نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي تقريرًا لإليزابيث بيز نجدام، أستاذة مساعدة اللغة الألمانية في جامعة «كولومبيا» البريطانية، تحدثت فيه عن العدد المتزايد من القصص المصورة والرسوم الهزلية «الكوميكس» التي تتناول قصص اللاجئين في عبور الحدود.

واستهلت الكاتبة تقريرها بالقول إن الرسوم الهزلية التي تتناول قصص اللاجئين ليست جديدة. ففي نهاية المطاف، نجد أن البطل الخارق، سوبرمان، الذي ألَّفه جيري سيجل وجو شوستر، كان لاجئًا هبط إلى الأرض بعد رحلة من كوكب كريبتون. إلا أن الاهتمام تزايد مؤخرًا في تسطير قصص المهاجرين، خاصةً تجارب اللاجئين وطالبي اللجوء. ومنذ عام 2011 ومع بداية الحرب الأهلية في سوريا، أصبحت القصص المصورة والرسوم الهزلية منبرًا لدراسة الهجرة القسرية العالمية.

ما الهدف من قصص اللاجئين الهزلية؟

يوضح التقرير أن هذه القصص المسماة «قصص اللاجئين الهزلية» تتراوح من قصاصات على صفحات الصحف إلى كاريكاتيرات الإنترنت والروايات المصورة التي تتكون من تقارير صحفية لشهود عيان أو تعاون صحفي مع ناشري الكتب الهزلية. وكُتبت هذه القصص بهدف تجسيد وجهات نظر اللاجئين والفنانين والمتطوعين والصحفيين العاملين على أرض الواقع في مجتمعات النزوح ومناطق الحروب على طول الخط في رحلة أولئك المهاجرين.

حقوق إنسان

منذ 8 شهور
مترجم: «تُركنا في عرض البحر».. حكايات اللاجئين الذين تصدهم اليونان عن شواطئها

كما تُنشر هذه القصص المصورة أحيانًا بالتعاون مع منظمات حقوق الإنسان. ولهذا يتعامل مؤلفو هذه القصص الهزلية مع موضوعات معقدة ومأساوية كان من الصعب تجسيدها بطريقة أخرى.

ويلفت التقرير إلى أن مؤلفي الرسوم الهزلية يعتمدون النسق التقليدي لهذه الرسوم، بما فيها الطبيعة التسلسلية ومزج النص والصورة لتعزيز التعاطف والشفقة مع رحلة الهجرة. ويهدفون من خلال هذه الوسيلة إلى إعطاء صوتٍ لطالبي اللجوء واللاجئين الذين هم جزء من 80 مليون عائلةٍ حول العالم نزحت قسرًا، وتظهر صورهم بوصفهم مجهولين في وسائل الإعلام الغربية.

القضايا المعقدة من وجهة نظر الراوي

تقول الكاتبة إن هذه الرسوم الهزلية يرسمها عادةً رسامو كاريكاتير غربيين بناءً على شهادات مباشرة من المهاجرين واللاجئين الذين عملوا معهم أو قابلوهم. وهذه الرسوم لا تُرسم بيد اللاجئين بل عنهم. وتستقرئ الباحثة كانديدا ريفكند، التي تدرس القصص الهزلية البديلة والقصص المصورة، كيف تُظهِر هذه الرسوم تجربة المهاجرين غالبًا عندما تتنازع مشاهد قصص المهاجرين مع مشاعر «الخزي والذنب والشعور بالمسؤولية» من أجل زيادة وعي المجتمع الغربي عمومًا وحثِّه على الاستجابة لواقع حال اللاجئين.

كما تثير هذه الروايات أسئلة أخلاقية بشأن معنى رواية هذه القصص ومن له الحق في روايتها أو مَنْ المسؤول عن ذلك. وفي حين أن الأسئلة عن علاقات القوة المتضمنة في كيفية إنتاج هذه النصوص لا تزال قائمة، تبقى هذه الرسوم الهزلية عن الهجرة القسرية العالمية وسيلةً مهمةً لاستنطاق تمثيل المهاجرين والظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة برحلاتهم.

وتتحدى هذه القصص المصورة أيضًا الصورة التي يمكن أن تُنقَل بوسيلة أخرى عبر وسائل الإعلام الرئيسة على أنها أزمة مهاجرين عالمية دون توضيح للبُعد الإنساني، مع ما يحمله ذلك من أخطار تحيط باللاجئين من كره الأجانب وجرائم الكراهية. وعلى حد تعبير كانديدا، هذه الرسوم هي نوع من التدخل في «نظام التصوير الفوتوجرافي للمهاجرين بوصفهم الآخر الذي ظهر على أنه الوجه المرئي السائد» للعولمة المعاصرة.

وفي هذه الرسوم الهزلية بشأن تجارب الهجرة القسرية، يصبح الأشخاص اللاجئون محور قصصهم الخاصة. إلا أن الرسوم الكرتونية تسمح لرواة القصص بتمثيل هؤلاء الأشخاص دون الكشف عن هويتهم، الأمر الذي يُسهل على الناس «الإدلاء بشهاداتهم كاملة وبمنتهى الوضوح» مع منحهم خصوصيتهم الإنسانية.

وتلفت الكاتبة إلى أنه قد يكون هناك عواقب سيئة على اللاجئين الذين يدلون بشهاداتهم بشأن ظروف هجرتهم أو العنف والقمع الذي تعرضوا له. كما أن الأدلة المصورة على الإقامة غير القانونية أو غير النظامية في مخيمات المهاجرين أو أثناء رحلة شخص ما لطلب اللجوء قد تعرض سلامته وهدفه النهائي للخطر.

إستراتيجيات بصرية جديدة

وتجدر الإشارة إلى أن الرسوم الهزلية عن الهجرة القسرية تبتكر أيضًا إستراتيجيات مرئية جديدة لسرد تجارب اللاجئين. ويستخدم الفنانون مخطط لوحات الرسوم الهزلية لإضافة طبقة أخرى على الرواية تتأرجح عادةً بين قدرة المبدعين على تجسيد تجربة أو عاطفة أو حدث معين وبين عدم قدرتهم على تصوير بعض أشكال الصدمة والتجربة الحية.

وفي قصته «قصص المهاجرين السوريين غير المرغوبة» (2018)، يُصوِّر المؤلف والرسام الأمريكي دون براون لحظات المصاعب والأمل في حياة اللاجئين الذين التقى بهم شخصيًّا في ثلاثة مخيمات يونانية للاجئين وهي: ريتسونا وسالونيك وليروس.

والعنف الذي واجهه لاجئو رواية براون المصورة هو العنصر الوحيد الذي يبرز من خلال الصفحات. إذ يكسر الرصاص حواف الصفحة وتنفجر القنابل من الطائرات المصورة ويتصاعد الدخان السام عبر إطارات الصورة.

ويعتمد براون على المزج بين تجاوز الحدود والتلاعب بها في رسومه لإظهار العلاقة بين العنف وتخطي الحدود.  إذ لم يكتفِ العنف الدائر في سوريا بإجبار السوريين على السفر بحثًا عن الأمان والحرية، بل عرَّضهم للعنف والكراهية خارج حدود بلادهم وفي أي مكان تحط فيه رحالهم.

واشتملت القصة المصورة التي ألفتها كيت إيفانز، رسامة الكاريكاتير البريطانية ومؤلفة القصص المصورة، بعنوان «من أزمة اللاجئين» عام 2016، على نقد اجتماعي وسياسي وثقافي نابع من تجربة المؤلفة في التطوع في أكبر مخيم للاجئين في بلدة كاليه بشمال فرنسا، والذي استمر من يناير (كانون الثاني) 2015 إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

وأضافت الكاتبة شريطًا من الدانتيل حول رسوماتها وهو الأمر الذي وجدته دراسة كاتبة التقرير أنه يتجاوز مجرد تشبيه الدانتيل بالعوامل المتشابكة والعلاقات المعقدة التي ظهرت في كاليه. بل أظهرت الدراسة أنه وُجد في نص كيت إيفانز ليحاكي تشابك تاريخ صناعة الدانتيل في كاليه وتجربة اللاجئين في الوقت نفسه.

أُطر جديدة داخل القصص

ويشير التقرير إلى أن الهواتف الذكية أيضًا بدأت تؤدي دورًا في تمثيل قصص اللاجئين في الرسوم الهزلية، إذ تعمل شاشات هذه الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي بوصفها إطاراتٍ داخل بعض القصص. وضمَّن راينهارد كلايست، مصمم الجرافيك ورسَّام الكرتون الألماني وسائل التواصل الاجتماعي في حبكة رسومه في قصته «حلم الأولمبياد: قصة سامية يوسف عمر» 2016، التي تروي قصة عدَّاء الأولمبياد الصومالي عمر الذي قضى نحبه غرقًا أثناء عبوره البحر نحو إيطاليا عام 2012.

وسُرِدت بعض الأجزاء من حكاية عمر داخل القصة المصورة على شكل منشورات على موقع «فيسبوك» بناءً على مقابلات أجريت مع أخت عمر وصحافي آخر كان قد أجرى مقابلة معه وعلى معرفةٍ به.

وأثار الرياضيون الصوماليون الاهتمام بقصة عمر لجذب انتباه العالم إلى الأولمبياد بوصفها مكانًا لتعزيز الوعي حول الحرب والسلم العالمي. وردد كلايست في مقدمته كثيرًا قوله: «ليست مجرد أرقام بل هي حياة بشر».

وتنضم هذه القصة الهزلية وغيرها إلى عديد من وسائل الإعلام الجديد مثل: مقاطع الفيديو الرائجة والألعاب والأفلام الوثائقية التي تُسلط الضوء على الدور الذي يمكن أن تلعبه الأجهزة المحمولة أثناء رحلة التهجير.

وتختم الكاتبة بالقول إنه من خلال قصصهم الشخصية، تضفي القصص المصورة طابعًا إنسانيًّا على الهجرة القسرية وتجارب اللاجئين. كما توفر هذه الفئة من السرد المصوَّر أيضًا فرصًا للتعبير عن تعقيد تجربة اللاجئين من خلال تقنيات السرد والإستراتيجيات المرئية للفن الهزلي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد