يوم في حياة أسرة عصرية

جلست الأسرة إلى مائدة الطعام؛ لتناول طعام الغذاء الذي أعدت الأم الطبق الرئيسي فيه، من وصفة توصلت إليها من خلال بحثها في الإنترنت، ولم تعد في حاجة الآن للاتصال بوالدتها، أو بإحدى أخواتها، أو صديقاتها، لسؤالهم عن طبق معين أو عن طريقة طهيه. بعد الغذاء جلس الأب أمام التلفاز لمشاهدة إحدى مبارايات كرة القدم، وبين يديه هاتفه المحمول الذي يتصفح الإنترنت من خلاله. ودخل الابن الأكبر الذي يدرس تكنولوجيا الحاسب إلى غرفته، وجلس من وراء جهاز الكمبيوتر ليبحث عن بعض الشيفرات البرمجية، التي سيستخدمها في المشروع الصغير، الذي سيسلمه في محاضرة يوم غد. الابنة الوحيدة التي تدرس التاريخ جلست في غرفتها وبين يديها حاسبها اللوحي المتصل بالإنترنت، وأخذت تكتب بضعة كلمات في مربع بحث جوجل لتبحث عن مادة لبحث ستكتبه عن فترة العصور الوسطى في أوروبا. أما الابن الأصغر الذي يدرس في المرحلة الابتدائية، فقد طلب منه اليوم مدرس العلوم أن يقدم بحثا صغيرا عن كواكب مجموعتنا الشمسية، وفي السابق كان يستعين بوالده أو والدته، والآن أصبح يلجأ مباشرة إلى جوجل، ليحصل على ما يحتاجه من معلومات من خلاله بسهولة وبسرعة.

المصادر التقليدية للمعلومات

قد يستعين الإنسان بعصا تساعده على المشي، أو قد يلجأ لنظارة طبية تساعده على الرؤية بشكل أفضل. العقل أيضا قد يستعين ببعض الأدوات التي تساعده على أداء المهام التي يواجهها بشكل أفضل وأسرع. قد يستعين العقل بدفتر سجلنا فيه أحد الدروس، أو بمجموعة صور لإحدى الرحلات التي نريد أن نسترجع ذكرياتها، ومثل هذه الأدوات والمصادر الخارجية التقليدية تمثل دعما لعقولنا ولذاكرتنا.
عقولنا أيضا قد تطلب المساعدة من عقول أخرى وتتواصل معها. إن كنت مثلا تعمل طبيبا للقلب، واحتجت تفاصيل معينة لتستخدمها عن أمراض العيون، فقد تلجأ لأحد زملائك المتخصصين في هذا المجال، أو قد تطرح هذا الأمر في الفريق الذي تعمل معه، وقد تجد لديهم الإجابة عن أسئلتك. حتى بعيدا عن العمل، فإن كنت تريد معرفة نتيجة آخر مباراة لناديك المفضل، فقد تجد الإجابة لدى أحد أصحابك والذي تعرف أنه من المستحيل أن تفوته مباراة. من خلال التواصل مع الدوائر الاجتماعية المختلفة التي أنت أحد أعضائها ستستطيع أن تقدم العون لعقلك في المهام التي تواجهها، فهذه دائرة العمل والتي قد تجمع زملاءك في العمل، وهذه دائرة العائلة والأسرة والتي تحفظ ذكرياتكم المشتركة، وتلك دائرة الأصحاب، وغيرها من الدوائر الكثيرة التي تتفاعل وتتواصل مع أعضائها لتجد لديهم المساعدة والدعم، كغيرها من المصادر التقليدية لدعم ومساعدة عقولنا قبل ظهور الإنترنت.

 

قبل استخدامنا الإنترنت للبحث عن المعلومات، وعندما كنا نبحث عن الدعم لعقونا من المصادر الخارجية التقليدية، كانت الحدود واضحة بين المعلومات الموجودة في أدمغتنا وتلك التي نحصل عليها من الخارج. كان البحث عن معلومة أو إجابة عن سؤال يتطلب وقتا وجهدا للوصول لمصدر مناسب والبحث فيه حتى نصل لما نريد. سواء كان هذا المصدر مكتبة نتوجه إليها، أو صديق نتصل به ليفتش عن إجابات أسئلتنا في دماغه أو في مصدر لديه، فإن المعلومات والإجابات التي حصلنا عليها من مثل هذه الطرق التقليدية، كان واضحا أمامنا أننا وصلنا إليها من خلال مساعدة خارجية، بعد أن تعذر علينا العثور على إجابات تقنعنا من داخل أدمغتنا.

وهم المعرفة

قام مجموعة من الباحثين في جامعة يال الأمريكية بنشر بحث عن تأثيرات الإنترنت على مدى تقديرنا لقدراتنا ولمعرفتنا. في خلال هذا البحث، قام الباحثون بسلسلة من التجارب، وشارك فيها مجموعة مكونة من 119 رجلا و83 امرأة. قسّم الباحثون المشاركين لمجموعتين، وطلبوا من المجموعة الأولى استخدام الإنترنت للبحث عن إجابات لبضعة أسئلة تختبر المعلومات العامة، وطلبوا من المجموعة الثانية من المشاركين محاولة الإجابة عن نفس الأسئلة بدون استخدام الإنترنت، وبعد انتهاء هذه المرحلة، طلب الباحثون من المشاركين في كل مجموعة، بأن يفترضوا أنه سيُطلَب من كل منهم الإجابة عن مجموعة متنوعة من الأسئلة من فروع مختلفة من المعرفة مثل العلوم، الطقس ،التاريخ، والصحة، فعندها كيف سيُقيّم كل منهم ما يعتقد أنه يمتلكه من معارف قد تؤهله للوصول لإجابات عن هذه الأسئلة؟
توصل الباحثون إلى أن المجموعة الأولى التي استخدمت الإنترنت في المرحلة الأولى من التجربة كانت لها تقديرات مُبَالغ فيها لقدراتها، ولما تعتقد أنها تمتلكه من معرفة تؤهلها للوصول لإجابات عن هذه الأسئلة المفترضة.

 

البحث على الإنترنت يجعلنا نتوهم أن هذه المعلومات التي نستطيع الوصول إليها من الإنترنت، هي امتداد طبيعي للمعلومات المخزنة في أدمغتنا. كأن أدمغتنا أصبحت متصلة بالإنترنت مثل بقية الأجهزة التي تتعامل مع الشبكة، وهو ما يؤدي لتقديرات مُبَالغ فيها لحجم ما نعتقد امتلاكه من معرفة. لقد فقدنا في هذه الحالة الخط الذي يفصل بين ما في أدمغتنا من معرفة، وما نستطيع الوصول إليه من خارج أدمغتنا من معلومات عن طريق الإنترنت، وكأن الدماغ والإنترنت صارا كيانا واحدا.

معرفتي الحقيقية

قد نكون مررنا بما يشبه هذا التأثير في تعاملنا مع مصادرنا التقليدية للبحث عن المعلومات والمعرفة قبل الإنترنت؛ مثل البحث في الكتب أو الاستعانة بمساعدة أشخاص من حولنا. عند الاستعانة بصديق مثلا لسؤاله عن معلومة تنقصني في موضوع بحث معين، فالخط الفاصل أوضح بين ما في دماغي من معرفة وبين ما استطعت الوصول إليه من خارجه، ومن الصعب أن أتخيل أن دماغي ودماغا آخرا صارا كيانا واحدا. لكن ما يجعل الإنترنت مختلفا عن أي مصدر آخر من مصادر المعرفة الخارجية هو سرعة وسهولة الوصول إليه وإلى المعلومات المخزنة فيه بأي وقت وأي مكان، وهو ما يجعل عملية اندماجه مع الدماغ البشري أسهل عن أي مصدر آخر من مصادر المعرفة الخارجية التقليدية.
لم يقدم هذا البحث ونتائجه الإجابات بقدر ما طرح كثيرا من التساؤلات عن شبكة الإنترنت، وحجم وطبيعة الدور الذي تلعبه في حياتنا. ولا أحد يستطيع أن يشكك في أهمية الإنترنت لنا، وما وفره من سهولة وسرعة للوصول للمعلومات، ولكن عندما تصبح الحدود غير واضحة بين ما في أدمغتنا وما في خارجها، سنقع في فخ التضخيم المبَالغ فيه لقدراتنا ولمعارفنا الشخصية، وهو ما سيضعنا في مواقف صعبة، وخاصة عندما يُحال بيننا وبين المعرفة المخزنة على الإنترنت لسبب أو لآخر، فعندها هل سنجد في أدمغتنا أشياء ذات قيمة تقدم المساعدة والدعم لنا؟!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد