على المدى الطويل، قد تغير جائحة فيروس كورونا الاقتصاد الألماني إلى الأفضل.

 كتب جوزيف دي ويك وهو باحث في معهد أبحاث السياسية الخارجية وكاتب عمود في مجلة «برلين للسياسات» التي يديرها المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، مقالًا في مجلة فورين بوليسي حول حزمة تحفيز ضخمة طرحتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لحفز الإنفاق في البلاد. ويرى الكاتب أن الحزمة يمكن أن تحدث تأثيرًا هيكليًا إيجابيًا مستدامًا في الاقتصاد الألماني يتجاوز جائحة فيروس كورونا كما أنها ستفيد الدول الأعضاء في منطقة اليورو.

يقول الباحث في مستهل مقاله: تتعامل ألمانيا بحرص حينما يتعلق الأمر بالمال، وهذه صفة لا تجعل صاحبها موضع إعجاب. فعلى مدى السنوات العديدة الماضية، كتب الاقتصاديون افتتاحيات ومقالات رأي لا حصر لها يلقون فيها باللوم على ألمانيا لامتصاصها الطلب من الاقتصاد العالمي. على سبيل المثال، يقول الاقتصادي بول كروجمان: إن «لعالم كله لديه مشكلة ألمانية».

ويضيف: إن الجمع بين «هوس برلين المدمر» بالميزانيات المتوازنة وصادراتها الكبيرة يولد وفرًا مفرطًا يتطلب استثماره في الخارج. وهذا بدوره، يخلق خللًا كبيرًا في الميزان التجاري مع الدول التي تستقبل الاستثمارات. فيما تدفع الدول المدينة مثل: فرنسا، والولايات المتحدة، بأن برلين بحاجة إلى أن تبسط يدها قليلًا من أجل معالجة حالات انعدام التوازن الاقتصادي العالمي.

هل يفيد فيروس كورونا الاقتصاد الألماني والعالمي؟

في الثالث من يونيو (حزيران) قدمت حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حزمة تحفيز مالي بلغت 130 مليار يورو (145 مليار دولار) تبلغ نحو 4٪ من الناتج المحلي الإجمالي الألماني على مدى عامين. ويأتي ذلك إضافة إلى التحويلات المباشرة للشركات والموظفين التي بدأت أثناء الإغلاق؛ مما يجعل الاستجابة الألمانية للجائحة تبلغ 13.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وهكذا بدأت برلين في نهاية المطاف تتجه لزيادة الإنفاق.

ألمانيا

حزمة التحفيز التي أقرتها ميركل كبيرة للغاية

يقارن الباحث استجابة ميركل هذه المرة بسياساتها أثناء الأزمة المالية في عام 2008-2009. فخلال تلك السنوات، قبلت على مضض تقديم حافز يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي لمدة عامين، ولكن بعد أن واصل الاقتصاد انكماشه على مدار ثلاثة أرباع متتالية. في أزمة كوفيد-19، على النقيض من ذلك، طرحت ألمانيا الخطة المالية الثانية بعد ثلاثة أشهر فقط من أول حالة وفاة في البلاد نتيجة الإصابة بمرض كوفيد-19.

وخلافًا لمحاولة تصحيح الاقتصاد الألماني، سوف يؤدي إنفاق الحافز إلى فوائد يجنيها شركاء ألمانيا في الاتحاد الأوروبي. ولكي نرى كيف يحدث ذلك، علينا أن نفكر ليس فحسب في حجم آخر حزمة تحفيز مالي وطنية ألمانية ولكن أيضًا في تركيبتها.

أولًا، إنها تتضاءل إلى جانبها خطط دول منطقة اليورو الأخرى. إذ لا تتجاوز الإجراءات المالية الفرنسية حتى تاريخه 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي على سبيل المقارنة.

أوروبا تشعر بالامتنان تجاه ألمانيا

علاوة على ذلك، بتركيزها على حوافز الاستهلاك والإنفاق الحكومي، سيكون لحزمة التحفيز الألمانية آثارًا كبيرة على الواردات من الدول الأوروبية الأخرى. وإذا اشترت الأسر والشركات والقطاع العام في ألمانيا أكثر، سوف يزيد الطلب أيضًا على السلع الأجنبية. وعندما ينفق أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي إنفاقًا كبيرًا؛ ينتعش اقتصاد كل الدول وليس الاقتصاد الألماني وحده.

على سبيل المثال، أشار وزير المالية الفنلندي أن هلسنكي يجب أن تشعر بامتنان كبير تجاه خطة التحفيز المالي الوطنية الألمانية. وقال الوزير خلال الشهر الجاري: «ستساعدنا هذه التضحية التي قام بها دافعو الضرائب الألمان كثيرا بدرجة لا تصدق».

البنك الأوروبي المركزي أيضًا سيستفيد

الأكثر من ذلك، أنه في حين ستستفيد فيه ألمانيا من أسواق الديون، فإنها ستجعل من السهل أيضًا على البنك المركزي الأوروبي أن يستمر في تمويل الأعضاء الأكثر مديونية في منطقة اليورو. والسبب هو أن البنك المركزي الأوروبي مطلوب منه موازنة مشتريات الأصول من السندات الحكومية بين الأعضاء التسعة عشر لاتحاد العملة. وإذا كان هناك المزيد من سندات الخزانة الألمانية في السوق، سيكون من الأسهل بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي أن يشتري سندات الخزانة من دول أخرى.

كورونا المستجد

بتنشيط الواردات إلى ألمانيا وتعزيز الاستثمارات، ستكون حزمة التحفيز التي أقرتها ميركل أيضًا بداية لتصحيح أوجه عدم توازن اقتصادي قائمة منذ فترة طويلة داخل الاتحاد الأوروبي.

أما عن الجانب الآخر لادخار ألمانيا المفرط وفائض الصادرات لديها والذي يثير حفيظة واشنطن وباريس هو: الاستهلاك الضعيف وقصور الاستثمار المزمن. فمنذ العقد الأول من القرن العشرين انخفض استثمار القطاع العام وقطاع الشركات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يقل كثيرًا عن الدول الأخرى في منطقة اليورو.

تحسين البنية الصحية والتعليمية وتحفيز الأبحاث

وتحاول حزمة التحفيز المالي معالجة هذه المشكلة الهيكلية. فعلى المستوى الفيدرالي، تحدد الخطة مبادرة إنفاق عامة لمساعدة ألمانيا على التحول إلى اقتصاد صديق للمناخ أكثر، وتحسين البنية التحتية للصحة والتعليم، وحتى تحفيز الأبحاث في جوانب تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الكمية. وعلى المستوى تحت الفيدرالي تهدف برلين إلى تخفيف الاختناقات الهيكلية أمام الاستثمارات العامة بالاضطلاع بتوفير المزيد من الفوائد الاجتماعية التي كانت تدفعها البلديات. وهذا يحرر الكثير من الأموال في المناطق الفقيرة التي كانت عازفة عن الاستثمار في الماضي.

وتتماشى أولويات الاستثمار لدى برلين مع السيادة الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي وأجندة المناخ. إذ تعتزم برلين إنفاق أكثر من 7 مليارات يورو (8 مليارات دولار) على البنية التحتية لاتصالات الجيل الخامس والأبحاث وحدها. وهناك تسعة مليارات (10 مليارات دولار) أخرى مخصصة لتمويل صناعة الهيدروجين، مع تخصيص ملياري دولار من المبلغ للاستثمار في الخارج. كذلك ترفع الخطة الحدود القصوى لدعم للطاقة الشمسية وزيادة التمويل لتطوير شحن الغاز الطبيعي المسال. إلى جانب الأولويات الأخرى وهي: الأمن السيبراني والصحة ومشتريات الأسلحة.

أخيرًا، قد تكون حزمة التحفيز إيذانًا بتحول هيكلي أوسع، بعيدًا عن تركيز برلين على الشركات الألمانية الموجهة نحو التصدير. وعلى الرغم من بعض الضغوط للقيام بذلك، لم ترضخ ميركل لمطالب الشركات بخفض ضريبة الشركات. والشركات الألمانية لديها وفرة من النقد بالفعل. والربحية ليست هي المشكلة، بل قصور الاستثمارات.

كورونا و الاقتصاد الألماني

رفض مطالب شركات صناعة السيارات بحزم

ووقفت المستشارة بحزم ضد مطالب صناعة السيارات بالحصول على إعانات في شكل مشروع تخريد سيارات محركات الاحتراق الداخلي. ففي عام 2009، ساعدت ألمانيا في تحقيق قفزة كبيرة في مبيعات السيارات بتسليم 2500 يورو للمشتري الذي يعيد سيارته الأقدم. ورفضها لتكرار المشروع نفسه يعد لافتا للنظر. والمسؤولون التنفيذيون وقادة النقابات على صلة وثيقة بالمسؤولين السياسيين الألمان. غير أن المخاوف البيئية، إلى جانب إدراك أن دعم الشركات الألمانية دون تبصر ليست الطريقة الصحيحة للمضي قدمًا، تفوق المصالح المكتسبة.

وهو أمر طيب لألمانيا، وكذلك لأوروبا. إذ تشير تلك الخطوة إلى أن ألمانيا تبتعد ببطء عن نموذجها الاقتصادي الحالي، والذي يركز كثيرا على المنافسة في التكلفة والصادرات. كذلك ساعد أيضًا في تهدئة الانتقادات في أوروبا بأن برلين تعطي لصناعتها ميزة تنافسية غير عادلة من خلال منح معونة حكومية سخية خلال الأزمة.

باختصار تعود برلين إلى مهام صناعة السياسة الاقتصادية. وتتحرك الحكومة بسرعة وتعترف بأن جزءًا من التعافي من جائحة كوفيد-19 إنما يأتي من خلال إعادة التوازن تجاه الطلب الداخلي والاستثمارات. وبما أن كل شيء تفعله ألمانيا يعطي مثلًا لأوروبا، فسوف يشجع إنفاقها التحفيزي الدول الأخرى الأعضاء على أن يوسعوا جهودهم المالية على نحوٍ هادف أيضًا. وربما يخرج الاقتصاد الأوروبي من الجائحة أفضل من الناحية الهيكلية عما كان عليه من قبل.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: لا أمريكا ولا الصين.. ألمانيا قد تكون قائدة العالم في الأزمة الحالية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد