يقدم تقرير جديد صادر عن مشروع تكاليف الحرب تقديراتٍ مذهلةً للتكاليف البشرية والمالية للحرب العالمية الأبدية.

كتب مرتضى حسين، الصحافي بموقع «ذي إنترسبت» يركز على شؤون الأمن القومي والسياسية الخارجية وكتب في عديد من المنافذ الإعلامية الكبيرة، تحليلًا عن تكلفة الحرب العالمية على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة في عدة دول ومناطق من العالم، ويطرح عدة تساؤلات: هل من نتيجة لهذه الحرب، ومَنْ ربح ومَنْ خسر فيها، وبأي ثمن من الكلفة البشرية والمالية؟

ويستهل الكاتب تحليله بالقول: تسببت الحرب العالمية التي قادتها الولايات المتحدة على الإرهاب في مقتل ما يقرب من مليون شخص على مستوى العالم وبلغت تكلفتها أكثر من 8 تريليونات دولار منذ أن بدأت قبل عقدين. وتأتي هذه الأرقام المذهلة من تقرير تاريخي صدر يوم الأربعاء عن مشروع تكاليف الحرب بجامعة براون، وهو جهد بحثي مستمر لتوثيق التأثير الاقتصادي والبشري للعمليات العسكرية بعد 11 سبتمبر (أيلول).

والتقرير – الذي يبحث في حصيلة الحروب التي خاضتها في العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان والصومال ومناطق أخرى تنخرط فيها الولايات المتحدة عسكريًّا – هو الأحدث في سلسلة تقارير نشرها مشروع تكاليف الحرب ويقدم الحساب العام الأكثر شمولًا حتى الآن عن عواقب النزاعات الأمريكية المفتوحة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا، والتي يُشار إليها اليوم باسم «الحروب الأبدية».

تاريخ

منذ أسبوعين
من بريطانيا إلى أمريكا.. كيف أصبحت أفغانستان «مقبرة الغزاة»؟

وينقل الكاتب عن نيتا كروفورد، المديرة المشاركة للمشروع قولها في بيان صحفي مصاحب للتقرير، إنه: «من الأهمية بمكان أن نأخذ في الحسبان العواقب الهائلة والمتنوعة للحروب الأمريكية العديدة وعمليات مكافحة الإرهاب منذ 11 سبتمبر، ويجب أن نتوقف ونفكر في جميع الأرواح التي فقدناها. إن حساباتنا تتجاوز أرقام البنتاجون، لأن تكاليف رد الفعل على أحداث 11 سبتمبر قد تجاوزت حدود الميزانية بأكملها».

إن التكاليف الاقتصادية الهائلة للحرب على الإرهاب تتضاءل إذا ما وُوزِنت بالتأثير البشري المباشر، الذي يُقاس بعدد القتلى والجرحى والنازحين من منازلهم. وتشير أحدث تقديرات مشروع تكاليف الحرب إلى أن ما يتراوح بين 897 ألفًا و929 ألف شخص قد لقوا حتفهم خلال الحروب. ومن بين القتلى، جرى تصنيف 387 ألفًا على أنهم مدنيون، وهناك 207 آلاف من أفراد الجيش وقوات الشرطة، و301 ألف آخرون قُتلوا على يد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها. ووجد التقرير أيضًا أن حوالي 15 ألفًا من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية والمتعاقدين قُتِلوا في الحروب، إلى جانب عددٍ مماثلٍ من القوات الغربية المتحالفة المنتشرة في النزاعات وعدة مئات من الصحفيين وعمال الإغاثة الإنسانية.

النقاش مستمر بشأن العدد الحقيقي للقتلى

يلفت الكاتب إلى أن مسألة عدد الأشخاص الذين لاقوا حتفهم في نزاعات ما بعد 11 سبتمبر تعد موضوعَ نقاشٍ مستمرًا، على الرغم من أن الأرقام في جميع الحالات تعد مرتفعة على نحو غير عادي. وقدرت الدراسات السابقة لتكاليف الحرب أعداد القتلى بمئات الآلاف، وهو تقدير يحصي عدد أولئك الذين قُتِلوا مباشرة بسبب العنف. ووفقًا لتقدير عام 2015 الصادر عن منظمة أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية الحائزة على جائزة نوبل، قُتِل أكثر من مليون شخص بطريقة مباشرة وغير مباشرة في الحروب في العراق وأفغانستان وباكستان وحدها. وتزداد صعوبة حساب عدد القتلى بسبب رفض الجيش الأمريكي تتبع عدد القتلى في عملياته، فضلًا عن بُعد المناطق التي يدور فيها عديد من النزاعات.

Embed from Getty Images

وعلى غرار دراساته السابقة، يركز عدد القتلى المحتسب من خلال مشروع تكاليف الحرب على الوفيات الناجمة مباشرةً عن العنف أثناء الحرب العالمية على الإرهاب فحسب، ولا يشمل «الوفيات غير المباشرة، أي تلك الناجمة عن فقدان الوصول إلى الغذاء والماء أو البنية التحتية والأمراض المرتبطة بالحرب أو جميعها» التي نجمت عن الصراعات. وتشير حواشي التقرير أيضًا إلى أن: «بعض الأشخاص المصنفين بصفتهم مقاتلين في صفوف المعارضة ربما كانوا في الواقع مدنيين أيضًا، نظرًا لوجود دوافع سياسية لتصنيف القتلى بصفتهم مسلَّحين وليسوا مدنيين» – وهو تنبيه يتوافق مع الممارسات المُعترف بها من جانب الحكومة الأمريكية بوصف أي «ذكور في سن التجنيد» قُتِلوا في عملياتها بأنهم مقاتلون ما لم يثبت خلاف ذلك.

تراكم الجثث مقياس النجاح

ويوضح الكاتب أن هذه الممارسات استمرت عبر إدارات أمريكية متعددة. وتضمَّن تحقيق حديث أجراه الموقع الإخباري (Connecting Vets) الذي يركز على الجيش، فيديوهات مسربة وحسابات من حملة الطائرات من دون طيار لعام 2019 في إقليم هلمند في أفغانستان. وتضمَّنت القصة شهادة من مشغِّلين سابقين لطائرات من دون طيار قالوا إنهم حصلوا على الضوء الأخضر لقتل أي شخص يُشاهد وهو يحمل جهاز اتصال لاسلكي أو يرتدي سترة مموَّهة في الإقليم، الذي كان يعاني من ضعف الأمن ويفتقر إلى خدمة الهاتف الخلوي. وفيما يخص بعض المسؤولين الأمريكيين المرخص لهم بالإذن في ضربات الطائرات من دون طيار، والمحبطين بسبب عدم قدرتهم على تحقيق نصر إستراتيجي أو حتى شروط تفاوضية مواتية مع طالبان، كان «مقياس النجاح هو تراكم الجثث».

وينص تقرير مشروع تكاليف الحرب على أن النتائج التي توصَّل إليها بشأن الوفيات في الحروب هي نتائج متحفِّظة، مما يترك عديدًا من الأشخاص خارج الحصر. وعلى الرغم من أنه يمكن القول بثقة إن ما يقرب من مليون شخص قد لقوا مصرعهم منذ بدء الحرب العالمية على الإرهاب، إلا أن هذا الرقم المذهل، على حد تعبير نيتا كروفورد، المدير المشارك للمشروع، «من المحتمل أن يكون عددًا أقل بكثير من الخسائر الحقيقية. لقد حصدت الحروب حياة البشر».

التكاليف الاقتصادية

وأردف الكاتب أن التكاليف الاقتصادية التي حصرها تقرير تكاليف الحرب تشمل 2.3 تريليونات دولار أنفقتها الحكومة الأمريكية على العمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان، و2.1 تريليونات دولار في العراق وسوريا، و355 مليار دولار في الصومال ومناطق أخرى من أفريقيا. وأُنفِق 1.1 تريليونات دولار إضافية على تدابير الأمن الداخلي في الولايات المتحدة منذ عام 2001، مما رفع النفقات المباشرة من الحرب على الإرهاب في الداخل والخارج إلى 5.8 تريليونات دولار.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، فإن هذا لا يمثل كامل النفقات التي تفرضها الحروب. وعاد عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين من مناطق حرب أجنبية مشوَّهين ومصابين بصدمات نفسية، مما حوَّل كثيرين منهم إلى مُعالين لدى الحكومة الفيدرالية على المدى الطويل. ومن المرجح أن تتجاوز تكلفة توفير الرعاية الطبية والإعاقة لهؤلاء المحاربين 2.2 تريليونات دولار بحلول عام 2050 من إجماليها الحالي بعد 11 سبتمبر البالغ 465 مليار دولار، وبذلك يصل إجمالي الفاتورة الاقتصادية للحروب إلى 8 تريليونات دولار.

حروب 11 سبتمبر

يجمع التقرير عدة مصادر مختلفة لإعطاء إجمالي تكلفة حروب ما بعد 11 سبتمبر، بما في ذلك مخصصات وزارتي الدفاع والخارجية للنفقات المتعلقة بالحرب وزيادات في ميزانية التشغيل الأساسية لوزارة الدفاع ومدفوعات الفائدة المصروفة على الاقتراض والأموال الملتزَم بها لخدمات شؤون قدامى المحاربين في المستقبل وإنفاق وزارة الأمن الداخلي على منع الهجمات الإرهابية والتصدي لها. وحتى هذا الحساب الشامل لا يعطي الصورة الكاملة للنفقات الأمريكية: الرقم الإجمالي الموضَّح في التقرير والبالغ 8 تريليونات دولار لا يشمل الأموال التي أُنفِقت على المساعدات الإنسانية في منطقة الحرب والتنمية الاقتصادية، كما أنه لا يأخذ في الاعتبار مدفوعات الفوائد المستقبلية التي سيجرى تكبدها على المبالغ الضخمة من الاستدانة المُستخدَمة لدفع تكاليف الحروب.

دولي

منذ 3 أسابيع
«الإندبندنت»: ما نوع الأسلحة التي استولت عليها طالبان بعد الانسحاب الأمريكي؟

ويمضي الكاتب في تحليله إلى أن كثيرين سيجدون أن التكلفة المالية الفلكية للحرب العالمية على الإرهاب مزعجة، ليس بسبب قلة نتائجها النسبية في المقابل فحسب، ولكن أيضًا بسبب التناقض بين التكلفة الحالية للحرب وما زعمه المسؤولون الأمريكيون في البداية بشأن متطلباتها. وتقدِّم الحرب في العراق أحد الأمثلة الواقعية. ففي سبتمبر 2002، قدَّر لورانس ليندسي، الذي كان يشغل منصب كبير المستشارين الاقتصاديين في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، أن نفقات «الحد الأعلى» للغزو والاحتلال الوشيكين ستتراوح بين 100 و200 مليار دولار. وفي وقتٍ لاحقٍ من ذلك العام، قدم ميتش دانيلز، مدير مكتب الإدارة والميزانية آنذاك، تقديرًا أكثر تواضعًا للتكاليف، قائلًا إن الحرب في العراق من المرجح أن تكلِّف دافعي الضرائب الأمريكيين ما بين 50 و60 مليار دولار.

الوضع خارج عن السيطرة

في الواقع، انتهى غزو العراق واحتلاله – وهو مجرد واحد من عدد من الصراعات التي خاضتها الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم منذ 11 سبتمبر – بتكلفة تريليونات الدولارات مع زعزعة استقرار الشرق الأوسط وإحداث صراعات ثانوية استمرت في استدراج الولايات المتحدة وكبَّدتها نفقات إضافية وخسائر في الأرواح. لقد أبرزت الأحداث الجارية كيف أن الوضع خرج عن السيطرة على نحو قاتم. والهجوم الأخير على المطار في أفغانستان، والذي أسفر عن مقتل أكثر من عشرة من أفراد الخدمة الأمريكية وحوالي 170 أفغانيًّا، تبنَّاه فرع محلي من تنظيم الدولة الإسلامية، وهو جماعة «إرهابية» لم تكن موجودة في بداية الحرب العالمية على الإرهاب ولكنها وُلدِت من رحم الفوضى التي أحدثها الاحتلال الأمريكي للعراق.

Embed from Getty Images

ويبدو أنه ليس هناك نهاية تلوح في الأفق للصراعات، حتى مع وضع الولايات المتحدة خططًا لانتشال نفسها من احتلال أفغانستان الذي دام 20 عامًا.

ويختتم الكاتب تحليله بتساؤل تطرحه ستيفاني سافيل، المدير المشارك لمشروع تكاليف الحرب: «ما الذي أنجزناه حقًا في 20 عامًا من حروب ما بعد 11 سبتمبر؟ ملايين الأرواح وتريليونات الدولارات في وقتٍ لاحقٍ، مَنْ الذي ربح؟ ومَنْ خسر وكم كان الثمن؟ بعد 20 عامًا من الآن، سنظل نتعامل مع التكاليف المجتمعية الباهظة لحرب أفغانستان والعراق – بعد مدة طويلة من رحيل القوات الأمريكية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد