الفترة التي سبقت الانتخابات العامة في اليونان والمزمع إجراؤها في 20 سبتمبر/ أيلول دفعت البلاد إلى فترة أخرى من عدم اليقين.

وتظهر استطلاعات الرأي سباقًا محمومًا بين ائتلاف رئيس الوزراء السابق ألكسيس تسيبراس (من حزب اليسار الراديكالي المعروف باسم سيريزا) وحزب الديمقراطية الجديدة المحافظ.

وتشير استطلاعات الرأي أيضًا إلى أن ما يقرب من 9 أحزاب قد تتخطى حاجز الـ3% من الأصوات اللازمة لدخول البرلمان الذي يضم 300 مقعد، ما قد يسفر عن سلطة تشريعية مجزأة للغاية. من المرجح أن يسفر الأمر عن حكومة ائتلافية غير مستقرة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن عددًا كبيرًا من الناخبين لم يحسموا أمورهم بعد.

وبغض النظر عن هوية الأحزاب التي ستجد نفسها في نهاية المطاف في موضع المسؤولية، فإن إحدى النتائج شبه المؤكدة للانتخابات وهي أن عملية تطبيق أي خطة للإنقاذ سوف يتم تأجيلها ومعها تدبير الأموال اللازمة للإنقاذ، والتي تبدو اليونان في أشد الحاجة إليها. هذا سيمدد بيئة عدم الاستقرار التي تسيطر على أثينا إلى نهاية العام على الأقل.

(1) سيناريوهات الانتخابات اليونانية المبكرة

لم يقم ستراتفور بتوقع نتائج الانتخابات، ولكن هناك 4 سيناريوهات رئيسة يمكن أن يسفر عنها التصويت:

1- السيناريو الأول: حكومة الحزب الأوحد

يعتبر هذا السيناريو هو الأقل احتمالًا. تحقيق أغلبية مطلقة في البرلمان اليوناني (151 مقعدًا أو أكثر) سوف يسمح للحزب الفائز بالسيطرة على العملية التشريعية وتبسيط عملية صنع القرار. ومع ذلك فإن استطلاعات الرأي لا تشير إلى أن أيًّا من سيريزا أو حزب الديموقراطية الجديدة على مقربة من الفوز بمقاعد كافية في البرلمان اليوناني ليحكم وحده.

2- السيناريو الثاني: تشكيل حكومة ائتلافية

يمكن للانتخابات أيضًا أن تنتج ائتلافًا حاكمًا من حزبين أو كتلة متعددة من الأحزاب. يعطي الدستور اليوناني 50 مقعدًا إضافيًّا للحزب الذي يحصل على النسبة الأكبر من الأصوات. إذا قدم أي من سيريزا أو الديمقراطية الجديدة أداءً جيدًا فإنه قد لا يحتاج إلى دعم أكثر من حزب صغير لتشكيل الحكومة. في هذا السيناريو، فإن الأحزاب الصغيرة مثل حزب بوتامي الوسطي أو الحركة الاشتراكية اليونانية (يسار الوسط) المعروف باسم «باسوك» من شأنهم أن يكونوا حلفاء طبيعيين لأي من سيريزا أو الديمقراطية الجديدة. مع ذلك، تشير استطلاعات الرأي حاليًا أن الأمر قد يحتاج إلى أكثر من حزبين لتشكيل الحكومة. إدارة متعددة الأحزاب يمكن أن تؤدي إلى فترات شبه مستمرة من الأزمة التي تهدد بانشقاق في صفوف المشرعين.

3- السيناريو الثالث: تشكيل ائتلاف موسع

تبدو الائتلافات الكبرى أمرًا شديد الندرة في السياسة اليونانية نظرًا لأن الأحزاب السائدة غالبًا ما ترفض بشكل تقليدي العمل معًا. لكن تحولًا كبيرًا حدث في عام 2012 حين قبل الخصمان التقليديان الديموقراطية الجديدة وباسوك أن يشاركا في الحكم معًا لمنع ارتفاع سيريزا. مع ضعف حزب باسوك، فإن ائتلافًا كبيرًا هذه المرة قد يشمل الديموقراطية الجديدة وسيريزا. بينما قد يبدو على السطح أن ائتلافًا مثل هذا قد يشكل حكومة مستقرة، إلا أن طبيعة الأطراف داخله من شأنها أن تولد الاحتكاك الدائم وتجعل عملية صنع القرار معقدة. وقالت الديمقراطية الجديدة إنها قد تنظر في تشكيل حكومة مع سيريزا، ولكن تسيبراس يرفض هذه الفكرة إلى الآن.

4- السيناريو الرابع: لا حكومة

بعد الانتخابات، ووفقًا للدستور اليوناني، يجب على الرئيس أن يطلب من الحزب صاحب العدد الأكبر من الأصوات تشكيل الحكومة. إذا فشل هذا الحزب في تشكيل الحكومة، تمرر الفرصة إلى الطرف صاحب المركز الثاني في عدد مقاعد البرلمان وهكذا دواليك.
إذا لم يظهر الائتلاف الحاكم، يتوقع إجراء انتخابات جديدة. حدث هذا السيناريو عام 2012 حين اضطرت اليونان لإجراء دورتين انتخابيتين قبل أن يتم تشكيل حكومة.
ومع ذلك، وتحت ضغط من الاتحاد الأوروبي قد يلجأ الرئيس اليوناني إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية ربما تتكون من التكنوقراط والشخصيات غير المثيرة للجدل إلا أن مثل هذه الحكومة لا تزال تتطلب تصديقًا من البرلمان.

(2) تأثير الانتخابات على خطة الإنقاذ

مع استبعاد السيناريو الأول لكونه غير وارد، فإن على الأحزاب اليونانية أن تتعاون لمنع الوصول نحو انتخابات جديدة. وبشكل عام، تدعم معظم الأحزاب استمرارية برنامج الإنقاذ الحالي. ومع ذلك، خلال الحملة الانتخابية، فإن بعض الأحزاب المؤيدة لبرنامج الإنقاذ قد أدخلت عدة تعديلات في البرنامج أو على الأقل عدلت أولويات بعض الإصلاحات المنصوص عليها في اتفاق الإنقاذ مع الآخرين. وبعض النظر عمن هو المسؤول فإن الإدارة المقبلة في أثينا ستحاول إبطاء عملية الإصلاح الاقتصادي؛ مما سيزيد من توتر العلاقات مع الدائنين.

وما دام التحالف المؤيد للإنقاذ هو من يسيطر على السلطة، فمن المرجح أن يعطي الدائنون السياسيون اليونانيون وقتًا إضافيًّا من أجل التوصل إلى برنامج الحكم وخطة لإصلاح. ولكن العديد من الحكومات في شمال أوروبا (وخاصة ألمانيا وهولندا وفنلندا) قد استثمرت رأس مال سياسي كبير في دعم خطة إنقاذ اليونان، وقد قدموا وعودًا للمشرعين المحافظين في الداخل أن أثينا ستبقى على الخط. هذا يعني أن الدائنين سوف يتحلون ببعض الصبر مع اليونان، ولكن الضغوط من المقرضين سوف تعود قبل نهاية العام في الوقت الذي ستبحث خلاله أثينا عن مساحة كبيرة للمناورة في شروط الإنقاذ.

ومع ذلك، فإن الانتخابات اليونانية سوف تؤجل الجدول الزمني الحالي لاستعراض خطة برنامج الإنقاذ وصرف الأموال. من المفترض أن الدائنين سوف يقومون بتقييم تطور خطة الإنقاذ في أكتوبر. ولكن مع دخول الموسم الانتخابي فإن جميع عمليات الإصلاح قد توقفت تقريبًا. (على سبيل المثال، تم تأجيل القرارات بشأن خصخصة الشركات المملوكة للدولة). ونتيجة لذلك، فإن الدائنين ربما يتراجعون في استعراض أكتوبر ويقررون حجب أقساط الإنقاذ القادمة. سيتسبب الجدول الزمني الجديد أيضًا في تعثر قرارات صندوق النقد الدولي بشأن ما إذا كان سيشارك في البرنامج. وهكذا، في حين أن المحادثات بشأن تخفيف الديون، القضية الرئيسية لصندوق النقد، يمكن أن تبدأ بعد الانتخابات بفترة وجيزة، فمن غير المرجح أن يبادر الصندوق بتقديم أي ثمار قبل نهاية العام.

إلى حد مقبول يبدو لدى أثينا متنفس. بعد سداد مدفوعات الديون الكبيرة للبنك المركزي الأوروبي في يوليو وأغسطس، تواجه اليونان جدولًا زمنيًّا أكثر هدوءًا إلى حد ما من استحقاقات الديون لبقية العام. وهذا يعني أن أثينا يمكن أن تستمر في ظل تأخر صرف أموال خطة الإنقاذ. ومع ذلك، فإن اليونان ليس بعيدًا عن المشاكل المالية حتى الآن. وقد يؤدي تأخر تنفيذ برنامج الإنقاذ وحجب الأموال لفترة أطول إلى عودة سيناريو جريكسيت (خروج اليونان من منطقة اليورو مرة أخرى).

(3) خلفيات هامة لفهم الانتخابات اليونانية

1- في الخامس من يوليو/ تموز الماضي صوت اليونانيون بفارق ملحوظ، لرفض مطالب التقشف الأوروبية التي كانت تعني المزيد من المساعدات المالية لليونان، وصارت اليونان معرضة لمغادرة منطقة اليورو بما قد يحمله ذلك على اليونان وأوروبا بشكل عام، وثارت التكهنات حول انهيار وشيك لمنطقة اليورو بل ربما للاتحاد الأوروبي بأكمله.

المزيد: 7 أسئلة تخبرك كل شيء عن أزمة ديون اليونان

2- في الثالث عشر من الشهر ذاته عقدت قمة جمعت بين اليونان وقادة دول الاتحاد الأوروبي، اتفقت أثينا مع مقرضيها على الإصلاحات اللازم إجراؤها لبدء مفاوضات تتعلق بخطة مساعدة ثالثة لليونان بقيمة تقدر ما بين 82 و86 مليار يورو على ثلاث سنوات، صرح بعدها رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس أن مخاطر خروج اليونان من منطقة اليورو قد صارت من الماضي، مؤكدًا على أن اليونان قد تمكنت من إعادة هيكلة ديونها وحصلت على تمويل متوسط الأجل بقيمة 35 مليار يورو إضافة إلى 50 مليار يورو قيمة صندوق خصخصة الأصول اليونانية الذي وافقت الدول الأوروبية على بقائه في أثينا.

المزيد: كل ما تود معرفته عن الاتفاق النهائي بين اليونان والاتحاد الأوروبي

3- واجه تسيبراس انشقاقًا داخل حزبه على خلفية موافقته على الخطة الأوروبية الجديدة حيث صوت 40 عضوًا من حزب سيريزا ضد الخطة الأوروبية التي تم تمريرها في البرلمان بفضل أحزاب المعارضة، ومع تزايد الضغوط على تسيبراس فقد قرر تقديم استقالته في 21 أغسطس/ آب مع إعلان ترشحه للانتخابات المبكرة المنتظر عقدها، في حين أعلن المنشقون عن سيريزا نيتهم تشكيل حزب جديد سيطلق عليه “ليكي أنوتيتا” (الوحدة الشعبية(.

4- أيد حزمة الإصلاحات 222 نائبًا من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 300، فيما صوت 64 نائبًا ضد المشروع، وامتنع 11 عن التصويت في ظل غياب 3 نواب؛ ما يعني أن أغلب القوى السياسية اليونانية تتفق حول ملامح خطة الإصلاح بشكل عام سوى المنشقين عن سيريزا، إلا أن انشقاق كتلة كبيرة تسبب في ضعف موقف رئيس الوزراء أمام أحزاب المعارضة، ما اضطره إلى تقديم استقالته والتوجه إلى الشعب بقوله: “أترك للشعب اليوناني أن يحكم في جميع ما توصلت إليه”.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد