نشر موقع «Vox» تقريرًا كتبه «ماثيوز إجليسياس» يتناول بالتحليل أبعاد قرار الاتحاد الأوروبي بفرض غرامة على شركة جوجل بدعوى مناهضة الاحتكار الرقمي، وملابسات المنهجية الأمريكية في مقابل الأوروبية في التعامل مع القضية الأهم في السياسات الاقتصادية العالمية الآن، ويتناول أيضًا تاريخ تعامل الإدارة الأمريكية مع قضايا مماثلة من القرن الماضي وتغير تعامل الحكومة الأمريكية معها.

يذكر التقرير أن الاتحاد الأوروبي قد أصدر قرارًا بغرامة قدرها 2.7 مليار دولار أمريكي ضد شركة جوجل الشهر الجاري بزعم أن انتفاع العديد من مواقع التجارة الإلكترونية الأوروبية، من خلال خوارزميات تفضيل نتائج جوجل شوبينج على حساب نتائجهم غير قانوني.

يقول الكاتب إن أسباب تلك الغرامة إلى حد ما واهية، حتى من منظور المعايير النمطية للعمل البيروقراطي في الاتحاد الأوروبي، إذ أن منتج جوجل المعني محل المشكلة ليس منتشرًا أو حتى مستخدمًا على نطاقٍ واسع، كما أن الشركات المعنية والمواقع المنتفعة بشكل غير قانوني ليست معروفة هي الأخرى. ويقول إنه على الرغم من أن الحصص النقدية ليست محل استخفاف أو تحقير، يظل حجم الأموال المتنازَع عليها إلى حد ما ضئيلًا مقارنة بحجم جوجل الإجمالي.

ومع كل ذلك، يرى أن ذلك الحكم القضائي يعد التطور الأهم في مجال التشريعات التنظيمية للأعمال التجارية العالمية خلال هذا العقد، فضلًا عن أنه يعتقد أن تفاصيل القضية ليست ذات أهمية بالغة بعكس النظرة العلوية الأشمل بالغة الأهمية، إذ قضت أوروبا بأن جوجل لديها قوة احتكارية في سوق البحث على شبكة الإنترنت، ومن ثم ينبغي تقنينها، إلا أن ذلك يغير من قواعد اللعبة. لذا لم توافق الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: الجميع يكذبون.. كيف يكشف «جوجل سيرش» عن أعمق أسرارنا؟

نفوذ جوجل القوي

يضرب الكاتب المثل على مدى قوة محرك بحث جوجل فيقول «إن كنت قد صادفت هذا التقرير، أو أي تقرير آخر على موقع «Vox» من خلال البحث على شبكة الإنترنت عن طريق هاتفك الذكي، فأنت على الأرجح تنظر إلى ما يعرف بـ«صفحات الجوال المسرعة»، وهي مبادرة من جوجل لتسريع تحميل صفحات الويب على الهاتف الذكي بسرعة البرق، وذلك من خلال مزيج من تجريدها، واستضافة المحتوى مباشرة من خوادم جوجل».

لعل أحد الأسباب التي أدت بالناشرين إلى الاعتماد على مشروع جوجل «صفحات الجوال المسرعة» هو أن أداءها الفني مبهر، لكن من ناحية أخرى لطالما أشار بعض النقاد أمثال «جون جروبر» إلى سلبياتها الجسيمة.

وبالتدبر قليلًا في المفاضلات، يقول الكاتب إن الجواب الحقيقي على سؤال «جون جروبر»: «هل بإمكان أحد شرح السبب الذي يدفع موقعًا ما لنشر نسخة بخاصية «صفحات الجوال المسرعة» لمقالاتهم؟» هو سهل للغاية؛ الناشرون يفعلون ذلك لأن جوجل تريد منهم ذلك. إذ يتلقون رسالة مفادها أن الصفحات بخاصية «صفحات الجوال المسرعة» هي مفضلةٌ على الصفحات بدونها على محرك بحث جوجل، لذا إن أردت أن تزيد عدد الزيارات لصفحتك من خلال زيارات محرك البحث ينبغي عليك ببساطة فعل ما تريده جوجل، وأن تركب قطار «صفحات الجوال المسرعة».

باختصار، يرى الناشرون أن شركة جوجل ذات نفوذ كبير في السوق، ومن ناحية أخرى ترى أوروبا أن ذلك يخلق مشكلة محتملة، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعتقد بأن تلك مشكلة من الأساس.

الولايات المتحدة الأمريكية.. جوجل ينبغي عليها أن تفعل ما تريد

يتناول الكاتب وجهة النظر الأمريكية للقضية باعتبارها مغايرة لوجهة النظر الأوروبية، فيقول إن سلطات مكافحة الاحتكار الأمريكية تعتقد أن جوجل محصنة إلى حد كبير ضد التدقيق استنادًا إلى أساسين:

أولهما، الأساس النظري: حيث على الرغم من أسهم سوق جوجل الضخمة، لا تعد جوجل شركة محتكرة؛ وذلك ببساطة لوجود «المنافسة». الاحتكار بصورته التقليدية يعتمد على السيطرة على نوع من الأصول المادية فتصير المنافسة أمرًا مستحيلًا بكل ما تحمله الكلمة من معان. وعلى النقيض من ذلك، فإنه من السهل للغاية أن يلجأ المستخدم إلى محرك بحث بينج أو داك داك جو، إذا ما قرر أنه لا يود استخدام محرك بحث جوجل.

يشرح الكاتب قائلاً إنه إذا خَفَّضَت جوجل من نتائج البحث التقليدية لصالح عرض الإعلانات والصناديق المخصصة، وصادف أن فَضَّلها المستخدمون أكثر، تربح جميع الأطراف. وإذا لم يفضلها المستخدمون؛ بإمكانهم البحث في مكان آخر. تتمثل وجهة النظر الأمريكية في أن محاولة الحكومة التشكيك في هذه الأنواع من دعوات التصميم ستأتي بنتائج عكسية، وقد لخصت لجنة التجارة الفيدرالية رسالتها الختامية لعام 2013 بأنها ستغلق تحقيقات جوجل بالآتي:

إن تصميم المنتج هو بُعد مهم في المنافسة، ويعد فرض تحسينات قانونية على المنتج تهديدًا بإيذاء المستهلك. ربما تختلف العقول المستنيرة حول الطريقة الأفضل لتصميم صفحة نتائج بحث، والطريقة الأفضل في تحديد موقع المساحات بين الروابط الأساسية والإعلانات المدفوعة والملامح الأخرى. وربما تختلف خوارزميات محركات البحث المعقولة حول أفضل كيفية لتقييم أي موقع. وأن اعتراض قرارات جوجل بشأن تصميم منتجها في تلك الحالة سيتطلب بالتبعية تشكيك ونقد اللجنة -أو المحكمة- قرارات تصميم منتج أي شركة، حيث عرضت مسوغات منطقية تعزز المنافسة، وحيث تدعم تلك المبررات أدلة وافرة.

وثانيهما: يقول الكاتب إنه منذ السبعينيات من القرن الماضي، ركز مبدأ الولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة الاحتكار حصريًا على رفاهية المستهلك وعادة بتركيز ضيق إلى حد ما على أسعار المستهلك، فضلًا عن أن قانونيًا، يرتبط الاشتباه القانوني في السلوك الاحتكاري بارتفاع الأسعار. لذلك، فإن جوجل بريئة من تلك الشبهة، فهي لم ترفع أسعار المنتج، لذا لا يعد سلوكها مناهضًا للمستهلك.

إلا أن الكاتب يذكر أن تلك المباد تؤدي بالإدارة الأمريكية أحيانًا إلى نتائج غريبة. ففي عام 2012، اتحدت مجموعة من ناشري الكتب التقليديين مع شركة أبل، وذلك لتقويض قبضة أمازون على مجال صناعة الكتب الإلكترونية، وإجبارها على تغيير سياستها التسعيرية، إلا أن وزارة العدل سعت لمقاضاة الناشرين الذين لا حول لهم، والذين تسحقهم أمازون عوضًا عن مساعدتهم ضد محتكر الكتب الإلكترونية الفعلي. وفي نهاية المطاف، على الرغم من أن احتكار أمازون حصص سوق منافسة الكتب الإلكترونية كان يسيرًا وقريبًا للغاية، التزمت أمازون بتخفيض السعر حتى أدناه.

وعلى نفس المنوال، في حين أن السلطات المكافحة للاحتكار لن تمنع جوجل من الضغط على الناشرين لاستخدام «صفحات الجوال المسرعة»، فإنهم بالتأكيد سيوقِفون الناشرين عن تشكيل تكتلات احتكارية تساوم جوجل بشكل جماعي على «صفحات الجوال المسرعة» وغيرها من قضايا الصناعات ذات الصلة.

اقرأ أيضًا: مترجم: رغم تربعها على عرش مسابقات البرمجة.. لماذا لا تمتلك روسيا شركات مثل «جوجل»؟

«آثار -التواصل- الشبكي» المغيِّرة لقواعد اللعبة

فكل عملية بحث تعد مدخلًا في تعلم المحرك المستمر التفاعلي، الذي يهدف لتحسينه أكثر فأكثر في عرض المحتوى الأكثر ملائمةً. يرى الكاتب أن أحد المشكلات بشأن تحليلات «سرعة الوصول» هي آثار التواصل الشبكي.

يقول إن سبب استخدام فيسبوك الجيد يرجع جزئيًا لكونه منتجًا جيدًا بالفعل؛ لأن الجميع يستخدمونه. حتى لو جاء منافس له في شبكات التواصل الاجتماعي، بل وكان أفضل قليلًا من فيسبوك، لن يستخدمه أحد، لأن لا أحد آخر يستخدمه.

وعلى نفس المنوال، لدى جوجل ريادة متفوقة على كافة منافسيها لا يمكن التغلب عليها، بمقتضى حقيقة أن الكثيرين يستخدمون جوجل طوال الوقت. فكل عملية بحث تعد مدخلًا في تعلم المحرك المستمر التفاعلي، الذي يهدف لتحسينه أكثر فأكثر في عرض المحتوى الأكثر ملائمةً. إذ لا يوجد منافس قد يضاهي قاعدة مستخدمي جوجل، وبالتالي لا يوجد منافس قد يضاهي سرعة جوجل في التحسن والتعلم. وذلك يمنح جوجل مجالًا ضخمًا للعبث بطريقة عمل محرك البحث بحيث يُرَوِّج لمنتجاتها، بينما ما يزال يحتل موقعًا مهيمنًا أساسيًا في البحث.

اقرأ أيضًا: الوجه الآخر الأكثر نفعًا من فيسبوك.. ماذا تعرف عن منصة Nextdoor؟

أشار الكاتب إلى أن الموقف الذي اتخذته الحكومة الأمريكية أثناء الدعوة القضائية التاريخية ضد شركة مايكروسوفت في التسعينيات لمكافحة الاحتكار، كان كذلك بالضبط.

ففي ذلك الوقت، أراد الناس شراء أجهزة حاسب مايكروسوفت، لأنها إلى حد ما كانت متوافقة مع بقية أجهزة الحاسب التي تعمل بنظام تشغيل ويندوز، الواسعة الانتشار حينها. ما أدى إلى منح مايكروسوفت قوة سوقية، وذلك على الرغم من أن شراء الأجهزة التي لا تعمل بنظام الويندوز كان متاحًا بكل تأكيد. وعلى الرغم من أن الحكومة في نهاية المطاف لم تنجح في إثبات الادعاءات التي أطلقتها بشأن هذا التقاضي، فقد برز المبدأ الأساسي بأنه «ينبغي النظر لمايكروسوفت باعتبارها محتكرًا يجب أن تخضع تحركاته وأفعاله للتدقيق»، لكن المشرعين الأمريكيين لم يتبنوا موقفًا مماثلًا مع الجيل الجديد من عمالقة التكنولوجيا التي تحركها «آثار التواصل الشبكي».

«معاقبة النجاح» أو هكذا تعتقد جوجل

الادعاء بأن عملاق جوجل محتكر يستحق الخضوع لتدقيق رقابي متزايد، يرقى إلى الادعاء بأن جوجل تستحق المعاقبة بسبب تقديمها منتجًا متفوقًا. يقول الكاتب إن جوجل ترى تلك الحدية مثيرة للسخرية.

ويضيف أن الادعاء بأن عملاق جوجل محتكر مشين يستحق الخضوع لتدقيق رقابي متزايد يرقى إلى الادعاء بأن جوجل تستحق المعاقبة بسبب تقديمها منتجًا متفوقًا. إن محركات البحث ليست كمرافق المياه أو السكك الحديدية حيث قيود الفضاء المادي تخلق احتكارًا طبيعيًا، لا سيما وأن جوجل لم تحصل على حصة سوقية مهيمنة عن طريق شراء منافسيها أو دمج مجموعة من محركات البحث المنفصلة؛ إذ لم يُمنَع أحد من استخدام أي محرك بحث منافس، الوضع ببساطة أن معظم الناس يختارون استخدام جوجل.

ويرى الكاتب أن الأسوأ من ذلك، أن منع المنافسين من دمج البحث عموديًا مع العروض التي تقدمها جوجل لا يكلفهم المال فحسب -وهو كذلك بالفعل- بل يمنعهم من تطوير منتجهم أيضًا. وبمقارنة ذلك بطموحات جوجل، فإن تجربة جوجل «الكلاسيكية» في عرض قائمة بروابط نتائج البحث هي بدائية للغاية.

وكما ذكرت «فرهاد مانجو» في عام 2013، أن الإجابة المنشودة ببساطة تتمثل في هدف جوجل لبناء ما يشبه الحاسب الذي يشغل مركبة «إنتربرايز» الفضائية الخيالية في سلسلة أفلام «ستار تريك». على سبيل المثال إذا سألت جوجل ما هو طول «جون وال» لاعب كرة السلة الشهير، سيجيبك جوجل في الحال.

اقرأ أيضًا: «لا جوجل ولا فيسبوك ولا يوتيوب» ما هي المواقع البديلة في الصين؟

يذكر التقرير أن موفري المحتوى على شبكة الإنترنت بطبيعة الحال لا يحبذون تلك الموجة ضد جوجل، إذ يفضلون لو أن جوجل يقدم روابط المواقع التي من شأنها جذب حركة مرور أكثر وبالتبعية عائدات الإعلانات. وربما لدواع تجارية أنانية، فإن جوجل تفضل أن تحتفظ بالمستخدمين على جوجل، وأن تستمر في زيادة أرباحها من الإعلانات لصالح نفسها. لكن بالتأكيد تعد إجابة محرك البحث على الأسئلة مباشرة أيضًا تجربة متفوقة أصلية بالنسبة للبدائل المتاحة.

من وجهة نظر جوجل، تتمثل الخطوة الحقيقية المناهضة للمنافسة في أن تقوم الهيئات التنظيمية بدعم الخدمات غير التابعة لجوجل، من خلال منع جوجل نفسها من التنافس معهم وهزيمتهم عن طريق عرض منتج متميز وأكثر سلاسة.

نفوذ جوجل السياسي القوي في الولايات المتحدة الأمريكية

ولعل أحد القضايا الأساسية في دعوة مكافحة احتكار مايكروسوفت في التسعينيات تمثلت في تزايد نمو عملاق البرمجيات حينها ليصبح أحد أكثر الشركات الأمريكية تأثيرًا، وذلك دون حتى اهتمام مايكروسوفت بإيجاد استثمار مناسب لخلق جماعة ضغط في واشنطن. وبمجرد بدء الدعوة القضائية، تغير الوضع، وبدأت مايكروسوفت سريعًا في زيادة نشاطها في تكوين جماعات ضغط، لكن يبدو أن الأوان كان قد فات لمنع إدارة بيل كلينتون من المضي قدمًا في الدعوى القضائية.

إلا أن فوز جورج دبليو بوش في انتخابات عام 2000 آتى ثماره لصالح شركة مايكروسوفت، وساعد في حث الحكومة على قبول التسوية.

لكن يشير الكاتب إلى أنه من زاوية أوسع، فقد دشن بوش حقبة من تشريعات أكثر خِفة، وسياسات أكثر ملائمة للأعمال التجارية. ثم جاء من بعده باراك أوباما الذي شن حملة توعدات بالتشديد على تطبيق تشريعات مناهضة الاحتكار، وأنجز وعده بعدة طرق. وعلى الرغم من أن أوباما كان متوافقًا سياسيًا عن كثب مع وادي السيليكون، كان أقرب لأن يطبق لوائح تنظيمية لمناهضة الاحتكار عندما صارت شركات الاتصالات المملة المحافظة مستهدفًا مفضلًا على شركات التقنية الفائقة الجاذبة.

البيت الأبيض في عهد أوباما كان قريبًا من شركة جوجل، على سبيل المثال عينت جوجل 31 مديرًا تنفيذيًا كانوا يعملون في البيت الأبيض سابقًا، وعينت 22 موظفًا بعد تركهم مناصبهم في واشنطن، كما استعانت أيضًا بغيرهم ممن كانوا يعملون في وزارة الدفاع البنتاجون.

وهكذا صار لجوجل حضور ضخم في المؤتمر الوطني الديموقراطي لعام 2016، وكان مدير جوجل «إيريك شميت» المستثمر الوحيد في شركة «سيفيس أناليتكس» -أكبر متعهد بيانات وتقنيات حملات الحزب الديموقراطي. يضيف الكاتب أن البيت الأبيض، وأحيانا أوباما نفسه، وصف التدقيق الأوروبي لجوجل بهدف مناهضة الاحتكار أنه «نزعة حِمائية» بحكم الواقع، كما وصف لجنة الاتحاد الأوروبي بأنها تسعى لعرقلة تقدم الشركات التقنية الأمريكية على الأوروبية بطريقة غير منصفة.

ويعتقد أنه من الناحية النظرية، ربما يؤدي هذا الانحياز الصارم مع الديموقراطيين إلى معضلة سياسية بالنسبة لجوجل في ظل إدارة الرئيس ترامب للبيت الأبيض، إذ قام ترامب بالفعل بتعيينات تقليدية للغاية من الجمهوريين مواتية للأعمال التجارية، وذلك في الوكالات المعنية، من بينها الاستفادة من «مورين أول هاوزين» -أشد منتقدي سياسات مناهضة الاحتكار في فترة حكم أوباما باعتبارها حماسة مفرطة- باعتبارها رئيس لجنة التجارة الفيدرالية.

رؤيتان لتطبيق مكافحة الاحتكار

يعتقد الكاتب أن المحصلة النهائية تتلخص في أن الولايات المتحدة الأمريكية الآن والاتحاد الأوروبي يسلكان طريقين مختلفين فيما يتعلق بتطبيق قانون مناهضة الاحتكار في مجال التكنولوجيا الرقمية.

إن الفلسفة الأمريكية تؤكد على خطورة التشريعات مفرطة الحماسة على إعاقة الابتكار في بعض أكثر الشركات ديناميكية على وجه الأرض، في حين أن الرؤية الأوروبية تؤكد على خطورة تزايد نمو تلك الشركات نفسها وزيادة قوتها ما قد يضيق الخناق على الشركات الناشئة الجديدة.

يقول الكاتب إن المشرعين الأمريكيين يتبنون وجهة نظر ضيقة إلى حد ما، ترى أن الهدف يجب أن يكون منع المستهلكين من مواجهة حالات حيث لا يكون لهم الخيار أو أن تجبرهم ندرة الاختيارات المتاحة على دفع أسعار أعلى. في حين يتبنى المشرعون الأوروبيون وجهة نظر أوسع وأشمل ترى أن الهدف ينبغي أن يكون ضمانًا باستمرارية تنوع إيكولوجية -النظام البيئي- الشركات. علاوة على أن وجهة النظر الأمريكية ترى في التشريعات التنظيمية المبالغ فيها خطرًا حقيقيًا على الابتكار، بينما ترى الأوروبية في الثقافة الأُحادية للشركات تهديدًا صارخًا للابتكار.

ويشير إلى أن التوجه الأمريكي لا يلقى رضى الجميع في أمريكا نفسها. على سبيل المثال دعت حملة هيلاري كلينتون لتنفيذ إجراءات مشددة لمكافحة الاحتكار، بيد أنها لم تذكر تحديدًا عمالقة المنصات التكنولوجية باعتبارها مستهدفات محتملة. وجدير بالذكر أن في نهاية عهد إدارة أوباما، أصدر مجلس المستشارين الاقتصاديين تقريرًا يشتكي تناقص المنافسة في الاقتصاد الأمريكي على مدى الجيل الماضي، وأبرز على وجه التحديد دعوة مايكروسوفت القضائية باعتبارها جهدًا مجديًا في الضغط. إضافة إلى وصف «إليزابيث وارن» في خطابها في ربيع 2016 لشركة جوجل وأبل وأمازون بأنها شركات «تقدم منتجات قيمة للغاية»، لكنها مع ذلك تحتاج إلى المزيد من التدقيق لأن «فرصة التنافس يجب أن تظل مفتوحة للشركات المستجدة والشركات المنافسة الصغيرة التي تريد فرصة لتغيير العالم»، فضلًا عن إعلان «بيرني ساندرز» تأييده اتباع منهج أكثر ملائمة لتنظيم سياسة المنافسة.

ولعل النتيجة الملموسة الوحيدة حتى الآن للتحول الأساسي هي ثناء المديرين التنفيذيين لشركات التقنية على ترامب، معترفين بأنه على الرغم من عدم ارتياح القوى العاملة لديهم لسياسة الحرب الثقافية والديماغوجية المناهضة للمهاجرين، فإن مصالحهم الموضوعية متماشية مع أولويات سياسته الاقتصادية.

لكن في المقابل، طرح المشرعون الأوروبيون على الطاولة إطارًا فكريًا للتفكير بشأن مناهضة الاحتكار في الحقبة الرقمية، بحيث يمكنهم من إحداث تغيير جذري في طريقة عمل الاقتصاد، وبشأن الطريقة التي يريد بها الفصيل التقدمي المتزايد للحزب الديمقراطي تبني هذا المنهج. وفي حين لا ينفك النقاش حول السياسة الاقتصادية ينجرف بعيدًا عن كيفية تعزيز الانتعاش بعد الركود الشديد إلى كيفية تعزيز النمو المشترك واسع النطاق على أساس مستدام، يصبح التساؤل حول ما إذا كان عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة أبطالًا وطنيين أم تهديدًا للابتكار تساؤلًا جوهريًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد