قال أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت، هلال خاشان، في مقال على موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز» إن الشعوب العربية ما عادت تصدق وعود حكامها الكاذبة.

وأوضح خاشان أن ظهور الدول العربية الحداثية بدأ بتأسيس جامعة الدول العربية عام 1945. ومنذ آنذاك، وقعت رهينة نخب دينية أو عسكرية مستبدة تمنع بحث دور الدين في المجتمع. وحتى يومنا هذا، لا تتفق الشعوب مع حكامها بشأن شرعية الحكم وكيفية إدارته. في معظم الدول العربية، خضعت المؤسسات الدينية الرسمية لهوى النظام، وقُمعت حركات المعارضة الإسلامية بانتظام، واستخدمت النظم الحاكمة الدين لترسيخ سلطتها على الدولة.

فنون

منذ شهرين
هل تريد التعرف إلى التاريخ العربي دون ملل؟ 6 مسلسلات تاريخية تمنحك الفرصة

من مصر، حيث فضل أنور السادات أن يُدعى الرئيس المؤمن، إلى السودان، حيث طبق الرئيس جعفر النميري الشريعة، لم يتردد القادة العرب في إعلان تدينهم علانية. لكن ما يميز الطبقة الحاكمة عن الناس ليس الاختلافات في مستويات تدينهم، ولكن البيئة السياسية التي يجب أن تعمل فيها النخبة. يجب على القادة العرب اجتياز المعايير الإقليمية والدولية المعقدة التي تطالبهم بالتخلي عن بعض قيمهم الثقافية الحاسمة للتمسك بمواقعهم في السلطة. تتمحور الانقسامات اللاحقة بين المجموعتين حول وجهات نظرهما المختلفة حول القومية العربية والعدالة والإنصاف والتضامن الإسلامي.

الوعود الواهية.. عادة القادة العرب الأزلية

لطالما أبدى القادة العرب حماسًا أقل تجاه القضايا العربية من حماس الجمهور العربي نفسه – يؤكد خاشان. في عام 1946، دعا الملك فاروق، رؤساء الدول العربية إلى قمة في الإسكندرية لمناقشة تدهور الوضع في فلسطين. كان لدى الجمهور العربي آمال كبيرة في أن يؤدي الاجتماع إلى تغيير حقيقي لصالح الشعب الفلسطيني والعالم العربي ككل، ولكن على الرغم من التزام القادة العرب بالعمل عن كثب لتحقيق المصالح المشتركة، فإن القمة لم ترق إلى مستوى التوقعات. ومع ذلك، فقد أرست نمطًا للقمم العربية اللاحقة.

Embed from Getty Images

في الواقع، كثيرًا ما يقدم القادة العرب وعودًا جريئة لكنهم يفشلون في الوفاء بها. في عام 1964، اتفقوا على تحويل روافد نهر الأردن للحد من تدفق المياه إلى إسرائيل. لكن في النزاعات اللاحقة، تمكنت إسرائيل من الاستيلاء على منابع النهر. في عام 2018، قررت الدول العربية تخصيص 100 مليون دولار شهريًا لتحسين حياة الفلسطينيين الفقراء في الضفة الغربية، لكن الخطة لم تُنفذ قط.

وفي وقت سابق من هذا العام، وقعت الإمارات العربية المتحدة والبحرين اتفاقيات سلام مع إسرائيل قوضت مبادرة السلام العربية – وهو اقتراح لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي أعلن عنه في قمة جامعة الدول العربية في بيروت عام 2002. بل إن الجامعة رفضت اقتراحًا من السلطة الفلسطينية لإدانة الإمارات والبحرين لانتهاكهما مبادرة السلام العربية.

تصرفات عكس التيار

في قمة الخرطوم في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967 – يضيف خاشان – أبدت الدول الغنية المنتجة للنفط (المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا) تضامنًا غير عادي من خلال تعهدها بتقديم مساعدات مالية لمصر والأردن، اللتين عانتا من خسائر مالية وإقليمية في الحرب.

أرسلت عدة دول عربية أخرى – مثل العراق والسودان والجزائر والمغرب – وحدات عسكرية. لكن هذه كانت إيماءات رمزية ولم تساهم كثيرًا في المجهود الحربي. في الواقع، رحب السعوديون سرًا بهزيمة مصر عام 1967. فالسعوديين كرهوا جمال عبد الناصر بشدة لدعمه الانقلاب في اليمن عام 1962 الذي أشعل فتيل حرب أهلية بين الملكيين المدعومين من السعودية والجمهوريين المدعومين من مصر.

في أغسطس من عام 1990، بعد أسبوع واحد من غزو الجيش العراقي للكويت، عقد الرئيس المصري حسني مبارك قمة طارئة في القاهرة، بدعوى إيجاد حل عربي للأزمة. لكن في الواقع – يكشف شاخان – مهدت الحكومات العربية الطريق فعليًا لتدخل عسكري أمريكي.

Embed from Getty Images

ولم يتمكنوا من الاتفاق على مشروع قرار يدين غزو القوات العراقية ويطالب بانسحاب فوري وغير مشروط. مبارك نفسه أيد القرار واعترض على اقتراح يسمح للعراق بالخروج لحفظ ماء الوجه من الكويت. لكن الجماهير العربية انحازت إلى العراق. اندلعت مظاهرات حاشدة ضد الحشد العسكري بقيادة الولايات المتحدة في العديد من الدول العربية، بما في ذلك مصر.

عندما بدأت عملية عاصفة الصحراء في يناير 1991، أطلق العراق عشرات صواريخ سكود على إسرائيل. عند سماع النبأ، سجد وزير الدفاع السوري، حمدًا لله على الهجوم الصاروخي، وهو الوزير الذي أرسل فرقة مدرعة إلى السعودية للانضمام إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. كان رده مثالًا على الصدام بين السلوك المتوقع من المسؤولين العرب في الدوائر الدبلوماسية والمعتقدات الراسخة لدى الكثيرين في جميع أنحاء العالم العربي.

الحاجة لعقد اجتماعي جديد

قد يجادل العرب بأن هذه المعتقدات يجب ألا تقتصر على الممارسات الثقافية فحسب، بل أيضًا على السياسات في الدول العربية، فالعدل والإنصاف والأخوة مكونات أساسية للشريعة الإسلامية. وتؤثر مثل هذه المبادئ الدينية في الفكر السياسي العربي ومقاربات السياسة الخارجية مثل القضية الفلسطينية. لذلك بينما يفكر الغربيون في هذه القضية من الناحية العملية ويحاولون إيجاد حلول واقعية، يرى العرب أنها مسألة صواب وخطأ.

وهكذا – يضيف شاخان – يعرف القادة العرب أن شعوبهم ستنظر إلى توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل من خلال هذه العدسة. وأفضل ما يمكنهم فعله للالتفاف على المعارضة العامة هو التأكيد على أن مثل هذه الاتفاقيات يمكن أن تمهد الطريق لاتفاق سلام من شأنه أن يفيد الفلسطينيين. لكنهم يخدعون شعوبهم لتجنب الظهور وكأنهم فقدوا الاهتمام بالقضية.

Embed from Getty Images

تمتد هذه المشكلة أيضًا إلى قضايا تتعلق بالدول غير العربية. وصف سفير الإمارات في الهند مؤخرًا تحرك نيودلهي لتجريد كشمير من وضعها المستقل بأنه خطوة نحو السلام، وهو تعليق أغضب شعب الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من اضطهاد الصين لمسلمي الإيغور، فقد عززت السعودية علاقاتها الاقتصادية مع الصين على مدى السنوات القليلة الماضية، وهي خطوة لاقت انتقادات في وسائل الإعلام العربية وبين المعارضين العرب.

انتقدت منظمات حقوقية ووسائل إعلام عربية السعودية بسبب معاملتها القاسية للاجئين الروهينجا المسلمين الفارين من ميانمار، الذين سُجن بعضهم لسنوات في ظروف مروعة. وعلى الرغم من أن دول الخليج قدمت مساعدات إنسانية للروهينجا، إلا أنها فعلت ذلك لتجنب الانتقادات لتجاهلها لمحنتهم. يعتقد المسلمون العرب بأن جميع المسلمين، بغض النظر عن عرقهم، هم جزء من مجتمع المؤمنين وبالتالي لهم الحق في الحصول على مساعدة غير مشروطة من إخوانهم المسلمين.

لا يتفق العرب وقادتهم على دور الدولة. لكنهم الآن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد ومتفق عليه يمكن أن يحكم العلاقة بين النخبة الحاكمة والشعب. هزمت الثورات المضادة انتفاضات الربيع العربي – يقول شاخان – لكن المشاكل المجتمعية الحرجة والأسئلة حول دور الدولة والدين ظلت دون إجابة. تمكنت الدول الغنية بالنفط في العالم العربي من شراء ولاء مواطنيها مؤقتًا باستخدام ثروتها الهائلة، لكن عدم الاستقرار سيستمر في حصارها حتى يدرك قادتها أنهم بحاجة إلى التوصل إلى صفقة مع الجماهير تحترم قيمهم. سيتطلب الأمر دولة واحدة فقط لكسر حلقة هيمنة النخبة؛ ثم سيتبعها الآخرون – وهذا بالضبط هو السبب في أن الرجعيين المعادين للثورة يقاتلون بشدة للحفاظ على الوضع الراهن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد