قدَّم مدير الاستخبارات القومية الأمريكية جيمس كلابر في فبراير الماضي التقييم السنوي للتهديدات العالمية الصادر عن لجنة الاستخبارات الأمريكية إلى لجنةٍ بالكونجرس. أورد الكثير من التهديدات المُحتمَلة المعتادة، بما فيها الهجمات الإلكترونية والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشاملة والجرائم المُنظَّمة العابرة للحدود. كما ناقش الأثر الأمني للنمو الاقتصادي البطيء، والإنتاج العالمي المنخفض، والفقر.

ولكن لم تُدرَج في قائمته المشكلة العالمية المتنامية في أهميتها، وهي انعدام المساواة في الدخل العالمي. ليس انعدام المساواة في الدخل العالمي مشكلة أمنية تقليدية، ولكنَّه تهديد ناشئ، على منشأة الأمن القومي أخذه على محمل الجد.

غياب المساواة مشكلة سياسية

لطالما تجادل الباحثون والمجتمع التنموي في أسباب انعدام المساواة في الدخل داخل الدول – والذي يُعرَف كذلك تفاوت الطبقات – وآثاره. ولكن الجديد منذ الكساد الكبير في عام 2008 هو ظهور انعدام المساواة في الدخل بوصفه مشكلةً سياسية ملحوظة. ونشَّط كتابُ توماس بيكيتي عن تاريخ الثروة وانعدام المساواة في الدخل في أوروبا والولايات المتحدة؛ «Capital in the Twenty-First Century» النقاش حول انعدام المساواة في الدخل. حذا الرئيس أوباما حذو بيكيتي وحذَّر علنًا من أنَّ الفجوة بين الدخول الأمريكية هي «التحدِّي المُميِّز لعصرنا» و«تهديد جذري». وصنَّف المنتدى الاقتصادي العالمي انعدام المساواة المتنامي في الدخل الأولوية الأولى للعالم في 2015.

لم يجذِب انعدام المساواة في الدخل العالمي الكثير من الانتباه خارج دوائر التنمية على عكس انعدام المساواة داخل الدول. يُعرِّف الاقتصادي السابق بالبنك الدولي برانكو ميلانوفيك انعدام المساواة في الدخل العالمي بأنَّه مجموع انعدام المساواة داخل الدول وبين بعضها البعض، ويوضِّح أنَّ انعدام المساواة في الدخل بين الدول أكبر كثيرًا منه داخل الدول، ويعترف بأنَّ تقدير ما إذا كان انعدامُ المساواة في الدخل العالمي في ارتفاع أو انهيار أمرًا صعبًا وحسَّاسًا بشدة تجاه الاختلافات القياسية.

كيف يؤثِّر انعدام المساواة في الدخل العالمي على مصالح أمريكا القومية؟ ولماذا على صُنَّاع السياسات مراقبته بينما هم مُنشغلون بالفعل بعددٍ غير مسبوق من أزمات السياسة الخارجية، بالإضافة إلى الفجوة المتنامية بين الدخول داخل الولايات المتحدة؟

يمكن اختزال الإجابة في الحرمان النسبي وأثره على السلوك السياسي والظروف الأمنية. الحرمان النسبي هو مفهوم نفسي يصف تجربة المُستائين عندما يقارنون أوضاعهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بأوضاع الأفراد أو المجموعات الأخرى ويشعرون بالنقص. بصراحة، تُزيد مشاعر الحرمان من الإحباط.

عندما تجتمع العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي مع النقاش السياسي المتزايد حول انعدام المساواة في الدخل، تكون النتيجة انتشار وباء الحرمان النسبي. فالناس الآن ينظرون أكثر من أي وقت مضى إلى ما هو أبعد من أحيائهم ويقارنون أوضاعهم بأوضاع الآخرين في وطنهم وكذلك في الدول الأخرى. إنَّ الطبقة الوسطى العالمية على وجه الخصوص أكثر وعيًا بثروة الطبقات الوسطى في البلاد الأخرى ذات مستويات المعيشة الأعلى وعاداتها الاستهلاكية.

نتيجةً لذلك تتَّسع الفجوة بين التوقُّعات المتزايدة والواقع المُدرَك وتولِّد استياءً. يتفهَّم القادة السياسيون بالدول ذات الفروق الواسعة في الدخول والطبقات الدُنيا الكبيرة – مثل كوريا الشمالية وكوبا والصين – جيِّدًا المخاطر السياسية للحرمان النسبي، وهو أحد أسباب تقييدهم حرية الوصول إلى الإعلام.

بالطبع ليس للشعور بالحرمان النسبي أثرٌ مباشرٌ على الظروف الأمنية، ولكن الإحباط يؤدِّي إلى سلوك سياسي له عواقب أمنية. يُغذِّي انعدام المساواة في الدخل العالمي الإحباط والسلوكيات السياسية التي تقوِّض من مصالح أمريكا الأمنية بالطرق الأربعة التالية:

1- إشعال التوتُّرات الحدودية ومشاكل الهجرة

إنَّ انعدام المساواة في الدخل داخل الدول وبين بعضها البعض مصدرٌ هام للهجرة الدولية، يعبر العُمَّال المُهاجِرون حدودهم مُعتقدِين أنَّ الدولة التي يتَّجهون لها تُوفِّر وظائف أفضل من بلدهم الأصلي. ولكن وجود العُمَّال المُهاجِرين يخلق غالبًا توتُّرات سياسية واجتماعية، خاصةً إذا كان البلد يمُر بمشاكله الاقتصادية الخاصة، ويمكن لهذا الاحتكاك أن يتحوَّل تدريجيًّا إلى مشكلة أمنية.

ففي فرنسا على سبيل المثال، أدَّى عدد المسلمين المُتضخِّم الذين هربوا من الفقر وانعدام المساواة الشديد في الدخل في شمال إفريقيا ودول أخرى إلى أحداث شغب ويصنع بيئة خصبة للتطرُّف الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، سرعان ما أصبح خروج عشرات الآلاف من أطفال وسط أمريكا العام الماضي، باتجاه الولايات الأكثر رخاءً للهروب من دمار الفقر والجريمة، يُمثِّل لواشنطن مُشكلةً مزدوجة وأولوية سياسية.

2- تغذية الجرائم المُنظَّمة العابرة للحدود

إنَّ المُجرِمين المُتورِّطين في الاتّجار في البشر والمُخدِّرات هم المُستفيدون من الفجوات بين الدخول في بلادهم وبين الدول المجاورة. ينتهج العديد من المُجرِمين أنشطة محظورة لأنَّها غالبًا ما تُكسِبهم أكثر من معظم الوظائف الرسمية وغير الرسمية. أمَّا عن الضحايا فالصعوبات الاقتصادية تقودهم إلى تجربة وسائل بائسة مثل الهروب من بلدانهم بطريقةٍ تُعرِّض حيواتهم للخطر أو لأن يُجبَروا على الاشتراك في تجارة الجنس. وأمَّا من ناحية الطَلَب فتُجَّار المُخدِّرات يزدهرون في دول وسط وجنوب أمريكا الأقل رخاءً بفضل الطَلَب المُتزايد على الكوكايين في المدن الكُبرى في الولايات المتحدة وأوروبا.

3- تسهيل التجنيد الإرهابي

يخلق انعدام المساواة في الدخل للجماعات الإرهابية ظروفًا ملائمة للعمل والحصول على مُجنَّدين جُدد. قد تلجأ المجموعات المحرومة من الحقوق الاقتصادية التي تشعر بالحرمان النسبي بشدة إلى الإرهاب، وخاصةً عندما تشعر بعدم وجود سُبُلٍ أخرى لتغيير الوضع القائم. ليس هناك سببٌ واحد للإرهاب، ولكن توضِّح بعض الدراسات علاقةً قوية بين انعدام المساواة في الدخل وبين الإرهاب. والأكثر من ذلك أنَّ الدعاية للإرهاب تكون رنَّانةً أكثر عندما تستجدي مشاعر الحرمان النسبي والظُلم.

4- تقوية التحدِّيات أمام النظام العالمي

ظلَّ انعدام المساواة في الدخل العالمي طويلًا مصدرًا للتوتُّر بين الدول المُتقدِّمة وبين الدول النامية. الأمر الجديد هو الفعالية الزائدة لبعض الدول ذات الأسواق الناشئة التي تستخدم تأثيرها المتزايد في محاولة زيادة تأثيرها في المؤسَّسات العالمية. ويقود هذه الحملة دول البريكس، وخاصةً الصين والبرازيل والهند. وبينما من الصحيح أنَّ تغيير ديناميكيات القوة بين الولايات المتحدة والصين يستلزم جهودًا إصلاحية حكومية دولية، إلَّا أنَّ التباين في القوى في المؤسَّسات العالمية بين الدول المُتقدِّمة والدول النامية ينبع من الفجوة القديمة بينهم في الدخول، فالثروة باختصار هي القوة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد