تتوارد الكثير من التقارير مؤخرًا عن قروض صينية هائلة حصلت عليها دول عدة في القارة الأفريقية. وبعض حكومات تلك الدول التي حصلت على القروض بالفعل تتعثر في سداد مدفوعاتها، موقعةً بلادها في أزمات مالية حادة، تؤدي في بعض الأحيان إلى التنازل عن ممتلكات استراتيجية، مثل الموانئ، للدائنين.

وفي هذا الصدد، نشرت مجلة «إيكونوميست» البريطانية تقريرًا عن بعض الآليات المقترحة في القمة الأخيرة لمجموعة العشرين لفرض مزيد من الشفافية في ما يتعلق بالحصول على القروض، حتى لا تضطر الشعوب لتحمل كلفة قروض تستدينها حكوماتها دون علمها.

أشارت المجلة إلى أنّ حكومة موزمبيق اعترفت عام 2016 بديون سرية يبلغ قدرها 1.4 مليار دولار، أو 11% من إجمالي الناتج المحلي، حصلت على معظمها كضمانات لقروض الشركات المدعومة من الدولة. وبعد تعثّر النمو وانهيار العملة، انسحب المقرضون الأجانب.

وبحسب دينيس نامبوريت، الناشطة في المجتمع المدني، كانت النتائج مدمّرةً، إذ ظلت الوحدات الصحية خاليةً من الأدوية لعامين. وفي الوقت الحالي، يلاحق المدعون الأمريكيون ثمانية أشخاص متورطين في الفضيحة، من بينهم ثلاثة مصرفيين أجانب ووزير مالية سابق، بتهمة غسيل الأموال والاحتيال.

وبينما قد تبدو قضية الديون في موزمبيق استثنائيةً، تنفي المجلة ذلك، وتفيد بأنّ هذه أزمة مستشرية في عدد من الدول النامية. فحتى صندوق النقد الدولي ليس لديه حصر دقيق بمقدار الديون المستحقة على الحكومات. إذ أنّ بعض الدول تخفي حصولها على قروض من الصين وغيرها من الدول التي اتجهت مؤخرًا لمنح القروض، والبعض الآخر يحصل على القروض في صورة دفعات مقدمة من تجارة النفط، أو مديونيات الشراكات بين القطاع العام والخاص، أو حتى في صورة قروض خفية من البنوك التجارية.

لكن بحسب التقرير، فمعهد التمويل الدولي -مجموعة من البنوك والمؤسسات المالية- استجاب للقلق المتزايد بشأن تلك المسألة عبر صياغة مبادئ تتعلق بشفافية الديون، وصدّق عليها وزراء مالية دول مجموعة العشرين في قمة بمدينة فوكوكا في اليابان، عقدت في 8 و 9 يونيو (حزيران) الحالي.

Embed from Getty Images

ووفقًا لما كشفته المجلة في تقريرها، فهذه المبادئ اختيارية، ولن تطبّق إلا على القروض التي يمنحها القطاع الخاص. وبموجبها، يفصح المقرضون عن أي قروض تقدم إلى الحكومات منخفضة الدخل أو الشركات الحكومية خلال فترة من 60 إلى 120 يومًا من تسليم القرض. وستشمل التفاصيل الغرض من القرض، وقيمته، والنطاق الذي يقع ضمنه معدل الفائدة. وستحتفظ مؤسسة دولية بالبيانات، ربما تكون صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي.

ويمكن لمجموعة العشرين أن تستخدم سلطتها التصويتية في صندوق النقد الدولي للإصرار على حفظ المعلومات لدى الصندوق. وتشير المجلة إلى تصريح سونجا جيبس من معهد التمويل الدولي بأنّ رأي المجموعة سيكون مؤثرًا على القطاع الخاص.

فرغم استفادة المقرضين من معرفة المزيد عن الديون الحكومية، يحجم البعض عن مشاركة المعلومات التي يعتبرونها حساسةً تجاريًا، لذا ستكون هناك حاجة للضغط عليهم. وأشارت المجلة في تلك المسألة إلى تصريح أدلى به مارك بلانت من مركز التنمية العالمية للأبحاث، قال فيه: «الأمر يتعلق بكشف الدول المقترضة وفضحها، وهذا ينجح في بعض الأحيان، ويفشل في بعضها الآخر».

لكنّ مخططًا كهذا يحتاج بنودًا تضفي عليه بعض الشراسة. وأحد المقترحات بحسب المجلة هو وجوب إلغاء عقود القروض السيادية التي لم يكشف عنها في غضون 30 يومًا من التوقيع في المحكمة. وبما أنّ اتفاقات القروض الدولية تعقد بموجب قانون نيويورك أو القانون الإنجليزي، كما كانت صفقات قروض موزمبيق السرية، لذا فإنّ تغيير قواعد هذين القانونين يعد بداية جيدة.

وتشير المجلة إلى أنّ تيم جونز، المسؤول بحملة اليوبيل للديون، وهي المؤسسة البريطانية الخيرية القائمة على الفكرة، يرى أنّ القانون والمؤسسات القضائية راسخة تمامًا في النظامين القانونيين المذكورين، لذا من غير المرجح أن ينتقل قطاع الأعمال إلى مكان آخر بنظام قانوني مختلف.

وأفادت المجلة بأنّ المقترح حظي بدعم برلماني في بريطانيا، إذ كتب 51 عضوًا من البرلمان طلبًا إلى رئيس مجلس العموم لدعم اقتراح اليوبيل، من بينهم وزراء سابقين للتنمية الدولية من حزبي العمال والمحافظين، وفي الخامس من يونيو، صرّح حزب العمال بأنّه سينفذ الفكرة إذا فاز بالسلطة.

وتؤكد «الإيكونومست» أنّ التغييرات القانونية لم تدرج بعد في أجندة مجموعة العشرين. لكنّ زيادة الديون تغذي الشعور بالحاجة لمثل هذا التغيير.

ويعتقد صندوق النقد الدولي أنّ 44% من الدول منخفضة الدخل تعاني الديون، أو معرضة لخطرها، حتى دون حدوث أي أزمات مفاجئة. وبحسب اليوبيل، ارتفع متوسط مدفوعات الديون الخارجية في الدول النامية من 6.6% من الإيرادات الحكومية عام 2010 إلى 12.2% في 2018، وربما تعني الديون السرية أنّ الصورة الفعلية أسوأ بكثير.

الهروب الكبير.. هكذا بدأت البرازيل عصرها الاقتصادي الذهبي حين طلّقت «صندوق النقد»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد