نشر الصحافي نيكيل سافال، من صحيفة الجارديان تقريرًا طويلًا عزا فيه رد الفعل السياسي الشعبوي الأخير إلى فشل العولمة والتجارة الحرة، التي كان ينظر إليها فيما مضى بنوع من التقديس. وعرض التقرير مراحل صعود وهبوط العولمة وصولاً إلى اللحظة الحالية. قال التقرير:

عادة ما يكون الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس حدثًا هادئًا: مكان يجتمع فيه علية القوم لتبادل الملاحظات حول فرص التجارة العالمية، أو يوزعون الشروط من مكانهم على منحدرات التزلج في دافوس، بينما يحتسون الشمبانيا والمقبلات. في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الجاري عاد أغنى الأغنياء أولئك، يصحبهم النبيذ الفاخر، إلى دافوس. لكنَّ التقارير والأجواء العامة كانت مشحونة بالقلق والدفاعية ولوم الذات.

ثمة خسائر ضخمة بفعل العولمة. وليس من الواضح إذا ما كنا سوف نستطيع مداواة هذه الخسائر في ظل البنية التحتية الحالية.

ذلك أنَّ مستقبل العولمة الاقتصادية، التي يرى رجال ونساء دافوس أنفسهم رعاة لها، قد هزته سلسلة من الزلازل السياسية. قد تعني «العولمة» الكثير من الأشياء، لكنَّ الجزء الذي صار محلاً للشكوك فيها هو هذا المشروع الذي لطالما رُوج له من أجل زيادة التجارة الحرة في البضائع عبر الحدود. إذ كانت بريطانيا قد صوتت، الصيف الماضي، على ترك أكبر كتلة تجارية في العالم. وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) ظهر الانتصار غير المتوقع لدونالد ترامب، الذي تعهد بالانسحاب من صفقات تجارية كبيرة، وكأنه تهديد للعلاقات التجارية لواحدة من أغنى بلدان العالم. وبدا، على حين فجأة، أن الانتخابات الوشيكة في كل من فرنسا وألمانيا تحمل معها احتمالية حصول الأحزاب المعارضة للعولمة على نتائج أفضل من أي وقت مضى. لم يكن البرابرة على أبواب مصاعد التزلج بعد، لكنهم لم يكونوا بعيدين جدًا.

وطلبت الاقتصادية دامبيسا مويو، المعروفة بدعمها للتجارة الحرة، في حلقة نقاشية بعنوان (حكم العولمة) من الجمهور، بشكل مباشر، القبول بأنَّ «ثمة خسائر ضخمة بفعل العولمة. وليس من الواضح إذا ما كنا سوف نستطيع مداواة هذه الخسائر في ظل البنية التحتية الحالية». ودعت كريستين لاجارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، لتبني سياسة تعد حتى الآن غريبة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، ألا وهي «المزيد من إعادة التوزيع». فبعد سنوات من التهرب من الأضرار السيئة للتجارة الحرة أو التقليل من أهميتها، حان الوقت لمواجهة الحقائق: العولمة تسببت في خسارة الوظائف وخفض الأجور، ولن تفيد المقترحات المعتادة من دافوس، مثل وعظ الشعوب المتأثرة بأن تقبل الواقع الجديد، في حل المشكلة. وما لم يتغير شيء ما، فإنَّ التبعات السياسية من المرجح أن تزداد سوءًا.

وقال سافال إنَّ رد الفعل العنيف ضد العولمة قد ساعد على زيادة التحولات السياسية غير العادية على مدار الـ18 شهرًا الأخيرة. إذ هاجم السيناتور بيرني ساندرز، في السباق المحموم لكي يصبح مرشح الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، بلا هوادة، بسبب دعمها للتجارة الحرة. ودعا ترامب صراحة، في حملته الانتخابية، إلى تعديل شروط التجارة لتصب في مصلحة الصناعة الأمريكية. إذ جأر في المؤتمر الوطني الجمهوري في شهر يوليو (تموز) الماضي قائلاً: «ينبغي أن تكون الأمركة، لا العولمة، هي عقيدتنا». وكان التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أقوى ما يكون في المناطق التي دمرها هروب التصنيع. وفي غضون ذلك، كان أقصى اليمين الأوروبي يحذر من حرية التحرك للناس فضلاً عن البضائع. وحذرت مارين لوبان، بعد انتصارها في الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية قائلة: «إنَّ الشيء الرئيسي على المحك في هذه الانتخابات هو العولمة المتفشية التي تهدد حضارتنا».

تبنت فرنسا، عام 1995 برنامجًا من التقشف المالي لتستعد للدخول إلى منطقة اليورو، فردت نقابات العمال بأكبر موجة من الإضرابات منذ عام 1968. وفي عام 1996، بعد خمس سنوات فحسب من نهاية الاتحاد السوفيتي، ومع إجبار الأسواق
الروسية التي كانت محمية في الماضي على الانفتاح مما أدى إلى انخفاض مفاجئ في مستوى معيشة الناس.

وقال سافال إنه منذ عقود قليلة خلت، كان الكثيرون، من بينهم حتى بعض النقاد، ينظرون إلى العولمة على أنها قوة حتمية لا يمكن إيقافها. «كان رفض العولمة يشبه رفض شروق الشمس» على حد تعبير الصحافي الأمريكي جورج باكر. ولما كان من الممكن للعولمة أن تحدث في الخدمات، ورأس المال، والأفكار، فقد جعلها ذلك الأمر مصطلحًا غير دقيق. لكنَّ ما كانت تعنيه أكثر الوقت هو جعل التجارة عبر الحدود أرخص، وقد بدا هذا الأمر للكثيرين في ذلك الوقت أمرًا جيدًا بما لا يدع مجالاً لشك.

أما عمليًا، فقد كانت عادة ما تعني أنَّ الصناعة سوف تنتقل من الدول الغنية، حيث العمال غالية، إلى الدول الفقيرة، حيث العمالة أرخص. وكان على الناس في الدول الغنية إما أن يقبلوا بتقليل الأجور للمنافسة وإلا ضاعت وظائفهم. لكن أيًا كان الأمر، فإنَّ البضائع التي كانوا ينتجونها سلفًا، أصبحت الآن تستورد، وبأسعار أرخص. وصار بإمكان العاطلين عن العمل الحصول على وظائف جديدة، تتطلب مهارات أعلى (شريطة حصولهم على التدريب اللازم). وتبنى الاقتصاديون والسياسيون السائدون القول بمزايا العولمة، مع التخوف من احتمال وجود عواقب سياسية لها.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: عالم اليوم يشبه عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى بشكل مخيف

في ذلك الحين، كان يمكن للاقتصاديين، بكل هدوء، نسبة المشاعر المضادة للعولمة إلى مجموعة هامشية من المتظاهرين الموهومين، أو المتشردين الساخطين الذين ما يزالون يكدحون في «صناعات آفلة». أما اليوم، بعد أن صوتت أعداد ضخمة من الناخبين في بلد تلو الآخر ضد سياسات التجارة الحرة، أو لصالح مرشحين يعدون بالحد من هذه السياسات، فإنَّ هذه الثقة الذاتية قد ذهبت. لقد رفض الملايين، مع عدم تأكدهم من العواقب، هذا المنطق العقابي القائل بأنَّ العولمة لا يمكن إيقافها. وأدى رد الفعل العنيف هذا إلى موجة من البحث عن الذات بين الاقتصاديين، التي كانت قد بدأت بالفعل مع الأزمة المالية. فما الذي أعمى أولئك الاقتصاديين عن رؤية هذه التداعيات؟

شكك عدد قليل من الاقتصاديين، في ذروة إجماع العولمة، في فوائدها علنًا. لكنَّ الاقتصادي التركي في جامعة هارفارد، داني رودريك، نشر عام 1997، كتابًا صغير الحجم أثار زوبعة. هذا الكتاب المعنون Has Globalization Gone too Far؟ «هل جاوزت العولمة المدى؟»، والذي ظهر في وقت كانت الولايات المتحدة على وشك الدخول في فترة ازدهار تاريخية، بدا صافرة إنذار غير اعتيادية.

أشار رودريك إلى سلسلة من الأحداث المأساوية الأخيرة التي تحدت الفكرة القائلة بأنَّ التجارة الحرة سوف تُقبل بسلام. من ذلك ما حدث عندما تبنت فرنسا، عام 1995 برنامجًا من التقشف المالي لتستعد للدخول إلى منطقة اليورو، فردت نقابات العمال بأكبر موجة من الإضرابات منذ عام 1968. وفي عام 1996، بعد خمس سنوات فحسب من نهاية الاتحاد السوفيتي، ومع إجبار الأسواق الروسية التي كانت محمية في الماضي على الانفتاح ما أدى إلى انخفاض مفاجئ في مستوى معيشة الناس، فاز شيوعي بنسبة 40٪ من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الروسية.

بالنسبة لرودريك كانت كل هذه الأحداث المزعجة أعراضًا لمرض هو «العملية التي صار يطلق عليها اسم (العولمة)». فمنذ الثمانينيات، ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح تخفيض الحواجز أمام التجارة العالمية من المسلّمات للدول في كل مكان. صار لا بد من تخفيض التعريفات وزيادة اللوائح. وصار ينبغي تحطيم النقابات العمالية التي حافظت على الأجور مرتفعة وجعلت من الصعب فصل الناس. تنافست الحكومات مع بعضها البعض لجعل بلادها أكثر ترحابًا ــ أي أكثر «تنافسية» ــ للتجارة. وكان هذا يعني جعل العمالة أرخص والتشريعات أكثر مرونة، وعادة ما كان هذا يجري في بلاد حاولت تجربة الاشتراكية مرة، أو أنفقت سنوات في حماية الصناعات «المحلية» بفرض التعريفات الجمركية.

حظيت هذه الخطوات عمومًا بإشادة الاقتصاديين. ذلك أنَّ مهنتهم لطالما تبنت مفهوم الميزة التنافسية، القائل، ببساطة، أنَّ الدول سوف تتاجر مع بعضها البعض من أجل كسب ما تفتقر إليه الدول الأخرى، وكذا يربح الجميع. ومن ثم يكون الأمر، نظريًا، أنَّ عولمة التجارة في البضائع والخدمات سوف تفيد المستهلكين في الدول الغنية عن طريق تزويدهم ببضائع رخيصة من إنتاج العمالة الرخيصة في الدول الأفقر، وهذا الطلب سوف يساعد، بدوره، على نمو اقتصادات هذه الدول الأفقر.

لكنَّ التكلفة الاجتماعية لهذا الأمر، من وجهة نظر رودريك، كانت عالية، والاقتصاديون مستمرون في التقليل من خطرها. فقد قال إنَّ العمالة الأقل مهارة في أمريكا وأوروبا قد تحملت انخفاضًا كبيرًا في أجورها، التي تناقصت بأكثر من 20٪. وعانى العمال مزيدًا من فترات البطالة، والمزيد من التقلب في ساعات العمل المتوقعة منهم. وبينما عزا الكثير من الاقتصاديين أكثر هذه المشكلة إلى التغير التكنولوجي، حين حلت ماكينات جديدة معقدة محل العمالة قليلة المهارة، كان رودريك يرى أنَّ عملية العولمة ينبغي أن ينسب لها المزيد من اللوم.

إذ كانت المنافسة بين العمال، على وجه الخصوص، في الدول النامية والمتقدمة هي ما أدت إلى تخفيض الأجور والأمن الوظيفي للعمال في الدول المتقدمة. فكان أولئك العمال أسرى إمكانية أن ينهي صاحب العمل عمله ويغادر بحثًا عن عمالة رخيصة في أجزاء أخرى من العالم، ومن ثم كان عليهم القبول بحدود لرواتبهم وإلا.. وقد كشفت استطلاعات الرأي عن المعدلات العالية من شعور أولئك العمال بالقلق والخوف، وأصبحت التأثيرات السياسية أكثر وضوحًا. وتنبأ رودريك بأنَّ تكلفة زيادة «التكامل الاقتصادي» سوف تكون زيادة «التحلل الاجتماعي». وأنَّ النتيجة الحتمية سوف تكون رد فعل سياسي ضخم.

في فترة التسعينيات، بدأ تحالف دولي غير عملي في تحدي الفكرة القائلة بأنَّ العولمة أمر جيد. وحاولت تلك الحركة، لفت الأنظار إلى الآثار الكارثية لسياسات التجارة الحرة.

وكما تذكر رودريك لاحقًا، فقد مال اقتصاديون آخرون إلى رفض حججه أو الخوف منها. من ذلك أنَّ الاقتصادي الذي حاز على جائزة نوبل عام 2008 عن كتابه عن نظرية التجارة والجغرافيا الاقتصادية، بول كروجمان، قد حذره سرًا من أنَّ كتابه سوف يعطي «ذخيرة للبرابرة».

في فترة التسعينيات، بدأ تحالف دولي غير عملي في تحدي الفكرة القائلة بأنَّ العولمة أمر جيد. وحاولت تلك الحركة التي سماها الإعلام «الحركة المعادية للعولمة» وسمت هي نفسها «التغيير العالمي» أو «العدالة العالمية»، لفت الأنظار إلى الآثار الكارثية لسياسات التجارة الحرة. وحرص النشطاء على توضيح الصورة المظلمة لهذه السياسات وانتقدوا أكبر الهيئات العالمية: مجموعة السبعة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها عام 1999 عندما نجح تحالف فريد من نوعه بين نقابات العمال وأنصار البيئة في إلغاء اجتماع لمنظمة التجارة العالمية في سياتل.

رد الاقتصاديون، الذين أصيبوا بحالة من الذعر، بفيض من الأعمدة الصحافية والكتب المدافعة عن ضرورة وجود اقتصاد عالمي أكثر انفتاحًا، وتراوحت نغمات كلامهم بين الأبهة والسخرية. وفي شهر يناير (كانون الثاني) 2000 استغل كروجمان مقاله الأول في عموده في «نيويورك تايمز» لإدانة «تحطيم» منظمة التجارة العالمة قائلاً «إنها لمفارقة حزينة أن تكون القضية التي أيقظت اليسار الأمريكي من سباته بعد طول انتظار هي، صدق أو لا تصدق، حرمان عمال العالم الثالث من فرصتهم».

اقرأ أيضًا: الصين في مواجهة الولايات المتحدة: مزيد من «تحرير التجارة».. هل يقيّد العالم؟

واستندت الحجج الموجهة ضد حركة العدالة العالمية على الفكرة القائلة بأنَّ المنافع النهائية للعولمة لاقتصاد أكثر انفتاحًا وتكاملاً سوف تكون أكبر من مفاسده. فالتجارة الحرة مرتبطة بزيادة النمو الذي سوف يؤدي بدوره إلى التقليل من الفقر. وذلك بصرف النظر الآثار المحلية المترتبة عليه، مهما كانت هذه الآثار مزعجة.

وقال التقرير إنَّ حقيقة اضطرار مؤيدي العولمة إلى إنفاق الكثير من أوقاتهم في الدفاع عنها، تشير إلى مدى الانتشار الذي حققته حركة العدالة العالمية بحلول أوائل الألفية. ومع ذلك، فقد فقدت الحركة شعبيتها إذ وقع إجماع سياسي لصالح العولمة. وكان مناصرو العولمة مصرين على عدم تكرار ما حدث في سياتل أبدّا. فأوقفوا الاجتماعات في المدن الكبرى، وشددت الإجراءات الأمنية في كل مكان. ولما وقع غزو العراق، تحول اهتمام العالم من التجارة الحرة إلى جورج بوش و«الحرب على الإرهاب» تاركًا الإجماع على العولمة باقيًا على حاله.

والأهم، أنه كان ثمة اعتقاد واسع النطاق بأنَّ العولمة تؤدي دورها بحسب المفترض. وأنست الأرقام المذهلة للناتج المحلي الإجمالي والصور الرائعة لناطحات السحاب البراقة في الصين، الآثار الضارة التي كان النشطاء يشيرون إليها مثل عمالة مصانع الملابس والفلاحين المتضورين جوعًا. وأصبح السعي لزيادة حرية التجارة موقفًا مجمعًا عليه من الاقتصاديين والمعلقين وأغلبية السياسيين، مع استثناءات قليلة، إلى درجة بدا معها أنَّ فوائد التجارة الحرة تحظى بتبعية عمياء. حتى أنَّ توماس فريدمان اعترف في مقابلة أجريت معه عام 2006 جوابًا عن سؤال حول ما إذا كانت هناك أية اتفاقية تجارة حرة لن يدعمها: «لقد كتبت مقالاً أدعم فيه اتفاقية كافتا، (مبادرة التجارة الحرة في منطقة البحر الكاريبي). وكنت حتى لا أعلم ما الذي تضمنته المبادرة. كل ما كنت أعرفه كلمتين فحسب: التجارة الحرة».

لكنَّ هذا الإجماع بدأ في التفكك في أعقاب الأزمة المالية، إلى درجة أنَّ الأمر ربما لا يكون محل إجماع اليوم. فتحول الاقتصاديون الذين كانوا سابقًا من أشد المناصرين للعولمة حماسًا، إلى بعضٍ من أبرز منتقديها. وأصبح المؤيدون السابقون يعترفون، ولو جزئيًا، بأنه قد نتج عنها ظلم وبطالة وضغوط لتخفيض الأجور. وأخيرًا خرجت الانتقادات التي اعتاد الاقتصاديون طرحها في الندوات الخاصة إلى العلن.

وقال التقرير إنَّ الأزمة المالية، وأزمة منطقة اليورو وانخفاض أسعار النفط والسلع الأخرى كل ذلك أدى إلى ضرب التجارة العالمية. كان من بين التداعيات السلبية للظلم الناتج عن العولمة فقدان الثقة في المؤسسة التي كان يُلقى عليها باللائمة لهذا الظلم. وكان لفقدان الثقة هذا في المؤسسة تبعات سياسية ملحوظة: فاراج وترامب ولوبان في اليمين، وفي الأحزاب اليسارية الجديدة أيضًا مثل حزب بوديموس الإسباني، والحركات الشعبوية الغريبة مثل حزب النجوم الخمس الإيطالي. إذ عكس المشهد السياسي المتقلب قلق الجمهور حول «العملية التي صار يطلق عليها اسم العولمة».

وإذا كان من الممكن في الماضي نبذ منتقدي العولمة لافتقارهم إلى التدريب الاقتصادي، أو تجاهلهم لوجودهم في بلدان بعيدة، أو إبعادهم عن الأنظار بحائط من رجال الشرطة، فإنَّ صعودهم السياسي المفاجئ في الدول الغنية في الغرب لا يمكن اليوم التقليل من أهميته بسهولة.

يحلو لكل اقتصاديي وعلماء العولمة تقريبًا أن يشيروا إلى حقيقة أنّ الاقتصاد كان معولمًا إلى حد ما قرابة أوائل القرن العشرين. إذ حولت الدول الأوروبية، التي استعمرت آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مستعمراتها إلى أماكن إمداد بالمواد الخام للمصنعين الأوروبيين.

إنَّ الشيء الغريب في الإجماع المؤيد للعولمة في التسعينيات وأوائل الألفية، وانهياره في السنوات الأخيرة، هو الشبه الوثيق بما حدث في حقبة سابقة. إذ لطالما تسبب السعي في التجارة الحرة في الإزاحة وعدم المساواة، ومعهما تأتي الفوضى السياسية، والشعبوية وتخفيض النفقات. في كل مرة كان يجري فيها غض الطرف عن التبعات الاجتماعية للتجارة الحرة، كان يتبع ذلك الأمر رد فعل سياسي عنيف. بيد أنَّ التجارة الحرة ليست سوى شكل من أشكال كثيرة للتكامل الاقتصادي، لكنها، لو نظرنا للتاريخ، قد تكون أكثر أنواع هذا التكامل زعزعة للاستقرار.

وقال التقرير إنه يحلو لكل اقتصاديي وعلماء العولمة تقريبًا أن يشيروا إلى حقيقة أنّ الاقتصاد كان معولمًا إلى حد ما قرابة أوائل القرن العشرين. إذ حولت الدول الأوروبية، التي استعمرت آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مستعمراتها إلى أماكن إمداد بالمواد الخام للمصنعين الأوروبيين، وجعلتها أسواقًا للبضائع الأوروبية في الوقت ذاته. وفي غضون ذلك، كانت اقتصادات المستعمرين قد أصبحت مناطق تجارة حرة لبعضهم البعض. مما ساعد على تعزيز هذا الترتيب الملائم للأمم الاستعمارية، إلى جانب القوة العسكرية، هو الغطاء الذهبي.

اقرأ أيضًا: إفريقيا ليست كما تتصور.. دول سمراء نجحت في الانتقال الاقتصادي

إذ كان لكل عملة قومية، بموجب هذا النظام، قيمة ذهبية ثابتة: فكان الجنيه الإسترليني البريطاني مدعومًا بـ113 أونصًا من الذهب الخالص، وكان الدولار الأمريكي مدعومًا بـ23.22 وهلم جرًا. واستلزم هذا الأمر أنَّ أسعار الصرف كانت ثابتة هي الأخرى: فكان الجنيه البريطاني دائمًا ما يساوي 4.87 دولارًا. وكان استقرار أسعار الصرف يعني أنَّ تكلفة التجارة عبر الحدود كانت متوقعة. فكما هو الحال في منطقة اليورو اليوم، كان يمكنك أن تعول على بقاء العملة على حالها، طالما بقيت مستودعات الذهب كما هي تقريبًا.

وكان هذا النظام يتوقف عن العمل عند وقوع نقص في الذهب، كما حدث في سبعينيات القرن الـ19. وكان المصرفيون المركزيون في أوروبا والولايات المتحدة يضيقون نطاق التسليف ويخفضون الأسعار للحفاظ على الغطاء في ظل ظروف التوتر. هذا الوضع كان ملائمًا للمصرفيين، لكنه حطم المزارعين وأهل الريف الفقير، الذين كان يعني انخفاض الأسعار بالنسبة لهم تعرضهم للمجاعة. وحينها، كما هو الحال الآن، غض الاقتصاديون والسياسيون الطرف، بشكل كبير، عن الجانب المظلم من الصورة الاقتصادية.

إن غرض الجات لم يكن قط زيادة التجارة الحرة إلى حدودها القصوى، وإنما تحقيق أقصى درجة من التجارة التي تتماشى مع الأمم المختلفة التي تقوم بفعل الشيء الخاص بها. وفي هذا الصدد، حققت المؤسسة نجاحًا مذهلاً.

وأدى هذا الأمر في الولايات المتحدة إلى أول ثورة وصفت نفسها بالـ«شعبوية»، ونتج عنها تعيين ويليان جينيجز برايان مرشحًا للحزب الديمقراطي عام 1896. وقال جينيجز في خطابه الشهير الذي ألقاه في مؤتمر ترشيحه وهاجم فيه داعمي الغطاء الذهبي قائلاً: «لن تضعوا على جبين العامل تاج الأشواك هذا، ولن تصلبوا الإنسانية على صليب من الذهب». وحينها، كما هو الحال الآن، أصيبت النخبة المالية وداعموها بالذعر. إذ وصفت صحيفة التايمز اللندنية ما حدث بقولها: «ثمة اضطرابات في الواجهة السياسية وقد خرجت مخلوقات غريبة».

وأصيب رجال الأعمال بالأسى هم أيضًا حتى أنهم دعموا المرشح الجمهوري، ويليام ماكينلي، الذي فاز، جزئيًا، بسبب زيادة إنفاقه خمسة أضعاف عن إنفاق منافسه. وفي غضون ذلك، تعزز الذهب باكتشاف احتياطيات جديدة في مستعمرة جنوب أفريقيا. لكنَّ الغطاء الذهبي لم يستطع النجاة من الحرب العالمية الأولى وفترة الكساد العظيم. وانتشرت النقابات في الثلاثينيات إلى المزيد من الصناعات، وكان هناك عدد متزايد من الحركات الاشتراكية العالمية. كانت حماية الغطاء الذهبي تعني بطالة واسعة النطاق واضطرابات اجتماعية. فخرجت بريطانيا من الغطاء الذهبي عام 1931، وسحب فرانكلين روزفلت الولايات المتحدة عام 1933، وتبعتهما فرنسا ودول أخرى كثيرة عام 1936. وكذا فقد انتهى تفضيل الأموال والتجارة على رخاء الناس في وقت وجيز. لكنَّ ذلك لم ينه نظام الاقتصاد العالمي.

كان نظام التجارة الذي تلا ذلك عالميًا هو الآخر، لكنه اتخذ صورة عادة ما كانت تسمح للدول النامية بحماية صناعاتها. ذلك أنَّ الحمائية، من وجهة نظر المؤمنين بالتجارة الحرة، لطالما كانت تعتبر أمرًا سيئًا. ولم يحظ نجاح نظام ما بعد الحرب هذا بالاعتراف الملائم.

وقد ساعدت الأنظمة الدولية، ولاسيما اتفاقية بريتون وودز والاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (الجات)، في السنوات القليلة القادمة، على تحديد الشروط التي حدثت في إطارها الموجة الجديدة من العولمة. وكان مفتاح قابلية هذا النظام على الاستمرار، من وجهة نظر رودريك، مرونته، وهو الأمر الغائب عن العولمة المعاصرة، بنموذجها الرأسمالي المعمم على الجميع. وقد جعلت اتفاقية بريتون وودز أسعار الصرف مستقرة من خلال ربط الدولار، بشكل حر، بالذهب، وربط باقي العملات بالدولار. واشتملت اتفاقية الجات على قوانين تحكم التجارة الحرة ــ تفاوضت عليها الدول المشاركة في سلسلة من «الجولات» متعددة الجنسيات ــ وقد أدى هذا إلى ترك مساحات كثيرة في الاقتصاد العالمي، مثل الزراعة، دون معالجة. وقال رودريك إنَّ «غرض الجات لم يكن قط زيادة التجارة الحرة إلى حدودها القصوى، وإنما تحقيق أقصى درجة من التجارة التي تتماشى مع الأمم المختلفة التي تقوم بفعل الشيء الخاص بها. وفي هذا الصدد، حققت المؤسسة نجاحًا مذهلاً».

ولما كانت الجات غير دوجمائية دومًا فيما يتعلق بالتجارة الحرة، فقد سمحت لمعظم البلدان بتحديد أهدافهم الاقتصادية، دون نطاق دولي نوعًا ما. وعندما انتهكت الدول شروط الاتفاقية لأسباب تتعلق بالمصلحة القومية، اكتشفت أنَّ الاتفاقية «تحتوي ثغرات تسمح بمرور فيل» على حد تعبير رودريك. فلو أرادت دولة ما حماية صناعة الصلب في بلدها، مثلاً، فإنَّ بإمكانها أن تدعي «الضرر» وفقًا لقوانين الجات، وتزيد التعريفات لإعاقة واردات الصلب «وهو الأمر الشائن من وجهة نظر التجارة الحرة». وكان هذا الأمر مفيدًا للدول التي كانت تتعافى من الحرب وكانت بحاجة إلى بناء صناعاتها من خلال التعريفات الجمركية.

ومع ذلك، فقد فشلت الجات في تغطية الكثير من بلدان العالم النامي. وانتهى المطاف بهذه الدول إلى خلق نظامها الخاص، ألا وهو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). وتبنت العديد من الدول تحت هذا العنوان، لا سيما في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، سياسة حماية الصناعات المحلية من خلال استبدال البضائع المنتجة محليًا بالواردات. كان أداء هذه السياسة رديئًا في أماكن مثل الهند والأرجنتين على سبيل المثال، حيث كانت الحواجز التجارية عالية للغاية مما أدى إلى زيادة تكلفة تجهيز المصانع عن قيمة البضائع التي تنتجها. لكنَّ هذا النظام نجح نجاحًا جيدًا في أماكن أخرى مثل شرق آسيا، ومعظم أمريكا اللاتينية وأجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء، حيث ازدهرت الصناعات المحلية.

وجاءت نقطة التحول الحرجة بعيدًا عن هذا النظام من التوازن بين التجارة والحمايات الوطنية، في الثمانينيات. إذ أدت زيادة النمو والتضخم في الغرب، جنبًا إلى جنب مع زيادة التنافس من اليابان، إلى فتح الباب أمام التحول السياسي. وكان انتخاب مارجريت تاتشر ورنالد ريجان دافعًا قويًا أدى لوضع المؤيدين الراديكاليين للتجارة الحرة في موقع المسؤولية في اثنتين من أكبر خمسة اقتصادات في العالم، واستهل حقبة «العولمة المفرطة». وفي ظل هذا المناخ السياسي الجديد، لم يعد يُنظر إلى الاقتصادات ذات القطاع العام الضخم والحكومات القوية داخل النظام العالمي الرأسمالي باعتبارها مساعدة لعمل هذا النظام، وإنما باعتبارها عوائق له.

إنَّ نتائج انتخابات واستفتاءات 2016 تعطينا أدلة وافرة على وجاهة فرضيته، إذ صوّت ملاين الناس ضد الحملات والمؤسسات التي كانت تعد بالمزيد من العولمة.

ولم تكتف هذه الأيديولوجيات بالسيطرة على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وإنما استولت على المؤسسات الدولية أيضًا. فغيرت الجات اسمها إلى منظمة التجارة العالمية وبدأت القوانين الجديدة للمنظمة في التغلغل أكثر في السياسات القومية. وأحيانًا ما كانت قوانين التجارة العالمية للمنظمة تقوض التشريعات الوطنية. إذ تدخلت محكمة الاستئناف التابعة للمنظمة بلا هوادة في السياسات الضريبية والبيئية والتنظيمية للدول الأعضاء، بما في ذلك الولايات المتحدة.

جُربت أنقى صور العولمة المفرطة في أمريكا اللاتينية في الثمانينيات فيما عرف بـ«إجماع واشنطن»، وعادة ما كان يشتمل هذا النموذج على قروض من صندوق النقد الدولي شريطة تخفيض هذه البلدان المقترضة للقيود التجارية وخصخصة الكثير من صناعاتها القومية. وحتى فترة التسعينيات، كان الاقتصاديون يعلنون الفوائد التي لا تقبل الشك لهذا الانفتاح. لكنَّ إجماع واشنطن أضر بالتجارة، إذ أصبحت معظم هذه البلدان أسوأ حالاً مما كانت عليه من قبل فتداعى النمو، وثار المواطنون في كل أمريكا اللاتينية ضد محاولات خصخصة المياه والغاز. ووقعت أزمة خطيرة في الأرجنتين، التي اتبعت إجماع واشنطن بالحرف، عام 2002.

اقرأ أيضًا: مُترجم: كيف أصبحت أمريكا قوة اقتصادية عظمى؟

عجلت هذه الأزمة من الانهيار الاقتصادي ونتجت عنها احتجاجات واسعة النطاق في الشوارع أطاحت بالحكومة التي سعت إلى إصلاحات الخصخصة هذه. وبشرت ثورة الأرجنتين هذه بمد يساري شعبوي عبر القارة: إذ استولى زعماء وأحزاب اليسار على السلطة في البرازيل وفنزويلا وبوليفيا والإكوادور بين عامي 1999 حتى 2007. وكان كل هؤلاء يشنون حملة ضد إجماع واشنطن حول العولمة. وكانت هذه الثورات صورة لرد الفعل العنيف الحاصل اليوم.

واختتم رودريك كتابه الذي صدر عام 2011 بعنوان، مفارقة العولمة، بقوله: «لا يمكننا أن نسعى لتحقيق الديمقراطية، والحكم الوطني، والعولمة الاقتصادية في الوقت ذاته». وقال التقرير إنَّ نتائج انتخابات واستفتاءات 2016 تعطينا أدلة وافرة على وجاهة فرضيته، إذ صوّت ملاين الناس ضد الحملات والمؤسسات التي كانت تعد بالمزيد من العولمة. ويشعر رودريك أنَّ المعلقين الاقتصاديين لم يقدروا خطورة الموقف حق قدرها: وهو أنَّ مسارات النمو العالمي تضيق باستمرار، وأنَّ معظم الضرر الذي أحدثته العولمة صار متعذر الإلغاء. وقال رودريك: «ثمة شعور بأننا على مفترق طرق. هناك تأكيد متجدد على التعويض، وهو الأمر الذي أظنَّ أنه قد جاء متأخرًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد