نشرت صحيفة «ذا جلوب أند ميل» الكندية مقال رأي لزميلة السياسة الخارجية في معهد بروكنجز نهى أبو الدهب حول توجه بعض الدول لإبرام صفقات أسلحة بينما من المفترض أن توجه هذه الأموال الطائلة لجهود مكافحة فيروس كورونا المستجد، الذي حصد أرواح أكثر من 477 ألف شخص حتى الآن في جميع أنحاء العالم.

وبينما ترنحت الأسواق وأغلقت الشركات أبوابها في جميع أنحاء العالم تحت وطأة جائحة كورونا، ظلت صناعة واحدة على الأقل تستمتع بسير عملها كالمعتاد، هي شركات الأسلحة العالمية.

وتشير الباحثة إلى أنه منذ شهر مارس (آذار) الماضي، وقعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على 15 صفقة سلاح بقيمة تزيد على تسعة مليارات دولار، بعضها مع أنظمة قمعية مثل الفلبين والسعودية.

وفي كندا، أعلنت حكومة رئيس الوزراء جاستن ترودو أنها ستستأنف اتفاقًا لتصدير الأسلحة بمليارات الدولارات مع السعودية، لتلغي بذلك القرار الاختياري الذي اتخذته في أبريل (نيسان) بتجميد التصدير خلال فترة تفشي الجائحة. وهكذا ظلت الشهية العالمية لبيع الأسلحة وشرائها قوية رغم الدعوات لوقف إطلاق النار في شتى أنحاء العالم، والذي تدعمه كندا.

كورونا لم يعرقل بيع الأسلحة للشرق الأوسط

يضيف المقال: من الصعب أن تتعامل بجدية مع جهود الحكومات لتخصيص موارد هائلة لإعطاء الأولوية للأمن، في حين تبرم في الوقت ذاته صفقات أسلحة بمليارات الدولارات، خاصة وأن هذه العسكرة تقوض قدرة الدول على القضاء بفعالية على وباء كوفيد – 19.

والموقف في اليمن خبر دليل على ذلك، إذ تسببت الحرب المستمرة منذ ما يزيد عن خمسة أعوام في كارثة إنسانية من صنع البشر، أدت إلى موجتين من أسوأ موجات تفشي وباء الكوليرا في العالم، وألقت بوطأتها على حياة ملايين الأشخاص.

Embed from Getty Images

والآن تضطر المنشآت الصحية باليمن، المدمرة فعليًا بسبب الحرب، أن تخوض صراعًا جديدًا لكبح جماح مرضٍ مُعدٍ آخر، كما أن الولايات المتحدة قطعت في مارس الماضي المساعدات الإنسانية والصحية إلى اليمن، بيدَ أنها استمرت في بيع الأسلحة بوتيرة مثيرة للفضول إلى التحالف العربي الذي يقاتل داخل اليمن ضد المتمردين الحوثيين.

وأشارت تقارير عدة، من بينها تقارير وثقها خبراء بالأمم المتحدة، إلى جرائم حرب محتملة ارتكبها التحالف العربي والأطراف المتصارعة الأخرى في ذلك النزاع، مع سقوط العدد الأكبر من الضحايا المدنيين بسبب الغارات الجوية للتحالف.

في غضون ذلك، زادت ألمانيا من مبيعات أسلحتها خلال العام الجاري، ومن بينها صفقة كبيرة مع مصر، ما يجعل القاهرة أكبر مشترٍ للأسلحة الألمانية خلال الربع الأول من العام الحالي.

كما وقعت الهند اتفاقًا مع إسرائيل يسمح لها بشراء أسلحة بقيمة 116 مليون دولار أمريكي، حتى في الوقت الذي تتصارع فيه الهند مع ارتفاع معدلات الإصابة بجائحة كوفيد – 19.

وفي مايو (آيار) الماضي، أقال ترامب المفتش العام بوزارة الخارجية، ستيف لينيك، الذي أجرى تحقيقًا حول قانونية مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية والإمارات خلال العام الماضي.

أثرياء الحرب لا يأبهون بضحايا الصراعات في العالم

ترى الباحثة أنه لا يمكن للدول المصدرة للأسلحة التوفيق بين دعمها لوقف إطلاق نار عالمي من جهة ودعمها المستمر للعسكرة من ناحية أخرى.

وتلفت إلى أن أثرياء الحرب، بما في ذلك الحكومات التي تجني كثيرًا من الأموال من خلال صفقات الأسلحة، أظهروا بالفعل عدم اكتراثهم بدعوات التضامن.

وتستهجن الباحثة المحاولة الشائعة لتبرير هذه المبيعات باعتبارها تسهِم في الحفاظ على العديد من الوظائف، التي تعد حيوية خاصة خلال فترة تفشي الجائحة، بيدَ أن زيف هذه الادعاءات افتضح على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة.

تستشهد الباحثة على ذلك بتقرير صادر عن مركز السياسة الدولية، يوضح كيف أن الوظائف التي وفرتها مبيعات الأسلحة أقل كثيرًا مما يزعم ترامب.

Embed from Getty Images

وتنقل عن مدير المركز وليام هارتونج قوله إن مثل هذه الوظائف، تشكل أقل من عُشر من واحد بالمائة من العمالة الأمريكية.

في غضون ذلك، يستمر استخدام مثل هذه الأسلحة في حربي اليمن وليبيا وأجزاء أخرى من العالم في القضاء على الوظائف، ناهيك عن إزهاق أرواح المدنيين الأبرياء.

التحول من خطاب الأزمة إلى لغة الحرب

ورغم العواقب المدمرة، فإن التدفق المستمر للأسلحة الغربية لتغذية الصراعات في الشرق الأوسط يوضح على نحوٍ مؤلم أنه في حال لم يرَ الناس تأثيرًا مباشرًا وفوريًا، فربما لا يشعرون بالقلق حيال ما ينبغي أن يُنظر إليه في جميع أنحاء العالم على أنه جريمة حرب.

ويتابع المقال: إن التوجه نحو إضفاء الطابع الأمني على المشكلات الإنسانية واضح في التجاوب مع الجائحة أيضًا. فبعد أن بدأ الفيروس مباشرةً في التأثير على الدول الأوروبية والولايات المتحدة، تحول الحديث من خطاب أزمة إلى لغة الحرب.

وأعلن الرؤساء ورؤساء الوزراء في جميع أنحاء العالم أنفسهم رؤساء فترة حرب. ووضعت الحاجة إلى أجهزة التنفس الاصطناعي في نيويورك في مقارنة مع الحاجة إلى الصواريخ. وطُلب من الصين دفع تعويضات سنوية عن تفشي فيروس كورونا المستجد، تمامًا كما فعلت ألمانيا مع إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية.

Embed from Getty Images

يُعد هذا النوع من المقارنات مضرًا، بحسب الباحثة، ويصرف الانتباه عن المسألة الأكثر أهمية وهي القضاء على الفيروس، كما أنها تصرف الانتباه أيضًا عن الموت والدمار الناجمين عن الأسلحة في الصراعات المنتشرة حول العالم، ناهيك عن المشاكل الهيكلية الكامنة التي أدت لفشل الأنظمة الصحية في مواجهة الفيروس بفعالية.

وينطبق ذلك خاصة على منطقة الشرق الأوسط، التي تحصل على أكثر من نصف صادرات الأسلحة الأمريكية وتُعد بؤرة ساخنة لوباء كوفيد – 19.

وتختم الباحثة مقالها بالقول: مع عدم وجود إصلاح جاد لآليات التطبيق في كل مكان من كندا والولايات المتحدة إلى ألمانيا وبريطانيا، لن يكون أي قانون كافيًا لحماية الضحايا الذين يتحملون معاناة مضاعفة من هذا المزيج المميت.

وتشير إلى أن المصالح الاقتصادية والأمنية المنحرفة، إلى جانب الافتقار للإرادة السياسية، تعني جميعها أن صفقات الأسلحة ستستمر في التدفق كالمعتاد، وتترك وصمة عار أكبر وأكثر قتامة على جبين تاريخنا الجماعي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد