نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري، فإن القمم الجليدية القطبية تنحسر بوتيرة سريعة. خلال حوالي من 30 – 40 عاما، يتوقع الخبراء أن البحار الشمالية ستكون خالية تماما من الجليد. بالنسبة لبعض الأجزاء من العالم، فإن هذه الكارثة البيئية المدمرة قد تخلق في الواقع دفعة اقتصادية.

ومن شأن قطب شمالي خالٍ من الجليد أن يقدم فرصا ليس فقط فرصا لاستغلال الموارد الطبيعية غير المستغلة، ولكنه أيضا سيكون نعمة كبرى للتجارة الدولية حيث سيفتح قنوات جديدة للنقل البحري في المنطقة. من جديد، سيعاود ظهور ذلك الطريق المختصر بين المحيطين الهادي والأطلسي شمال روسيا، والذي يعرف تاريخيا باسم الممر الشمالي الشرقي، والذي سوف يخفض بشكل جذري أوقات السفر بين أوروبا والشرق الأقصى.

ومع ذلك، فإن هذا المكسب الاقتصادي العالمي سوف يخلق خسارة كبيرة لمصر. فحين تبدأ السفن سلوك طريق الشمال، فإن الإيرادات من عبور السفن عبر قناة السويس، والتي تعد واحدة من المصادر الرئيسية في مصر للدخل وللعملة الأجنبية، سوف يتم خفضها. وسوف يسبب هذا كارثة للاقتصاد المصري وللدولة وللشعب.

حاليا، تعد القناة هي أسرع الطرق للإبحار بين الشرق الأقصى وأوروبا. وبحسب وزارة النقل الروسية، فإن انفتاح الممر الشمالي الشرقي سوف يقلص قدرا كبيرا من مسافة هذه الرحلة البعيدة، على سبيل المثال، سوف تتقلص المسافة بين يوكوهاما في اليابان وبين روتردام في هولندا بمقدار حوالي 4450 ميلا. ووفقا للتوقعات الحالية، فإن 18000 سفينة سنويا المرجح استخدام هذا الطريق الجديد وهو تقريبا نفس الرقم الذي يمر سنويا عبر قناة السويس. ومن الواضح أن هذا سوف يقلل بشدة حركة المرور في القناة، بما يعني تقليص العائدات التي تحصل عليها مصر.

ولكن، هناك ما هو أسوأ من ذلك، فيبدو أن الطريق البديل سوف يجبر السلطات المصرية حتما على أن تخفض بشكل ملحوظ الرسوم التي تفرضها على السفن التي تمر عبر قناة السويس. حاليا، ولكون قناة السويس تعد إلى حد بعيد هي أقصر الطرق للسفر بين آسيا وأوروبا، فإن مصر تفرض رسوما تمييزية للمرور من خلالها، والتي تقل بمقدار بسيط عن التكلفة الإجمالية للطريق المطول (الدوران عبر القرن الإفريقي). ببساطة شديدة، السلطات المصرية تضيف أسعار كميات الوقود الإضافية وأجور الطواقم وسائر التكاليف الزائدة الأخرى لعبور سفينة ما عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وتقوم بخصم دولار واحد من هذه التكلفة الإجمالية من أجل المحافظة على سعر تنافسي في سوق الشحن البحري الدولي. ولكن، إذا كانت رسوم قناة السويس تفوق بشكل ملحوظ رسوم العبور عبر طريق الشمال، فإنه بعد ذلك، في المستقبل، قد تختار السفن المرور عبر الممر الشمالي الشرقي، حتى لو كان ذلك يجعل رحلتهم تطول.

سوف تشعر مصر كلها بالتراجع في أرباح قناة السويس، ترتبط سبل عيش كثير من المصريين بشكل مباشر أو غير مباشر بقناة السويس، إما لأن هؤلاء الأشخاص يعيشون ويعملون بالقرب من المجرى المائي الشهير، أو بسبب دعم عائدات القناة الإيرادات الحكومية الأموال ومشاريع البنية التحتية، مثل الطرق والمدارس، التي تعود بالنفع على السكان بشكل عام.

كذلك فإن انخفاضا كبيرا في دخل قناة السويس في مصر سوف يؤثر على المجال السياسي العام، النخبة العسكرية في البلاد تستخدم المال والمنافع الاقتصادية الأخرى لتحفيز الضباط وتعزيز الولاء داخل المؤسسة. ومن شأن انخفاض في الدخل المتعلق بقناة السويس ضرب خزائن الجيش وجعل المناصب ذات الصلة بالقناة وعملها أقل جاذبية لضباط الجيش.

الانخفاض في حركة المرور في السويس قد يؤثر أيضا على السياسة الخارجية المصرية. في هذه اللحظة، تحتل مصر موقعا استراتيجيا على مفترق طرق بين قارتين. من خلال القناة، لأنها تسيطر على أهم اثنتين وسبعين كيلو مترا من المياه في العالم. إذا أصبحت قناة السويس ممرا مائيا أقل أهمية، فسوف تنخفض بالتبعية قيمة مصر باعتبارها شريكا استراتيجيا للعديد من الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة. من ناحية أخرى، ستزداد الأهمية الاستراتيجية لروسيا التي تعتبر نفسها وصية على الممر الشمالي الشرقي، كما أن البلدين معا سوف يسيطران على أكثر الممرات قيمة في التجارة البحرية الدولية.

وعلى كل الأحوال، فإن الأمور في الوقت الراهن لا تزيد عن كونها تكهنات، إن بقاء الممر الشمالي الشرقي باعتباره الطريق البحري على مدار السنة بين أوروبا والشرق الأقصى يعتمد على أكثر من درجات الحرارة وحدها، فطالما أن البحار الشمالية متناثرة مع مياه ضحلة بعيدة عن آثار الرياح، فإن التهديد الذي يحتمل أن تشكله على قناة السويس سيظل مجرد خيال.

ومن الملفت للنظر أن وسائل الإعلام المصرية لم تعر انتباها كافيا للممر الشمالي الشرقي. ويبدو أنهم كانوا مشغولين بالترويج لتوسعة قناة السويس المتوقع الانتهاء منها خلال هذا الصيف، بتكلفة 8.4 مليار دولار، ويبدو أن الصحفيين المصريين غير مبالين حول المخاطر اللافتة للنظر التي ينطوي عليها تركيز الموارد الضخمة في البلاد على مشروع واحد.

وفي حين أن التوسع في قناة السويس يتم اعتباره أعظم انتصار حققته مصر في الآونة الأخيرة، فمن المنتظر أيضا أن تصبح المأساة الاقتصادية للبلاد. مع استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري وتزايدالأخطار التي تهدد استمرار ربحية القناة، هذا البلد الهش قد يفقد أيضا واحدا من شرايين الحياة الاقتصادية الأكثر أهمية بالنسبة له.

نُشر هذا المقال للمرَّة الأولى في موقع Muftah

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد