في أعقاب فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، ذهبت العديد من التحليلات إلى تفسير الأمر بالسخط الشعبي على المؤسسة القائمة، وتفشي غياب المساواة الاقتصادية والجغرافية في الولايات المتّحدة، لكن هل انتخاب ترامب حقًا سيؤدي إلى حل مشكلة انعدام المساواة، أم سيزيدها عمقًا؟

«طوماس بيكيتي»، الاقتصادي الفرنسي ومؤلف كتاب «رأس المال في القرن الواحد والعشرين»، يرى أن ترامب سيزيد المشكلة سوءًا، وأن العالم عليه أن يتحرّك سريعًا في إعادة التفكير في مفهوم العولمة، وإلا ستنتصر النزعة «الترامبية»، وفقًا لمقاله بصحيفة الجارديان البريطانية.

الفشل الديمقراطي

يرى «بيكيتي» أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة فشلت في التعامل مع مشكلة انعدام المساواة والتي ازدادت بشدة في الولايات المتحدة على مدار عقود. لم يقف الديمقراطيون في وجه سياسات تحرير الأسواق التي بدأتها إدارة ريجان وإدارتا بوش الأب والابن، بل إن رفع القيود المالية والتجارية الذي نفذته إدارة بيل كلينتون مثالٌ على أن الديمقراطيين تفوقوا أحيانًا على نظرائهم الجمهوريين. هذا بالإضافة إلى أن الشعب بدأ يشك في تقاربٍ شديد بين وول ستريت والديمقراطيين، وهو ما دفع الشعب بعيدًا عنهم إلى ترامب.

فشل الديمقراطيون كذلك في فهم الدرس المستفاد من التصويت لبيرني ساندرز، المرشح الديمقراطي الذي نافس هيلاري كلينتون في الانتخابات الأولية. صعود هيلاري كلينتون محل ساندرز لتصير مرشحة الحزب الديمقراطي أضعف كثيرًا من مشاركة الشباب والفئات ذات الدخل المنخفض، ما أدى إلى خسارة الديمقراطيين للولايات المتأرجحة الرئيسية.

ترامب سيعمّق الفجوة

لكن المأساة، وفقًا لـ«بيكيتي»، أن رجل الأعمال لن يزيد الفجوة إلا عمقًا. ينتوي ترامب إلغاء برنامج التأمين الصحي الممنوع للعمّال منخفضي الأجر، كما يخطط لتخفيض الضرائب الفيدرالية على أرباح الشركات الكبرى، وهو إجراء قاومته الولايات المتّحدة حتى الآن. هذه النزعة الترامبية يمكن رؤيتها بالفعل في بعض أماكن أوروبا، ويرى بيكيتي أنّها تضع البلاد على أول الطريق نحو ما يُعرف بالإغراق المالي (والذي ينشأ عن لجوء الشركات إلى ملاذاتٍ ضريبية تدفع فيها ضرائب أقل بكثيرٍ، مما يزيد من تنافسيتها في الأسواق ويجعلها تعرض سلعها وخدماتها بأسعار أقل من الأسعار الداخلية).

إعادة تعريف العولمة

الدرس الذي يجب على أوروبا والعالم تعلّمه، من وجهة نظر «بيكيتي»، هو أن العولمة يجب أن يُعاد توجيهها بشكلٍ أساسي وعاجل. فالتحديات الكُبرى التي نواجهها في زماننا هي غياب المساواة والتغير المناخي، وبالتالي يجب أن يكون تركيز المعاهدات الدولية على الاستجابة إلى هذه التحديات وتقديم نموذج للتنمية النظيفة والمستمرة. لكن الاستمرار في التركيز على تحرير حركة التجارة ورفع القيود عنها وغض النظر عن تلك المشكلات يعكس خللًا كبيرًا. وفقًا لبيكيتي، «التجارة يجب أن تصير مرة أخرى وسيلة تخدم غايات أسمى، وما كان ينبغي لها أبدًا أن تصير ما هو أكثر من هذا».

انطلاقًا من هذا، لا ينبغي توقيع المزيد من الاتفاقيات الدولية التي تُزيل العوائق التجارية، ما لم تتضمّن إجراءات لمحاربة الإغراق المالي والتغير المناخي، مثل الاتفاق على حدٍ أدنى للمعدلات الضريبية على أرباح الشركات، وتقليل انبعاثات الكربون.

حماية المستثمرين

يُشير «بيكيتي» إلى الاتفاقية التجارية الاقتصادية الشاملة بين كندا وأوروبا، والمعروفة اختصارًا باسم «سيتا» Ceta. فهذه الاتفاقية تنتمي إلى «عصرٍ آخر»، لأنها تجارية بالكامل لا تحتوي على أي إجراءات تُخاطب المشاكل الأساسية المُشار إليها سابقًا. لكنها بالطبع تُشير إلى «حماية المستثمرين»، والتي تمكّن الشركات متعددة الجنسيات من مقاضاة الدول في محاكم خاصة، متخطية اللجان التحكيمية العامة المتاحة للجميع.

يرى «بيكيت» أن هذا الإشراف القانوني غير مناسبٍ، وسيقود إلى كل أنواع الانتهاكات، على حد قوله، بسبب المكافآت التي قد تمررها الأطراف للجنة الحكم. وفي وقتٍ تهيمن فيه «الإمبريالية القانونية الأمريكية» على الشركات الأوروبية وتفرض فيه قواعدها، فإن الأولوية يجب أن تذهب لإنشاء سلطات عامة قويّة قادرة على إنفاذ قراراتها. أمّا هذه الاتفاقية، بالنظر إلى التراجع الذي ستسببه في العدالة العامة، فهي «انحرافٌ» على حد قوله.

وعليه، فإن معاهدة متوازنة بين أوروبا وكندا تهدف إلى تعزيز شراكة من أجل التنمية لا بد وأن تبدأ بتحديد أهداف تقليل الانبعاثات الكربونية والسبل العملية للوصول إليها. فلا معنى لاتفاقية باريس التي تهدف إلى الحد من الاحترار العالمي إن كانت أوروبا ستوقّع بعدها بأشهر اتفاقية تجارية بحتة لا ترد على ذكر الموضوع بتاتًا، خاصة وأن كندا بدأت في استخراج مزيدًا من النفط من حقول ألبرتا بالفعل.

كما يرى «بيكيتي» أن مشكلة الإغراق المالي ستتطلب تغييرًا جذريًا في النموذج الأوروبي الذي تأسس في الأصل بوصفه منطقة تجارية حرة بلا سياسة مالية مشتركة، فلا معنى للجهود الحالية للاتفاق على سياسة مالية مشتركة إن كانت كل بلدٍ ستخفّض ضرائبها على الشركات الكبرى إلى نسبة تقترب من الصفر لتجتذبها إلى أرضها.

ينتهي «بيكيتي» إلى أن الوقت قد حان لتغيير الحوار السياسي عن العولمة، لنضع التجارة في مكانها الصحيح. «التجارة أمر جيد، لكن التنمية العادلة والمستمّرة تتطلب أيضًا المرافق العامة، والبنية التحتية، والأنظمة الصحية والتعليمية. وهذه الأشياء بدورها تتطلب أنظمة ضريبية عادلة».

«وإن فشلنا في تحقيق هذا، ستنتصر الترامبية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد