كتب روبرت فيسك مقالًا، لجريدة «الإندبندنت»، يتناول حادثة تدافع منى، التي وقعت في سبتمبر العام الماضي، وأودت بحياة 769، وإصابة 694 آخرين وفقًا للرواية الرسمية السعودية. الحادثة أودت بحياة 2121 وفقًا للتعداد الذي أجرته وكالة أنباء «أسوشيتد برس». لكنّ مقال فيسك لا يركِّز على الحادثة بقدر ما يركز على أحد ضحايا هذه الحادثة، فالمقال يتحدَّث بشكلٍ خاص، عن الدبلوماسي الإيراني الشهير «غضنفر ركن آبادي».

يبدأ فيسك مقالته، بوصف ركن آبادي، ثمّ بوصف علاقته به، فركن آبادي «كان ذكيًا، ولديه روح دعابة.. وكان يردُّ على أسئلتي بتفصيلٍ ووضوح». كان ركن آبادي ملحقًا في السفارة الإيرانية في بيروت، كان روبرت فيسك يظنّ أنَّهُ أحد ضباط المخابرات الإيرانيَّة، بلحيته السوداء وعينيه العميقتين، كان فيسك يعتقد أنه تخطى الأربعين من عمره. كانت لغته الإنجليزية قوية للغاية ولا تشوبها شائبة، وأخلاقه سامية جدًا. كانت هذه هي المقابلة التي تمت بين فيسك وركن آبادي عام 1996.

يذكر روبرت فيسك، إحدى المرات، عام 1996 أثناء عملية عناقيد الغضب، التي قادتها إسرائيل على جنوب لبنان، عندما حدثه ركن آبادي أنه كان يخشى من الطائرة الإسرائيلية التي حوَّمت فوق السفارة في بيروت، فقد انتظر جميع من في السفارة هذا الهجوم، وعندما لم تهاجمهم الطائرة ظنُّوا أنها ستقوم بمهاجمة بيوتهم. «لقد كنا خائفين بالطبع»، قال آبادي لفيسك.

كان غضنفر ركن آبادي، يعرفُ الكثير عن الأسلحة، ولطالما أعربَ لفيسك عن استعداده وتأهبه للـ «شهادة في سبيل الله». كان آبادي رجلًا صارمًا وواضحًا، مما حدا بفيسك للاعتقاد أنه طوال تلك السنين لم يكذب عليه مرةً واحدة. كان آبادي صريحًا للغاية فيما يخصُّ الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه إيران لحزب الله، حتَّى أنَّهُ وقف أمام طلاب جامعة مسيحيَّة في شرق بيروت ليدافع عن موقف بلاده. وكان مصرًا أنّ السلطة «الثيوقراطيَّة» – على حد تعبير فيسك – ممثلة ومنتخبه، لوجود برلمان إيراني منتخب.

كان لدى ركن آبادي موقفًا واضحًا بضرورة تأييد الثورة المصرية، التي قامت ضدّ الفقر والظلم، بينما الثورة السورية لم تكن كذلك.

1الطريق إلى رمي الجمرات

يُكملُ فيسك حديثه عن مسيرة آبادي، فقد أعادتهُ إيران إلى بيروت عام 2010، لكن هذه المرَّة سفيرًا وليس ملحقًا بالسفارة. بعد عودتهِ لبيروت بسنة، عندما اندلعت الثورة السورية على حليف إيران القوي بشار الأسد، وجد آبادي نفسهُ في «موقفٍ أعمى»، هذا الموقف الذي يكرهه أي دبلوماسيّ. لقد كانت إيران تدعم حزب الله بمقاومته إسرائيل، ولكن حاليًا فهذا أمرٌ مختلف تمامًا، فحزب الله يساعد بشار الأسد في حربه ضد المعارضة.

عندما زار الرئيس – حينها – أحمدي نجاد لبنان، وجال في جنوب البلاد على الحدود مع إسرائيل – فلسطين المحتلة كما تدعوها إيران – ووعد نجاد بتحرير القدس، كان غضنفر ركن آبادي هناك، مع الرئيس، مبتسمًا بجانبه، «لكنَّهُ كان محظوظًا.. على الأقل في هذه المرحلة» يعلق فيسك على هذه الزيارة.

عندما قام بعض الإسلاميين السُّنَّة، يقال بدعمٍ من السعودية، بعملية هجوم انتحاري على السفارة الإيرانية ببيروت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، قتل التفجير 23 موظفًا بالسفارة، كان ركن آبادي خارج مبنى السفارة، كسر الانفجار البوابات الحديدية الكبيرة للسفارة، لكنّ آبادي كان في أمان، بينما كان أبرز رجل في حرسه الخاص من ضحايا التفجير.

يحكي فيسك عن المرة الأخيرة التي قابل فيها آبادي في السفارة في بيروت، حينما كانا يتناقشان حول عقوبة الإعدام في إيران. كانت حينها إيران قد حكمت على امرأةٍ آذرية شابَّة بالإعدام، بتهمة الزنا. وكان فيسك قد احتجّ ضد هذا الحكم ودافع عن المرأة. وسأل ركن آبادي سؤالًا مباشرًا: بأيّ حقٍ تُقرِّرُ إيران أن أحدًا من مخلوقات الله يجب أن يموت أو يعيش؟ خصوصًا بعد محاكمة جائرة؟! اندهش ركن آبادي من السؤال، ولكنَّهُ حاول أن يشرح بهدوءٍ ولكن مع قلقٍ من السؤال: إن القضاء الإيراني مستقلٌّ تمامًا، ولا أستطيع أنا أو أيٍ من المسؤوليين الحكوميين أن نغير قراراته. لاحقًا تم العفو عن المرأة بالفعل. لكنّ فيسك كان يخشى أن آبادي لم يعفُ عنه بسبب هذا السؤال المربك!

المرة الأخيرة التي رآه فيها إطلاقًا، كانت في باكستان، أثناء حفل استقبال العيد الوطني لباكستان، لكنَّهُ – أي آبادي – انسحب سريعًا عندما بدأ عرض الأزياء لسيدات باكستانيات، وتقدَّم نحو فيسك وصافحه. عاد ركن آبادي إلى طهران عام 2014 كـ «أحد أفضل دبلوماسيي إيران. كنتُ محقًا في شعوري ناحيته في المرة الأولى، فهو أحد أحكم رجال مخابراتها»، كما يقول فيسك.

خرج آبادي إلى الحجّ العام الماضي، بدون جواز سفر دبلوماسي، وفي 24 سبتمبر (أيلول) الماضي، كان من ضمن المختفين من حادثة التدافع في مِنَى، أثناء أداء مناسك الحج. اختفى ركن آبادي لأيام إلى أن تأكدت السلطات من مطابقته لتحليل DNA من أفراد أسرته.

اتهمت إيران العاهل السعودي نفسه بأنه المسؤول عن مقتل أكثر من 2300 شخص، من بينهم 464 إيرانيًا، «الذين تعرضوا لسوء المعاملة بشكلٍ متعمَّد، من بينهم مسؤولين كبار بإيران»، بالطبع لم يكن علينا الانتظار سوى أيام لنعلمَ أنّ «غضنفر ركن آبادي» كان هو المسؤول الأكبر من بين هؤلاء المسؤولين. «لا عجب إذًا أن يغضب الإيرانييون»، هكذا علق فيسك على الأمر.

يعلِّق فيسك على الحادثة، بأنها ربما تكون حدثت بالفعل كحادث عابر، أو كمأساة تراجيدية هائلة، أن يُقتل هذا العدد من الحجَّاج بالفعل، وكانت تكلفته حياة غضنفر ركن آبادي. وخلال الشهرين الماضيين، عقدت اثنتين من المفاوضات بين طهران والرياض، لترتيب الحجّ لهذا العام، ولكنهم فشلوا في التوصل لاتفاق. فوفقًا لطهران ليس هناك أيَّة خطط أمنية خاصة لحماية الحجاج الإيرانيين، كما أنّ السعودية لا تسمح للإيرانيين بتنظيم «مراسم البراءة من المشركين» في الحج.

كانت هناك وقائع حظر سابقة للحجاج الإيرانيين، الذين قاموا بمظاهراتٍ ضد أمريكا وإسرائيل عام 1987، فيما عرف بـ «أحداث مكَّة 1987» التي قُتل بسببها 402 مدنيًّا من بينهم 275 إيراني. كان هذا في فترة الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) عندما كانت العراق تغزو إيران بدعمٍ سعوديّ أمريكيّ. المفارقة أنّ الحكومة العراقية حاليًا تحت مظلَّة الأمن الإيرانيَّة، وفقًا لفيسك.

يختم فيسك مقاله، فيقول: الصراع الحالي يناسب الجميع، فالصراع بين طهران والرياض يصب الدمّ في ساحات القتال في سوريا أولًا، ثم اليمن والعراق. بالنسبة للسعوديَّة فأهل السنة يعانون بدرجةٍ مهولة، وبالنسبة لإيران فالشيعة هم من يعانون، لكنّ من بين ضحايا الشيعة في هذا الصراع، كانَ «غضنفر ركن آبادي»، الدبلوماسي الجيِّد، الذي كانَ يعرفُ الكثير عن الأسلحة، والذي تحدث لي عن الموت والشهادة، الرجل الذي قابل مصيره في أقدس مدينةٍ في الإسلام!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد