نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا لأستاذة الديموغرافيا في جامعة ساوثهامبتون، برينا بيرلي هاريس، والمحاضر في الإحصاء الاجتماعي وعلوم البيانات في الجامعة نفسها، وجيسون هيلتون، تحدثا فيه عن التنبؤات المستقبلية بشأن التعداد السكاني العالمي، وكيف تُجرى، وكذلك العوامل المؤثرة في معدل الخصوبة ازديادًا وانخفاضًا.

استهل الكاتبان مقالهما قائلين: عندما نشرت إذاعة «بي بي سي» البريطانية نتائج دراسة حديثة حول تعداد سكان العالم في منتصف يوليو (تموز)، كانت لهجة الدراسة مقلقة؛ إذ تنبأت بانخفاض مذهل في معدل الولادات، حتى إن أحد مؤلفي الدراسة أعرب عن مخاوفه حول مستقبل ابنته في ضوء «التغير الاجتماعي الهائل».

وتشير الدراسة التي أجراها معهد القياسات الصحية والتقييم (IHME) بجامعة واشنطن، ونشرتها مجلة «ذا لانست» إلى أن تعداد سكان العالم سيبلغ ذروته عام 2064 بـ9.7 مليار، ثم سينخفض إلى 8.8 في 2100.

وعلى الرغم من أنه ليس علينا أن نشعر بالذعر مبكرًا الآن، فإن معرفة كيف تُجرى هذه التوقعات تساعدنا في تفسير ما يحدث. ومن أجل التنبؤ بكيفية تغير عدد سكان العالم خلال القرن القادم، علينا التنبؤ بمكونين رئيسيين في التغير السكاني: الوفيات والخصوبة.

ثم على ضوء هذين العاملين يمكن تقدير نمو عدد السكان أو انخفاضه. ولكن توقع هذين المكونين على مدى فترة زمنية طويلة أمر صعب؛ إذ قد يؤثر التغير الاجتماعي والاقتصادي والتقدم التكنولوجي في مسار هذه التنبؤات.

ومع ذلك، تبقى التنبؤات السكانية مهمة للمساعدة في تنسيق الاستجابات على التغير المناخي على سبيل المثال. ولذلك تصدر منظمات مثل الأمم المتحدة مثل هذه التنبؤات بانتظام.

عربي

منذ 6 شهور
«هآرتس»: لهذه الأسباب الزيادة السكانية في مصر أخطر مما تعتقد

تقدير معدلات الخصوبة العالمية

يواصل الكاتبان: الخصوبة هي أهم عامل من العوامل الثلاثة الأساسية التي تحدد التغيرات السكانية العالمية. وقد فهم الديموغرافيون منذ عقود أن مقياس الخصوبة الكلي – وهو مقياس يستخدم لحساب عدد الأطفال الذين يتوقع أن تنجبهم السيدة خلال فترة حياتها – آخذ في الانخفاض في جميع أنحاء العالم.

ففي عام 2020، وصلت معدلات الخصوبة في أكثر من 90 دولة ومنطقة حول العالم إلى أقل من 2.1. أي إن هذا هو متوسط عدد الأطفال الذين ستنجبهم السيدة، خلفًا لها ولشريكها، مع الأخذ في الاعتبار أولئك الأطفال الذين يتوفون قبل سن البلوغ.

هل تنخفض معدلات الخصوبة عالميًا؟ هكذا تُجرى تنبؤات التعداد السكاني

وقد شهدت بعض مناطق جنوب وشرق أوروبا معدلات خصوبة منخفضة جدًّا منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي؛ إذ وصل إجمالي معدل الخصوبة إلى 1.3 أو أقل. في حين أن دول شرق آسيا، بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية، سجلت معدلات خصوبة منخفضة للغاية في العقد الأول من الألفية الجديدة؛ إذ يبلغ معدل الخصوبة في كوريا الجنوبية حاليًا 1.1. وبهذا يكون الانخفاض المذهل في معدلات الخصوبة قد حدث بالفعل في وقت سابق في تلك المناطق.

الفارق الرئيسي بين تنبؤات معهد القياسات الصحية والتقييم، وغيره من التنبؤات الأخرى، هو تقدير سرعة التراجع والمستوى النهائي للخصوبة في الدول النامية. فأحد العناصر الرئيسية التي ترتكز عليها توقعات معهد القياسات الصحية والتقييم هو أنهم يتوقعون معدل الخصوبة بناء على مستوى تعليم المرأة، وتوفر وسائل منع الحمل.

ويبدو ذلك منطقيًّا؛ فمن المعروف أن التعليم ووسائل منع الحمل تخفِّض معدلات الخصوبة؛ إذ تكتسب السيدات استقلالية تسمح لهن باتخاذ قرارات بشأن الإنجاب. ولكن التنبؤ بمعدل الخصوبة استنادًا إلى الوصول المستقبلي للتعليم ووسائل منع الحمل ليس بالأمر السهل.

وهذا هو السبب الذي يجعل الأمم المتحدة تركز في تنبؤاتها على عاملي الخصوبة والوفيات فقط. فتعتمد تنبؤات الأمم المتحدة بشأن البلدان التي لديها معدلات خصوبة ووفيات عالية على متوسط أنماط الانخفاض في البلدان التي وصلت بالفعل إلى المستويات المنخفضة. وهذه التنبؤات تقول إن عدد سكان العالم سيصل إلى 11 مليار نسمة في 2100، وهو أعلى بكثير من تنبؤات معهد القياسات الصحية والتقييم.

التعداد السكاني في أفريقيا

يذكر الكاتبان طرقًا أخرى للتنبؤ بمعدلات الخصوبة، ومنها: النهج الذي يستند في تنبؤاته إلى آراء الخبراء. ففي عام 2014، أجرى باحثون من مركز «فيتجنشتاين للديموغرافيا ورأس المال البشري العالمي» لقاءات مع أكثر من 550 خبيرًا في تعداد السكان حول العالم، واستعانوا بآرائهم المستنيرة لتوجيه تقديراتهم بشأن عدد سكان العالم.

باتباع هذا النهج، توقع الخبراء أن يبلغ عدد سكان العالم ذروته بحلول عام 2070 ليبلغ 9.4 مليار نسمة، ثم ينخفض إلى 9 مليارات بحلول 2100، وهو لا يختلف كثيرًا عن الرقم الذي توصل إليه معهد القياسات الصحية والتقييم. إلا أن الديموغرافيين في هذه الدراسة أوضحوا بجلاء أن حجم سكان العالم في المستقبل سيعتمد على مدى سرعة حصول الفتيات على المزيد من التعليم، خاصة في أفريقيا.

هل تنخفض معدلات الخصوبة عالميًا؟ هكذا تُجرى تنبؤات التعداد السكاني

وأشار الخبراء في معهد القياسات الصحية والتقييم أيضًا إلى أن عدد سكان أفريقيا سينمو، وستصبح نيجيريا واحدة من أكبر دول العالم من حيث الكثافة السكانية. ولكن حجم النمو السكاني يعتمد أيضًا على الافتراضات الأساسية حول سرعة التغير المجتمعي. ويميل معهد القياسات الصحية والتقييم إلى افتراض أن أفريقيا ستحقق مستوى تعليميًّا أعلى وستوفر وسائل منع الحمل؛ الأمر الذي سيؤدي إلى معدلات خصوبة أقل بكثير من مستوى الإحلال (وهو المحافظة على عدد سكان العالم كما هو جيلًا بعد جيل).

لكن معظم الديموغرافيين يشيرون إلى أن العديد من بلدان أفريقيا شهدت توقفًا في منحنى انخفاض مستويات الخصوبة، ويعزون السبب إلى الفشل في تعليم الفتيات، وربما عودة النزعة الدينية والسلطة الأبوية.

ويعتقد الخبراء الديموغرافيون الذين يدرسون أفريقيا أن الخصوبة ستبقى عالية بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية، وكذلك التنمية غير المتكافئة في القارة. وعلى ضوء هذا كله تبقى الإجابة عن سؤال ما إذا كانت مستويات الخصوبة في أفريقيا قد بدأت بالانخفاض أم لا، ليست واضحة بعد.

انعدام اليقين

يدرك معظم الديموغرافيين أننا بحاجة إلى تضمين تقدير لعدم اليقين في توقعاتهم لجعل التنبؤات حول عدد سكان العالم المستقبلي أكثر واقعية. وفي حين أصدر معهد القياسات الصحية والتقييم سيناريوهات بديلة، يبدو أن هذه الفروقات الدقيقة (مقياس عدم اليقين) تاهت في خضم الدعاية المحيطة بالدراسة. فالدراسات المحافظة للتنبؤات السكانية المستقبلية، التي تتضمن إشارة إلى قدر كبير من انعدام اليقين، لا توفر بالطبع مادة خصبة لعناوين الأخبار المثيرة.

تعمل مجموعة من الديموغرافيين حاليًا على إعداد رسالة – وقع عليها الكاتبان – لمجلة «لانسيت» حول دراسة معهد القياسات الصحية والتقييم، تعبر عن قلق الخبراء من كون النماذج والبيانات والافتراضات الأساسية في الدراسة لم تخضع لتدقيق كافٍ.

وفي ختام مقالهما يقول الكاتبان: لا يدرك سيناريو «يوم القيامة» الرائج في وسائل الإعلام أن انخفاض معدلات الخصوبة تترافق مع تطورات إيجابية مثل استقلالية المرأة وتعليمها. ولا يدرك المروجون لهذا السيناريو أيضًا أن هذه التنبؤات المقلقة قد تدفع الحكومات لاتباع سياسات تقوِّض حقوق السكان في الإنجاب. ولذلك يجب أن تخضع هذه الدراسات لتدقيق نقدي، وأن تكون التغطية الإعلامية التي تتناول سيناريوهات الكثافة السكانية المستقبلية أكثر حذرًا، وأقل إثارة للقلق.

مجتمع

منذ 4 سنوات
لماذا تُعطّل بعض الحكومات التعداد السكاني في دولها؟

يرى المحاضر في سياسات الشرق الأوسط المعاصر في جامعة كامبريدج د. خالد الحروب أن التجربة الواقعية تشير إلى أن الحكومات الاستبدادية كانت متحفظة على إجراء التعداد السكاني رغم أنه ضرورة تنموية تعتمد عليها كل عمليات التنمية في أي مجتمع، وذلك لأن أي إحصاء على المستوى الوطني سوف يظهر الحقائق الديموغرافية بشكل واضح أو «تحت الشمس» كما يقال، ومن هذه الحقائق سيطرة أو غلبة فئة معينة لا تريد الحكومة ظهورها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد