نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا لمديرة مكتبها في برلين لوفداي موريس تبين فيه أسباب تحول ألمانيا إلى وجهة لإجراء الدعاوي القضائية والمحاكمات المتعلقة بجرائم عالمية، بما في ذلك القضايا المتعلقة بجرائم ارتكبت في بلدان مثل العراق، وسوريا، والسعودية.

Embed from Getty Images

قضاءٌ متجاوز للحدود

من الإبادة الجماعية للأيزديين في العراق إلى التعذيب الممنهج من النظام السوري وصولًا إلى مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول، يبدو أن النظام القانوني الألماني يصبح باطّراد الوجهة للسعي وراء العدالة لجرائمٍ مرتكبة في أراضٍ بعيدة عن الحدود الألمانية.

تنتمي ألمانيا إلى مجموعة البلدان التي تطبّق قوانين تحمل من طابع مبدأ «الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction)» ، وهو مبدأ قانوني يقول بأن بعض الجرائم خطيرة للغاية – مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وانتهاكاتها الجسيمة – بحيث لا ينبغي تطبيق التقييد الإقليمي القضائي المعتاد أو الحصانة على مرتكبها. يمنح هذا النوع من الاختصاص القضائي العالمي القضاة أهلية متابعة ومحاكمة مرتكبيّ الجرائم الخطيرة ضد الإنسانية طبقًا لقوانينهم العقابية، بغض النظر عن مكان ارتكابها وجنسية الأطراف المعنيّة بالقضية، وبالتالي يعدّ هذا الاختصاص استثناء لمبدأ إقليمية قانون العقوبات المتبع عادةً.

يذكر التقرير آخر قضية من هذا النوع، إذ قدمت منظمة مراسلون بلا حدود – المعنيّة بحرية الإعلام وحماية العاملين فيه – شكوى الأسبوع الماضي إلى المدعي العام الاتحادي في كارلسروه ضد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. تضمنت الشكوى – الواقعة في 500 صفحة – اتهامات بالاحتجاز التعسفي لأكثر من 30 صحافيًا، وكذلك قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي – كاتب عمود الرأي في صحيفة «واشنطن بوست» – بالقنصلية السعودية في إسطنبول سنة 2018.

Embed from Getty Images

من أبرز الأمثلة على تطبيق القضاء العالمي التجاء إسرائيل لهذا المبدأ في محاكمتها لأدولف أيخمان خلال ستينات القرن الماضي، والذي أعدم شنقًا عام 1962 لدوره في الهولوكوست. تلى ذلك لحظة تاريخية أخرى عام 1998 عندما طلبت المحاكم الإسبانية من الشرطة البريطانية القبض على الدكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه ليحاكم على جرائم ارتكبت خلال حكمه العسكري. أطلقت بريطانيا سراح بينوشيه في وقت لاحق لأسباب صحية.

يوجد في ألمانيا حاليًا أكثر من 12 قضية نشطة تتعلق بجرائم ارتكبت في سوريا، وفقًا لتقرير صدر العام الماضي عن منظمة «ريدريس» المناهضة للتعذيب. ينقل التقرير عن مدير برنامج الجرائم الدولية في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان أندرياس شولر وصفه لألمانيا بالقول: «في الوقت الحالي، إنها الوجهة المقصودة عالميًا».

لماذا ألمانيا تحديدًا؟

يعدّد شولر أسبابًا مختلفة لاختيار ألمانيا لهذا النوع من المحاكمات القضائية. أولًا، وجهة نظر ألمانيا التوسعية مقارنة بغيرها بشأن المدى القانوني الملائم، وتحديدًا القانون الألماني المتعلق بجرائم القانون الدولي الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2002 الذي يسمح بإجراء الدعاوي الجنائية حتى لو لم يتم ارتكاب الجرائم المدعاة في ألمانيا، وهو ما يفتح الباب أمام رفع دعاوى من جميع أنحاء العالم.

ينقل التقرير توضيح شولر: «القانون الألماني مفتوح للغاية، وبالتالي – من الناحية النظرية – يمكن أن تصل أيّ قضية إلى المحاكم». مع ذلك لم تجر الأمور على هذه الشاكلة ضمن الممارسة العملية، وظلّ الأمر متروكًا إلى حدّ كبير لتقدير المدعي العام بشأن فتح القضايا حين لا يكون لها صلة مباشرة بألمانيا.

يسمح القانون الألماني بإجراء الدعاوي الجنائية حتى لو لم يتم ارتكاب الجرائم المعنية في ألمانيا، وهو ما يفتح الباب نظريًا أمام رفع الدعاوى من جميع أنحاء العالم.

ومن ثم هناك مسألة دخول ما يقرب من مليون لاجئ إلى ألمانيا من مناطق الصراع المختلفة من أنحاء العالم. عندما فتحت ألمانيا أبوابها أمام اللاجئين في عام 2015، كان الكثير من الواصلين أشخاص ما يزالون حديثي عهد بالأهوال التي حدثت في سوريا. وكان من بينهم شهود عيان على الجرائم وضحايا لها – وهو ما يسهّل احتمالية رفع الدعاوي القضائية ووصولها إلى المحاكم – بالإضافة إلى بعض الجناة. يعقّب شولر: «إنه موضوع كبير هنا. هناك الكثيرون ممن يطالبون بتحقيق العدالة».

يذكّر التقرير خصيصًا بحالة محامي حقوق الإنسان السوري أنور البني، والذي صرّح في عام 2014 بأنه استطاع تمييز رجل رآه في مركز اللجوء الخاص به في برلين قائلًا بأنه نفسه الشخص الذي اعتقله قبل سنوات عديدة في دمشق. قدّم أنور رسلان البالغ من العمر 57 عامًا إلى المحاكمة باعتباره كان ضابطًا ورئيسًا للتحقيقات في فرع من فروع مخابرات النظام السوري واتّهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومشاركته في 58 جريمة قتل، واغتصاب واعتداء جنسي.

حُوكم رسلان في مدينة كوبلنز الألمانية. في الشهر الماضي أيضًا، أصدر القضاء الألماني حكمًا بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف لضابط المخابرات السوري الأقل رتبة إياد الغريب (44 عامًا) بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية (تحديدًا المشاركة في اعتقال 30 متظاهرًا على الأقل في دوما كبرى مدن الغوطة الشرقية قرب دمشق خلال عام 2011).

Embed from Getty Images

تقدّم نوعي

في البداية، اتسمت إجراءات المقاضاة الألمانية المبنية على مبدأ الولاية القضائية العالمية بالبطء. يستشهد التقرير بتعليق أستاذ القانون الجنائي الدولي في جامعة هومبولت في برلين فلوريان جيسبيرجر: «شعر الجميع في ألمانيا بالفخر الشديد لامتلاكنا لهذا التشريع الحديث جدًا وبعيد الأثر، لكنه لم يُطبّق فعليًا في البداية».

في أول الأمر، بدت سمات التردد من جانب المدعي الفيدرالي في فتح القضايا، والتي استهدف بعضها مسؤولين رفيعي المستوى مثل وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد. قُدّمت تلك الشكوى نيابةً عن أربعة عراقيين وسمّت أيضًا جورج تينيت مدير «الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق (السي آي إيه)» وأشخاص آخرين من كبار الموظفين العسكريين في شؤون تتعلق بانتهاكات اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في خليج غوانتنامو، وسجن أبو غريب في العراق. رفض مكتب المدعي الاتحادي الألماني قبول القضية آنذاك.

رُفعت لاحقًا المزيد من القضايا إلى المحاكم – وإن كانت قضايا أقل حجمًا من الدعوى الآنفة الذكر – في الوقت الذي ضخت فيه ألمانيا الموارد لوحداتها المختصة في التحقيق في جرائم الحرب. يشير التقرير إلى وجود دول أخرى في أوروبا بقوانين توسعية مماثلة، مثل السويد، ولكن يوضح الخبراء أن لألمانيا سبق خاص في هذا المجال وهو ما يلحظ في السنوات الأخيرة.

في سبتمبر (أيلول) 2011، وبعد شهور فقط من الانتفاضة السورية، بدأت السلطات الألمانية ما يُعرف بـ«ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻬﻴﻜﻠﻴﺔ» في جرائم الحرب المجراة تحت إشراف الدولة في سوريا. وهناك تحقيق هيكلي مماثل مخصص للجرائم المرتكبة ضد الأقلية اليزيدية في العراق وسوريا. يعلّق جيسبيرجر على ذلك: «هذا ابتكار جديد بالنسبة لقانون الإجراءات الجنائية».

Embed from Getty Images

تعني التحقيقات الجارية الآن – وفقًا للتقرير – أن السلطات في ألمانيا كانت تجمع الأدلة على الجرائم المرتكبة في الحرب السورية بصورةٍ متواصلة، شاملًا ذلك مقاطع الفيديو مفتوحة المصدر والشهادات. يسمح ذلك بتوفير قاعدة أدلة قابلة للاستخدام المستقبلي في الملاحقات القضائية الفردية أو للمساعدة في التحقيقات في أماكن أخرى.

ماذا عن المحكمة الجنائية الدولية؟

تعتبر المحكمة الجنائية الدولية أكثر محدودية في مجالها، فلا يمكنها مقاضاة الجرائم إلا في الدول التي وافقت على اختصاصها القضائي وفقًا لما يذكر التقرير، إلا في حال أحالها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبالتالي، هنالك العديد من الدول التي لا تقع ضمن سلطتها القضائية، ومن بينها الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا والمملكة العربية السعودية إلى جانب عشرات الدول الأخرى التي لم توقع اتفاقية الانضمام للمحكمة التي أسست عام 2002.

في عام 2014 وقفت روسيا والصين حاجزًا أمام إحالة قضية الصراع السوري إلى محكمة لاهاي. يعلّق ستيف كوستاس – كبير المحامين في مبادرة عدالة المجتمع المفتوح (Open Society Justice Initiative) التي مثلت الضحايا في مثل هذه القضايا في ألمانيا – على الأمر للصحيفة بقوله: «هنا عندما يقع البحث عن العدالة على عاتق الأنظمة الأخرى».

عربي

منذ 3 شهور
الترجمة الكاملة لنص التقرير الأمريكي حول اغتيال خاشقجي وتداعياته

لكن – ينوّه التقرير – ما تزال الأنظمة القانونية مثل التي في ألمانيا تعاني من قيود كبيرة. فمثلًا، وبينما يمكن للمدعي العام في ألمانيا فتح قضية لا علاقة لها بألمانيا من الناحية القانونية، إلا أنه لا يوجد التزام بذلك. وهو المكان الذي تدخل منه اعتبارات السياسة الخارجية إلى حيز التنفيذ وفقًا لما يقوله الخبراء. في ألمانيا على سبيل المثال، يمكن لوزارة العدل إجبار المدعي العام على وقف التحقيق.

يشير التقرير إلى انخفاض التكلفة المتوقعة للمحاكمات التي تدعي تورط مقاتلي تنظيم «داعش» في إبادة جماعية أو تدين الحكومة السورية بالتعذيب، لكن ليس الحال كذلك بالنسبة لمملكة السعودية أكبر مصدر نفطيّ للعالم والحليف الغربي. ويقول جيسبيرجر أن الحقيقة البسيطة المتمثلة في وجود حرية تقديرية في هذا المجال تفتح الباب نحو دخول الحسابات السياسية في القرار.

رحب السوريون المعنيّون بأول إدانة في ألمانيا في قضية تعذيب تتهم الدولة السورية بها، لكنها اعتبرت خطوة صغيرة. يذكّر التقرير بالناشط والمعتقل السوري السابق مازن الحمادة، الذي شارك في التبليغ عن فظائع السجون السورية مرارًا قبل أن يختفي العام الماضي إبّان عودته إلى دمشق. قال الحمادة للناشطة السورية ميسون بيرقدار في محادثةٍ مسجلة معها قبل عودته: «ذهبنا إلى أمريكا وأخبرناهم القصة كاملة. ذهبنا إلى ألمانيا وأخبرناهم القصة كاملة. وسافرنا إلى هولندا وفرنسا، بل حتى إيطاليا، لم يصغ الناس لنا، بل كل العالم لم يسمعنا».

لكن الباحثين القانونيين يرون في القضايا المجراة أخيرًا في ألمانيا علامة محتملة لما ستؤول إليه الأمور. يختتم التقرير بالإحالة لقول شولر: «هناك بالتأكيد المزيد من القضايا القادمة. سنرى ما سيحدث في السنوات المقبلة. لا يوجد قانون تقادم لمثل هذي الجرائم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد