هذا الأسبوع، فعلت آنجيلا ميركل المستشارة الألمانية شيئا جيدا حقًا إذ ستسمح ألمانيا للاجئين السوريين بالبقاء فيها، وطلب اللجوء، مع أنه عادةً يتم ترحيل اللاجئين لأول بلدٍ دخلوه من دول الاتحاد الأوروبي، أينما كانت. فالآف السوريين الذين عانوا من الحيرة والغموض بشأن وضعهم في أوروبا، صار بامكانهم الآن البدء في إعادة بناء حياتهم في ألمانيا.

فبمجرد جرة قلم واحدة، منحت ألمانيا عددا ضخما من الأسر السورية فرصة لبدء حياة جديدة. والأهم من ذلك، أنها علاوة على كونها هدية للسوريين، هي أيضا هدية لأوروبا. أصبح اللاجئون السوريون يشكلون أزمة عويصة لبلدان الاتحاد الأوروبي، لدرجة أن ميركل نفسها وصفتها بأنها تحدٍ أكبر يواجه  الاتحاد الأوروبي أكثر من أزمة الديون اليونانية. وهي الآن تحاول أن تقدم القدوة بإظهار لأوروبا ما يتحتم عليها فعله لتجاوز تلك الأزمة.

الهجرة أصبحت أزمة للمهاجرين وأوروبا على السواء

تغير سياسة الاتحاد الأوروبي صار أمرا ضروريا الآن أكثر من أي وقت مضى، إذ يواجه الاتحاد الأوروبي أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العاملية الثانية، والتكلفة البشرية بالفعل مدمرة. ففي الخميس الماضي فقط على سبيل المثال، غرق زورقان ممتلآن بالمهاجرين قبالة السواحل الليبية، والتي خلفت مئات اللاجئين الخائفين حد الموت. وعلى جانب الطريق السريع في النمسا، تم العثور على شاحنة مليئة بعشرات الجثث المتحللة، بما في ذلك أطفال صغار. وبعيدًا عن كون المهاجرين حقاً سوريين أم لا، يشكل السوريون الذين اضطروا للفرار من الحرب الأهلية في بلادهم أكبر المجموعات من حيث الجنسية من بين كل هؤلاء المهاجرين.

لكن بدلاً من معالجة هذا الدمار البشري مباشرة، لطالما سعى السواد الأعظم من دول الاتحاد الأوروبي لتجنب تحمل أي مسؤولية على الإطلاق بشأن وضع اللاجئين. فعندما وصل اللاجئون لأوروبا، تخلت عنهم قوانين الاتحاد الأوروبي، وحوصر بعض المهاجرين في أول بلدان وصلوا إليها، وتركوا فيها لحين معالجة طلبات لجوئهم. بالنسبة للكثيرين، يعني هذا أن تقطعت بهم السبل في إيطاليا واليونان؛ البلدان اللتان تواجهان أزمة إنسانية واسعة النطاق، حيث طغت أعداد اللاجئين على تدبيرات السكن والمستلزمات المتوفرة.

وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، على سبيل المثال، في اليونان تفتقر مراكز الاستقبال، حيث يحتجز اللاجئون الوافدون، للغذاء الكافي والرعاية الصحية. كما أنها غير صحية بالمرة، و تعاني من اكتظاظ مزمن، وتعتبر الظروف والمعاملة في أمكنة الاستقبال تلك قاسية وغير آدمية ومهينة بموجب القانون الدولي.

وبموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، إذا شق هؤلاء المهاجرون طريقهم إلى ألمانيا، من المفترض أن ترحلهم ألمانيا إلى أول بلد وصلوا إليها في أوروبا. لكن الآن ومع هذا التغيير، يمكن للسوريين البقاء في ألمانيا، والتقدم هناك بطلب اللجوء. وهو أمر جلل، حيث يساعد الآلاف من الضعفاء، ويبقيهم في مأمن من الاضطهاد، والمخيمات القذرة في اليونان وإيطاليا. تستحق ميركل وحكومتها الثناء لاتخاذ مثل هذا التغير، وخاصة في وقت تعتبر فيه سياسة اللجوء في ألمانيا قضية سياسية متقلبة بشكل متزايد.

وربما على نفس القدر من الأهمية، تعد تلك أيضا خطوة نحو معالجة أحد أخطر المشاكل السياسية التي تواجه الاتحاد الأوروبي ألا وهي: كيف يتم تقسيم المسؤولية في أزمة المهاجرين.  

 

اتفاقية دبلن

بموجب أحد قوانين الاتحاد الأوروبي المسمى باتفاقية دبلن، من المفترض أن يبقى المهاجرون إلى دول الإتحاد الأوروبي في أول دولة أوروبية دخلوها، وذلك إلى أن تتم معالجة طلبات لجوئهم. من الناحية النظرية، هذه الاتفاقية تهدف لمنع المهاجرين من التجول في أوروبا، ومن ثم التقدم بطلبات اللجوء في بلدان مختلفة إلى أن توافق – في نهاية المطاف – دولة ما على طلب لجوئهم. لكن من الناحية العملية، تلك الاتفاقية تسببت في محاصرة آلاف اللاجئين في اليونان وإيطاليا، ببساطة لكونهما أسهل دولتين يمكن الوصول إليهما بالقوارب عن طريق البحر المتوسط. إضافةً إلى أنه سمح لدول الاتحاد الأوروبي دفع عبء التعامل مع اللاجئين على هذين البلدين.

ولأسباب مفهومة تماما، لا تعتقد أي من ايطاليا أواليونان أن في ذلك إنصاف. ففي يونيو الماضي، هدد ماتيو رينزي رئيس الوزراء الايطالي أنه إذا لم يتدخل الاتحاد الأوروبي بالمساعدة، ربما تصدر إيطاليا حينها تأشيرات للمهاجرين غير الشرعيين بشكل جماعي، سامحين لهم بالسفر إلى دول أوروبية أخرى. هذا الأسبوع عقدت ميركل والرئيس الفرنسي أولاند قمة في برلين بهدف إيجاد حل للأزمة أكثر إنصافا على مستوى دول الاتحاد الأوروبي كلها. ففي نهاية المطاف، لا تعد الأزمة أزمة إيطاليا واليونان فقط، وإنما عدم وجود حل على مستوى دول الاتحاد كلها لأزمة المهاجرين يهدد الغرض والمهمة الأساسية للاتحاد الأوروبي المتمثلة في الحدود المفتوحة.

ولكن حتى الآن، لا ترغب باقي دول الاتحاد الأوروبي في تقاسم مسؤولية الأزمة. هم بساطة لا يقدمون أي مساعدة، أو بالأحرى لا يريدون أن يساعدوا، فهم ليسوا مضطرين لذلك. وليس من المفترض أن يتعنتوا بتلك الطريقة في ظل الاتحاد الأوروبي. ويصيب تهديد رينزي هذا التناقض في في الصميم.

التغيير الذي أحدثتة ألمانيا من شأنه أن يخفف من حدة هذا التناقض قليلاً، وذلك  من خلال اقتسام عادل لعبء اللاجئين مع الدولتين. وبالإضافة لكون تلك الخطوة جيدة للاجئين، ولإيطاليا واليونان على السواء، هي أيضا خطوة جيدة للاتحاد الأوروبي ككل عبر جعل عبء الهجرة متحملا، و هكذا يصبح المشروع الأوروبي مستداما.

لكن هذا بالتحديد ليس كافٍ لحل أزمة المهاجرين في أوروبا نفسها لا من قريب ولا من بعيد.

 

الاقتداء بألمانيا

ما ينبغي أن نأمله هو أن يكون وقف ألمانيا للبصمة المنصوص عليها في اتفاقية دبلن بمثابة مثال يقتدى به، وتكون تلك واحدة من بين خطوات كثيرة تالية لأوروبا نحو  نظام أكثر إنصافا للاجئين.  

وفي ظل غياب حل موحد لأزمة اللاجئين السوريين، تبنت الدول الأوروبية كل على حدة حلولاً فردية ترتكز بصورة أساسية على إبقاء المهاجرين خارج حدود بلادهم، علاوة على فرض بعض البلاد في صمت تطبيق مراقبة على الحدود في مواجهة روح الاتحاد الأوروبي، المتمثلة في الحدود المفتوحة وذلك لمنع اللاجئين من الدخول إلى بلادهم.

وهم في ذلك لا يخالفون القانون، فهم لم يغيروا في شروط الحصول على تأشيرة شنغن، إنما ما قاموا به هو مجرد زيادة في تطبيق القواعد القائمة، إلا أنها في نفس الوقت تعتبر خطوة ليست في صالح الاتحاد الأوروبي الموحد المفتوح الحدود. و بإمكان أي فرد أن يرى كيف ستزداد القوانين صرامة مستقبلاً، إذا لم يتوصل الاتحاد الأوروبي لحل موحد للأزمة.

تعليق ألمانيا إعمال اتفاقية دبلن في تعاملها مع السوريين لن يكون كافيًا لحل المشكلة من تلقاء نفسها. وبالطبع لا ينبغي أن يتوقع أحد أن ألمانيا ستتمكن من حل أزمة اللاجئين للاتحاد الأوروبي وحدها، ناهيك عن اليونان أو حتى إيطاليا. لكن من خلال قبول تحمل المزيد من المسؤولية طوعًا بشأن اللاجئين السوريين، خفضت ألمانيا الضغط على دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وربما سهلت كثيرًا التوصل لحلٍ نهائي.

وباتخاذ تلك الخطوة من جانب واحدٍ، ميزت ألمانيا نفسها عن النهج الذي تتبعه دول الاتحاد الأوروبي من الالتزام بما لا يزيد عن الحد الأدنى المطلق مثل المملكة المتحدة .ألمانيا تقدم فعليًا مثالا يقتدى به، وتعلق الآمال على أن تتبعها في ذلك الدول الأخرى.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد