في سعيهما لتعزيز ا قتصادهما، بدأت السعودية والإمارات في تجنيس عدد منتقى من الأجانب

على مدى سنوات كان المغتربون الذين توافدوا إلى الخليج يحلمون بالحصول على الجنسية السعودية أو الإماراتية، مع أنهم يشكِّلون ما يصل إلى 33% من سكان السعودية وحوالي 85% من سكان الإمارات. ولم يحصل على هذه الجنسية لا عمَّال البناء من مصر، ولا الخادمات الفلبينيات، ولا مهندسي العراق، أو أطباء الهند والمملكة المتحدة، حتى وإن أمضوا في دول الخليج عشرات السنوات، واتخذوا لهم منازل هناك. وفي الوقت الحاضر عندما أصبح الطلب العالمي والمحلي على أصحاب المهارات والمواهب مرتفعًا، غيَّر حكام الخليج موقفهم وأصبحوا يتنافسون على ذلك بشدة.

كان هذا ما استهلت به كسينيا سفيتلوفا، السياسية والصحافية الإسرائيلية، مقالها الذي نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية نقلًا عن موقع «ميديا لاين»، والذي تحدثت فيه عن اتجاهات تجنيس الأجانب التي بدأت حكومات الخليج العربي الإعلان عنها؛ مغيرين بذلك موقفهم الثابت في هذه القضية، والذي دام لعشرات السنوات.

البحث اللاهث عن المواهب من أجل التجنيس

تشير الكاتبة إلى أن السعودية أعلنت هذا الأسبوع أنها ستمنح الجنسية لمجموعة من المغتربين «المتميزين»، ومنهم الأطباء، ورجال الدين، والأكاديميين، لتصبح بذلك ثاني دولة خليجية تُقدم برنامجًا رسميًّا لتجنيس الأجانب ذوي المهارات الاستثنائية هذا العام. وفي وقت سابق من هذا العام قررت الإمارات منح الجنسية للمقيمين الأجانب «الموهوبين» الذين من شأنهم أن «يضيفوا قيمة للبلاد».

Embed from Getty Images

ولكن الفرصة في الوقت الحالي محدودة للغاية، ووفقًا للإعلام السعودي، ليست هناك عملية تقديم مفتوحة لطلب الجنسية، بل قد تمنح الدولة الجنسية للأفراد الذين «يستوفون المعايير». وفي الإمارات يُرشَّح المتخصصون والمحترفون من قِبل أفراد العائلة المالكة أو المسؤولين الإماراتيين فقط، ويقول الخبراء إنه لن يتمكن سوى عدد قليل من المحترفين والمتخصصين الأجانب من استغلال هذه الفرصة في الوقت الحالي.

ومن المؤكد أن الحاجة إلى المواهب الأجنبية ستستمر في النمو وستصبح بطاقة الجنسية بمثابة ميزة استثنائية للباحثين عن عمل. يقول البروفيسور عوزي ربيع، مدير مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب: «دول الخليج تستهدف تقنيات الغد، فهم قلقون من انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة ومن محاولة إيران بسط هيمنتها ولذلك، فهم مدركون بأنهم في حاجة إلى ميزة تكنولوجية فائقة. كان الإماراتيون يتقدمون في هذا المضمار، والآن السعودية أيضًا تتقدم، فهم يشترون أنظمة معرفية متكاملة مع توظيف الأشخاص الذين يعملون على تشغيلها، وهناك العديد من الفرص للمحترفين في جدة والرياض وغيرها. ويأتي التطور التكنولوجي السريع في قمة أولويات محمد بن زايد آل نهيان ومحمد بن سلمان».

وفي الواقع يمكن اعتبار دولة الكويت رائدة في انفتاحها على الأجانب في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولكنها تراجعت في العقود الثلاثة الماضية عن كثير من نجاحاتها السابقة في جذب المواهب من الخارج. وفي الوقت الحالي إذا تزوجت المرأة الكويتية من أجنبي، فلا يحق حتى لأطفالها الحصول على الجنسية الكويتية.

وتُشجع كل من الإمارات والسعودية على «سعودة» و«توطين» سوق العمل في بلديهما من أجل مكافحة البطالة وتنمية المواهب.

بين دبي والرياض

تلفت الكاتبة إلى أنه هناك منافسة واضحة بين دول الخليج في المباني الشاهقة، والمشروعات باهظة التكلفة، واجتذاب الأشخاص الموهوبين. وعرضت الإمارات جنسيتها على الوافدين الموهوبين في يناير (كانون الثاني)، وجذبت بذلك اهتمام وسائل الإعلام، ثم حَذَت السعودية حذوها في نوفمبر (تشرين الثاني). وفي وقت سابق من هذا العام، طلبت السعودية من الشركات الدولية نقل مقارها الإقليمية إلى الرياض وإلا ستخسر عقودها الحكومية معها. وحتى الآن نقلت 44 شركة مكاتبها إلى الرياض، معظمها من دبي الساحرة، ومن المتوقع أن تنضم إليهم شركات أخرى قريبًا.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«بلومبرج»: هل تحل السعودية محل دبي في عالم الأعمال؟

يقول موران زاغا، الخبير في الجغرافيا السياسية لدول الخليج في جامعة حيفا: «هذه الخطوة تنضم إلى سلسلة قرارات أخرى تحاكي السياسة الإماراتية، إذ يرى السعوديون نجاح الإمارات ويطمحون إلى تطوير إستراتيجية مماثلة تتوافق أيضًا مع الطابع المحافظ للدولة. وتدرك قيادة المملكة أن عليها الانفتاح، ولكن لديها مخاوف أيضًا من فقدان السيطرة. وعلى الصعيد الداخلي، تعاني السعودية من ضعف سياسي لأكثر من ثلاث سنوات، وتحاول استعادة قوتها من خلال التنمية الاقتصادية». 

ويضيف البروفيسور عوزي ربيع قائلًا: «تبحث هذه الدول عن أحدث التقنيات، وهم يعرفون أن باستطاعتها إيجاد بعض منها هنا في إسرائيل. وكان هناك تعاون بين بلدينا لسنوات، والآن هناك المزيد بعد توقيع اتفاقيات أبراهام. ولكن هل سيعيد السعوديون التواصل مع إسرائيل لتعزيز هذا التعاون، والإسهام في انفتاحه؟ لقد بدأوا في التحدث عن ذلك بالفعل، ولكن يجب أن تُفكك بعض الحواجز أولًا».

«لا حاجة للجنسية السعودية»

تقول الكاتبة إنه وفقًا لمسح أجراه مركز الشباب العربي، وللسنة العاشرة على التوالي، فإن غالبية الشباب العربي الذين شملهم الاستطلاع يرغبون في العيش في دبي، والإمارات هي الدولة التي يرغبون أن تحذو بلدانهم الأصلية حذوها. والآن سيحظى الأكثر تميزًا منهم، ليس فقط بفرصة العمل في الإمارات، أو دول الخليج الأخرى، بل الحصول على الجنسية، والتمتع بكامل الحقوق والمزايا التي تجلبها. وهناك اعتقاد شائع أن العديد من المغتربين الذين يعيشون في الدول الخليجية يتطلعون للحصول على جنسيتها؛ لأنها تأتي مع حزمة من المزايا الجذابة التي تشمل رواتب أعلى، وضرائب أقل.

Embed from Getty Images

ولكن هناك بعض المغتربين الذين يعملون في دول الخليج يرون أنهم سيعودون في نهاية المطاف إلى بلدانهم، ومن ثم ليس هناك حاجة للحصول على جنسية بلد تهيمن عليه تشريعات صارمة للشريعة الإسلامية، بحسب التقرير. يقول باتريك، وهو مهندس بريطاني يعمل في مدينة الدمام، إن زملاءَه السعوديين يدفعون ضرائب أقل، بينما عليه أن يدفع هو ضرائب خاصة إضافية لأنه جلب زوجته وأطفاله معه. ومع ذلك فهو غير متأكد إن كان سيقبل الجنسية السعودية في حال أُتيحت له الفرصة. يقول باتريك: «أود بالطبع أن أدفع ضرائب أقل وأن أحصل على راتب أعلى. ولكن في نهاية المطاف لن أعيش حياتي كلها هنا، فالتقاليد المحلية غريبة علي وعلى عائلتي». ويضيف أن زملاءَه من مصر، والعراق، وأوكرانيا، وروسيا، ربما يستفيدون من فرصة التجنيس في حال أُتيحت لهم. 

وتختم الكاتبة بالقول: سيكون من المثير للاهتمام خلال السنوات القادمة متابعة عدد المواهب الأجنبية التي ستحصل في النهاية على الجنسية السعودية أو الإماراتية، ومن أين أتوا، وفي أي المجالات يعملون. وليس هناك شك في أن البحث عن الكفاءات والتقنيات سيواصل نموه، وسيغيِّر وجهات النظر، والمواقف في الخليج.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد