفضه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ووزير الخارجية بوريطة. ووفقًا لوزير الداخلية، يُمثِّل التمويل الذي يقدمونه للمنظمات غير الحكومية في المغرب، بما فيها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عملًا من أعمال «التدخل».

ويشير موقع لوديسك إلى أن مديرة مؤسسة فريدريش إيبرت سابقًا، أندريا نوس، طُرِدت من المغرب في عام 2015، «بعد الضغط الذي مارسته السلطات المغربية عليها»، حسبما أوضح زملاؤها.

وذكرت المصادر أن «السلطات المغربية أمْهلتها 24 ساعة لمغادرة البلاد؛ لأن وجودها لم يعد مرغوبًا فيه. وقد يكون هذا القرار الذي اتخذته السلطات بمثابة رد فعلٍ للتمويل الذي تقدمه المؤسسة الألمانية للأنشطة التي تُعد «ضارة لمصالح الدولة».

قضية محمد حاجب

ويلفت الكاتب إلى أن كثيرًا من المصادر الإعلامية المغربية تشير إلى وجود نقطة خلافية أخرى، وهي: قضية محمد حاجب، المواطن الذي يحمل الجنسيتين الألمانية والمغربية.

Embed from Getty Images

وبعد أن احتُجِز في عام 2009 أثناء سفره إلى باكستان، اعتُقِل حاجب بعد ذلك في ألمانيا وأُطلِق سراحه شريطة أن يعود إلى المغرب، حيث حُكِم عليه بالسجن 10 أعوام، ثم خُفِّف الحكم بعد مرور عامين إلى خمسة أعوام في تُهَم تتعلق بـ «الإرهاب».

وبعد إطلاق سراحه في عام 2017، حصل حاجب على تعويض يُقدِّر بـ 1.5 مليون يورو (1.8 مليون دولار) مقابل الأضرار التي لحقته من ألمانيا، التي اتهمها بأنها أجبرته على العودة إلى المغرب في عام 2010، حيث تعرض للتعذيب، على حد قوله.

واستشهد الكاتب بالتصريح الذي أدلى به حاجب لمجلة «دير شبيجل (Der Spiegel)» وشبكة «Tagesschau.de» الألمانيتين، إذ قال: «نادرًا ما أنام في الليل خوفًا من أحلامي، لأن السلطات الألمانية دمَّرت حياتي».

دولي

منذ 10 شهور
مترجم: انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا.. هل تعود النزعة العسكرية الألمانية؟

وبينما كان حاجب يقضي مدة عقوبته في المغرب، دعت منظمة العفو الدولية (أمنيستي) السلطات المغربية إلى التحقيق في مزاعم تفيد أن حاجب تعرض للتعذيب والتهديد بالاغتصاب أثناء احتجازه.

وبعد إجراء تحقيق تفصيلي في هذه القضية، خلُص مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن عملية القبض على حاجب كانت تعسفية، وفي عام 2012 طالب المجلس الأممي الحكومة المغربية بالإفراج الفوري عن حاجب وتعويضه.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: يعيش حاجب الآن في ألمانيا. وفي أغسطس (آب)، أصدرت المغرب مذكرة توقيف دولية بشأنه. وفي 8 فبراير (شباط)، احتفل حاجب في تدوينة كتبها على تويتر برفع اسمه من قائمة المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) للأشخاص المطلوبين، واصفًا هذا القرار بأنه بمثابة «ضربة قوية للشرطة المغربية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد