يبدو أن التساؤلات حول المستقبل السياسي في اليونان قد أجيبت. ولكن لا تزال المسائل الاقتصادية عالقة. أعيد انتخاب رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس خلال الانتخابات العامة 20 سبتمبر/ أيلول، ورغم أن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي قد رحبوا بفوزه فإنهم ما فتئوا يحثون أثينا على التركيز نحو الإصلاح الاقتصادي. وهذا هو بالضبط ما ستفعله الحكومة. بحلول نهاية أكتوبر، سيكون على أثينا مراجعة الميزانية العامة لعام 2015، وتقديم ميزانية 2016 التي تشمل خفضًا كبيرًا للإنفاق. ومن أجل الامتثال لشروط خطة الإنقاذ، سوف تبدأ أثينا في فرض زيادات ضريبية على المزارعين. وإدخال إصلاحات في سوق العمل والاستمرار في خصخصة الشركات المملوكة للدولة، بل نهاية العام الحالي.

تحليل

وكان قرار تسيبراس بالاستقالة والدعوة إلى انتخابات مبكرة في أغسطس خطوة محفوفة بالمخاطر، ولكنها جاءت بدافع الضرورة. بعد أن فقدت حكومته الدعم من قطاع كبير من حزب سيريزا الحاكم الذي تركه يعتمد على المعارضة لتمرير التشريع (خطة الإنقاذ الأوروبية). إجراء انتخابات جديدة (الثالثة هذا العام بعد الانتخابات العامة في يناير كانون الثاني والاستفتاء في يوليو) كان يهدف إلى تخليص سيريزا من أعضائه المتمردين وتشكيل حكومة أكثر تماسكًا من شأنها أن تدعم بنود الاتفاق مع المقرضين.

سياسيًّا، عملت الإستراتيجية بنجاح. لم يفقد سيريزا سوى كمية ضئيلة من الأصوات بالمقارنة مع انتخابات يناير كانون الثاني (كسب 35.5 في المئة من الأصوات مقابل 36.3 في المئة في يناير كانون الثاني). حزب الوحدة الشعبية الذي تم إنشاؤه من قبل المتمردين المنشقين عن سيريزا فشل في تجاوز الحاجز الانتخابي اللازم لدخول البرلمان. حلفاء تسيبراس، من اليونانيين المستقلين حدوا بدورهم العدد الكافي من المقاعد للحفاظ على تحالفهم مع سيريزا.


لذا فإن النسخة الجديدة من حكومة تسيبراس من المرجح أن تكون أكثر تماسكًا على المستوى الأيديولوجي، لأنها هذه المرة عليها الالتزام بحملة رئيس الوزراء الذي تعهد بوضوح باحترام شروط برنامج الإنقاذ. انهارت الحكومة سيريزا السابقة جزئيًّا بسبب الوعود الانتخابية الغامضة، والتي أدت إلى الصراع داخل الفصائل المختلفة للحزب. ومع ذلك، فإن هذه الحكومة أيضًا سوف تتحكم في عدد أقل من مقاعد البرلمان (الإدارة الأولى لرئيس الوزراء تسيبراس حازت 12 مقعدًا فوق الأغلبية وقد فقد الآن ثمانية من هذه المقاعد) وهذا يعني أن تسيبراس سوف يكون أكثر حذرًا في إدارة نزاعاته.

حتى نهاية العام، سوف يكون على أثينا العمل مع المقرضين من أجل إصلاح القطاع المصرفي اليوناني، وخلق إطار لإعادة رسملة البنوك في البلاد. ويشمل ذلك تقييم نوعية قروضها وإجراء اختبارات الإجهاد. تضمن خطة إنقاذ اليونان نحو 25 مليار يورو (حوالي 28 مليار دولار) لإعادة رسملة بنوك المتعثرة في البلاد هذا العام، إلا أن الكم الذي سوف يكون متاحًا فعليًّا سوف يعتمد على نتائج اختبارات الإجهاد. هدف اليونان هو استكمال عملية إعادة الرسملة قبل عام 2016، حيث ستفرض قواعد أكثر صرامة من قبل الاتحاد الأوروبي بشأن الخسائر على المودعين. سيكون على أثينا التعامل مع هذه القضية بينما تحاول أيضًا بشكل تدريجي رفع القيود على رأس المال، والتي تم تطبيقها في يونيو/ حزيران.

فرصة للنزاع

في الأسابيع المقبلة، سوف تركز المفاوضات بين اليونان ودائنيها على مسألتين: أولهما وتيرة وصرف أموال الإنقاذ، وثانيهما تخفيف عبء الديون.

فيما يتعلق بوتيرة الإصلاح فإن اليونان تعمل من خلال جدول زمني ضيق، ومن غير المرجح أن تنجح أثينا في تلبية جميع المواعيد النهائية المفروضة عليها بشأن الإصلاحات. وهذا ربما يؤخر استعراض برنامج اليونان، وبالتالي صرف أموال خطة الإنقاذ. هذه ليست مشكلة ملحة، ولكن، في المقابل تمتلك اليونان أجندة هادئة نسبيًّا بشأن استحقاقات الديون ويمكنها أن تتحمل تأخر بعض مصروفات خطة الإنقاذ.


الدائنون من المرجح أيضًا أن يكونوا متساهلين مع تسيبراس بالنظر إلى تراجع حدة خطابه على مدى الأشهر التسعة الماضية. ولكن في النهاية هناك حدودًا لصبر الدائنين وحكومات دول مثل ألمانيا وفنلندا وهولندا على استعداد لاستئناف الضغط في حال فشل أثينا في إحراز تقدم في تنفيذ بنود خطة الإنقاذ بحلول نهاية العام.

والآن بعد أن قبل تسيبراس شروط اتفاق الإنقاذ فإنه سوف يحتاج إلى وضع مطلب تخفيف عبء الديون مرة أخرى على طاولة المفاوضات كمقدمة لجولة جديدة من تدابير التقشف وللحفاظ على دعمه السياسي. الدائنون الآن أكثر تقبلًا لفكرة تمديد آجال استحقاقات اليونان وخفض مدفوعات الفائدة مما كانوا عليه عندما فاز تسيبراس في الانتخابات الأولى في يناير/ كانون الثاني. ومع ذلك، فإن أي تأخير في الجدول الزمني للإصلاح سوف يؤذي هذه المفاوضات.

في المدى القريب، فإن اتفاق الإنقاذ ونتائج الانتخابات الأخيرة تحقق بعض الهدوء المؤقت لليونان. وقد تجنبت اليونان التخلف عن المسار، وكما توقعت ستراتفور فإن البلاد سوف تبقى في منطقة اليورو على الأقل إلى نهاية العام. الحكومة المنتخبة حديثًا سوف تستخدم الأسابيع الأولى في السلطة لتمرير أكبر قدر من الإصلاحات للحصول على أموال إضافية في عام 2015. والدائنون أيضًا سيكونون أكثر مرونة عند التعامل مع أثينا التي صارت أكثر مرونة، وذلك بهدف منع حدوث أزمة سياسية جديدة.

ومع ذلك، فإن اليونان لم يخرج من الغابة بعد. وجود برنامج للإنقاذ مع تقارير مؤشرات أداء ثابتة سوف يخلق فرصًا متعددة للصدام بين أثينا ودائنيها. في حين أن إدخال تدابير التقشف ربما يؤدي إلى تآكل الدعم الشعبي للحكومة، وتباطؤ وتيرة الإصلاح في النهاية. علاوة على ذلك، فإن الاقتصاد اليوناني ينمو ببطء شديد، مما يقلل من احتمال أن أثينا سوف تتخلص من ديونها في أي وقت قريب. ستبقى ديون اليونان لا يمكن تحملها، وعلى الرغم من أن تهديد جريكسيت (خروج اليونان من منطقة اليورو) قد تم تجنبه مؤقتًا، فإنه لم يتم القضاء عليه كليًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد