تحكي الكاتبة الأمريكية جيليان كينان عن تجربتها ورأيها في إعطاء المال للأطفال المتسولين “مازلت أتذكره بوضوح، كان طفلا صغيرًا، ربما في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره، كان يتجول في الشوارع متسولا المال من المارة في نيوديلهي في وضعية الرقود، كان يدعي أنه غير قادر على المشي، ينام على مزلاج قديم على بطنه ويدفعه بيديه ليتحرك، لم تكن لديه أرجل، تقدم في اتجاهي ونظر مباشرة إلى عينيَّ وطلب مني المال، كان يحاول جاهدا منع نفسه من البكاء، قمت بفتح حافظتي وقمت بإعطائه عشرة دولارات، كان مبلغا زهيدا بالنسبة لي ويقل كثيرًا عما أنفقه لشراء القهوة في كل أسبوع.

ربما كان إعطاؤه مبلغ العشرة دولارات كان أكبر خطأ ارتكبته في حياتي، لا يجب أن يعطي السياح مالا للأطفال المتسولين في البلاد التي يزورونها، من الأطفال رائعي المظهر حتى هؤلاء الذين يعانون من إعاقات، حتى إن كانوا يحتاجون هذا المال للدراسة في المدرسة، لا تعطهم المال أو الحلوى أو حتى الأقلام، هذا لا يعد سخاء ولكنه في الحقيقة الشيء الأكثر ضررا وأنانية الذي يمكن أن تفعله.

العديد من المسافرين يعلمون أننا عندما نعطي المال (أو الهدايا التي يمكن إعادة بيعها كالأقلام مثلا) فإننا ندير عجلة الفقر بأيدينا ونعطي لهؤلاء الأطفال دافعا وسببا قويًا للاستمرار في هذا وترك التعليم. ونعلم أيضًا أن إعطاء الحلوى للأطفال في بعض الأماكن من العالم ربما يسبب ضررا ومعاناة هائلة للطفل لأننا كما نعلم أن في بعض البلدان لا يوجود أية إمكانيات تساعد في علاج تسوس الأسنان في حال إصابة الطفل بها، ولكن السبب لأن لا تعطي الأطفال المتسولين أي شيء هو أعمق بكثير من ذلك؛ إن عمليات التسول المنظمة والممنهجة التي يستغل فيها الأطفال هي أكثر وأوضح العلامات التي يمكن رؤيتها الآن على استمرار الاتجار بالبشر، هذه التجارة يُضَخ فيها أموالٌ هائلة بواسطة أناس طيبين يرغبون فقط في المساعدة.

في الهند يوجد أكثر من 60 ألف طفل يختفون كل عام من بيوت أُسَرِهم وفق السجلات والإحصائيات الرسمية في حين تقدر بعض الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان العدد بأكبر من ذلك بكثير. الكثير من هؤلاء الأطفال يتم اختطافهم وإجبارهم على العمل كمتسولين تابعين لمجموعات منظمة تشبه مجموعات المافيا الإجرامية. وفق اليونيسيف ومنظمة هيومان ريتس ووتش فإن هؤلاء الأطفال لا يسمح له بأخذ ما يحصلونه من المال أو الذهاب إلى المدرسة بل ويتم تجويعهم لذلك تبدو دائما هيئتهم نحيفة وكثيري البكاء مما يثير شفقة المارة من السياح وغيرهم ويجبرهم على إعطائهم المزيد من المال، وحيث أن الأطفال المتسولين ذوي الإعاقة يجنون مالا أكثر من الأصحاء فإن هذه المجموعات تقوم أحيانا بفقء عيون الأطفال أو تشويههم بإلقاء أحماض على وجوههم أو ربما قطع أحد أطرافهم. في العالم 2006، قامت إحدى القنوات التليفزيونية الهندية باختراق هذا العالم وقامت بتصوير أطباء يقومون بإجراء بتر لأطراف الأطفال لصالح عصابة هندية مقابل 200 دولار للعملية الواحدة، ومن يعرف ربما يكون هذا هو الطفل الذي قابلته في ديلهي. ولكي تضمن هذه المجموعات الإجرامية عدم هروب الأطفال فإنهم يقومون بإعطائهم جرعات من الأفيون أو أنواع أخرى من المخدرات لتحويلهم إلى مدمنين لا يستطيعون ترك العمل مع المجموعة.

هذا لا يحدث فقط في الهند، وفق تقرير تم إعداده في الولايات المتحدة الأمريكية فإن رجلا يعيش في مدينة شنجن الصينيىة يزيد دخله عن 40 ألف دولار في العام يكسبها عن طريق إجبار مجموعة من الأطفال على التسول، كأمثلة أخرى مرعبة عن الاتجار بهؤلاء الأطفال بشكل منظم وجدت حالات كثيرة في عدة دول في أنحاء العالم مثل: بوليفيا، الفلبين، بنجلاديش، السنغال، باكستان وحتى في النمسا ودول أوروبية أخرى وفي الولايات المتحدة أيضا. لا يوجد دولة محصنة ضد عمليات الاتجار بالبشر، حتى عندما يكبر هؤلاء الأطفال ويصبح دخلهم من التسول قليلا يتم استغلالهم للعمل في البغاء، السوق السوداء لتجارة الأعضاء البشرية أو إلى مصير آخر يكون بشعًا بالتأكيد.

لذلك فإننا كسياح نحمل نوايا حسنة، عندما نقوم بإعطاء المال بشكل مباشر للأطفال المتسولين فإن ذلك يعطي فرصة لملء جيوب هؤلاء المجرمين الذين سيستخدمون تلك النقود بكل تأكيد في الجرائم واستعباد أطفال آخرين وتستمر نفس الدائرة وربما تقود إلى نتائج كارثية، نحن بإعطائهم المال فقط نقوم بتشجيع هذه الدائرة ونمول هذا المشروع الإجرامي، بل ونضع مستقبل الأطفال في خطر شديد.

دعنا نسأل سؤالا: كيف يمكنك معرفة إذا ما كان الطفل المتسول ضحية لعملية اتّجار بالأطفال ودفعهم للعمل كمتسولين؟ في الحقيقة نحن لا نريد معرفة هذا، بالرغم من أنه في أفضل الحالات فإن إعطاء المال أو الهدايا بشكل مباشر لهؤلاء الأطفال هي فكرة خاطئة دائما، السائحون الذين يقومون بإعطاء الأطفال أقلاما ليستخدموها في مدارسهم، يقوم هؤلاء الأطفال بتجميعها وبيعها لأنهم مجبرون على ذلك.

ببساطة، نحن كسائحين ليس لدينا المعرفة الكاملة والخبرة بالمجتمعات والبلدان التي نزورها، لا نعلم إن كان ما ندفعه سيعود بالنفع أو بالضرر على هذا المجتمع، حتى إن أعطيتهم شيئا تظن أنه عظيم الفائدة فإنه سيؤدي في النهاية إلى ضرر كما حدث في البرازيل عندما قام بعض السائحين بإعطاء الأطفال المتسولين أكياسًا من اللبن الجاف فقام هؤلاء الأطفال بمبادلة هذه الألبان بجرامات من الكوكايين، نعم! الكوكايين بدلا من اللبن!

شعورنا ورغبتنا في العطاء ومساعدة الآخرين في الدول التي نزورها هي شيء رائع حقا، ولكن هناك طرقًا أجمل لهذا العطاء، هناك الكثير من المنظمات غير الحكومية التي تجعل هذا المال يصل للمكان الصحيح ولمن يستحقه ويعرفون تمامًا كيف يستخدمون الطرق الصحيحة لتحسين المجتمع بطرق علمية. ربما إعطاء مبلغ من المال لجمعية أهلية لا يبدو شيئا مشجعا بالنسبة لك (ولن يضيف صورة رائعة لألبوم رحلتك كسائح) ولكنها حقا الطريقة الأفضل التي يمكنك أن تساعد بها، إذا أردت مساعدة الأطفال بالكتب والأقلام مثلا فأنصحك بالتبرع لمنظمات مهتمة بهذا الشأن مثل منظمة الكتب من أجل أفريقيا ومنظمة دعم الأطفال في كمبوديا.

وتوجد أيضا العديد من المنظمات التي تعمل في مجال منع التسول ومنع استغلال الأطفال مثل منظمة إنقاذ الأطفال التي تعمل على محاولة تحرير الأطفال الذين يتم استغلالهم في أعمال التسول والأعمال غير الشرعية وتوفر لهم الدعم والحماية والتدريب والتعليم، كما تنشط العديد من هذه المنظمات في الهند في محاولات جاهدة لإنقاذ الأمر.

ربما هذه الأمور لن تساعد كثيرا ونحن نواجه فقرًا مفجعًا ومعاناة كبيرة، أليس كذلك؟ ربما نشعر بالقسوة والمعاناة عندما ننظر في عيون طفل يتسول، كما تنصح أغلب الأدلة السياحية (قل لهم لا بنبرة واضحة) حتى أولئك السائحون الذين يدركون مدى خطورة استغلال الأطفال في التسول والضرر الكبير الناتح عن ذلك يعطون أولئك الأطفال بعض الهدايا ويجدون أنه من الصعب جدا بالنسبة لهم المرور فقط أمام طفل يطلب المساعدة، أعرف أنني لا أقدر على ذلك.

فإذا كان لا يمكننا أن نقول لا ونمر فقط، وبالتاكيد لا يجب علينا أن نوافق على هذا فماذا يمكننا أن نقول؟ الإجابة هي إيجاد وسيلة مبتكرة لمحاولة حل هذه المشكلة، طريقة ذكية لتقديم المساعدة، أنا أرسم طابعا على يدي وأعرض عليهم رسم شيء مماثل لهم، هذا يجعلهم سعداء، أعلم أنه ربما بعض الآباء لن يكونوا سعداء عندما يعود طفلهم في آخر اليوم برسم على يديه أو ربما على جبهته كما فعلت مع طفل في الفلبين أثناء زيارتي، لكن هذا الأمر يبدو ممتعا وينشر الابتسامة بين هؤلاء الأطفال. لدي صديق يسافر مع دمية صغيرة لها شعر طويل ويعلم الأطفال كيف يصنعون الضفائر، هناك الكثير من الوسائل لإسعادهم حقا.

1

الأمر الذي أريد الوصول له هو أن الخيارات كثيرة لمحاولة مساعدة هؤلاء الأطفال ولكن عدم إعطائهم المال أو الهدايا هو أمر حتمي بالنسبة لي، لا أقصد منع المال تمامًا ولكن توجيهه في الطريق الصحيح، تبرعوا للمنظمات الأهلية الموثوقة، ابحثوا عن طريق جديدة ومبدعة لتقديم المساعدة لهم، حتى لا نشجع تلك العجلة التي ستقود في النهاية إلى مزيد من المعاناة لأطفال آخرين ولإيقاف عمليات الاتجار بالبشر، باختصار كن كريما ولكن ضع تلك النقود في المكان المناسب.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد